“وجبة ….. إبداع وابتكار (22) “الاستشراف بالسيناريو – مفهوم السيناريو – 3 “

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، مقيم معتمد في التميز المؤسسي (EFQM)، خبير استراتيجيات القوة الناعمة، خبير ادارة مركز اسعاد المتعاملين، (7 STAR)، خبير حوكمة معتمد، خبير صناعة سيناريوهات المستقبل، 8 اكتوبر 2017

تحدثنا في الجزء الأول من المقالة السابقة حول تاريخ تقنية السيناريو وتعريفه، وسوف نتابع في هذه المقالة الثانية عن مفهوم السيناريو وأهميته المستقبلية وأهدافه.

ثالثاً: مفهوم السيناريو:

السيناريو لغوياً “كتابة مفصلة لسير الأحداث” والسيناريو المستقبلي هو وصف لوضع مستقبلي ممكن أو المرغوب فيه، وتوضيح خصائص المسار أو المسارات التي تؤدي إليه، بدءاً من الوضع الراهن، أو من وضع ابتدائي مفترض.(1)

يعتبر السيناريو أحد الأساليب المستخدمة في الدراسات المستقبلية وأكثرها شيوعًا، وتأتي كلمة “سيناريو” Scenario من الفنون المسرحية والسينما، حيث ينظم التسلسل في الأحداث والشخصيات.

والسيناريو أداة للتنبؤ بالمستقبل، بغض النظر عن الوصول إلى هدف معين، ويرى آخرون أن السيناريو وسيلة لصنع المستقبل، وأداة للتخطيط الاستراتيجي، ودعم اتخاذ القرارات المستقبلية المبنية على الظروف البيئية الممكنة.(2)

والسيناريو المستقبلي هو أحد نتاج العلم الحديث يقوم أساساً على دراسة الجدوى، وهذا يعني السيطرة على الخطة، ومدى إمكانية استمرارها، والوفاء بالتزاماتها المادية، وتوفير القيادة التقنية والتغلب على العقبات الخارجية التي قد توقف السيناريو في إحدى مراحله، وإذا كان من المجدي أن يواصل أو يتم ايقافه، ورفع مستوى التطوير العلمي في المجال قيد الدراسة، وهو يعتمد على منظومة كبيرة من البيانات المبرمجة والمخزنة والتي يتم تحديثها باستمرار وفقاً للتغيرات في جميع الميادين.(3)

والسيناريوهات هي قصص مصنوعة بعناية عن المستقبل، تشتمل على تفسير للحاضر ورؤية للمستقبل وتقدير منظم لأحداث من الحاضر إلى المستقبل بمختلف احتمالاته، ويمكن تطبيق السيناريوهات على أي نطاق جغرافي أو زمني لكنها عادة ما تكون أكثر فائدة قياساً إلى غيرها من وسائل التفكير في المستقبل مع اتساع الآفاق الزمنية، ويمكن أن تحتوي السيناريوهات على تمثيل نوعي وكمي معاً، كما يمكن صياغتها من خلال عمليات يغلب عليها الطابع الجماعي أو يغلب على قيادتها الخبراء، ولا تعني السيناريوهات بكشف الآثار الناجمة عن حدوث تطورات معينة لأحداث فحسب بل أيضاً المسارات التي قد تقودنا إلى نتائج بعينها سواء كانت هذه العواقب مرغوب بها أم لا، مع ارتباطها بالقرارات السياسية.(4)

وكما تعتبر السيناريوهات قصص حول العقود الآجلة الممكنة، في حين أننا لا نستطيع التنبؤ بالمستقبل، وخاصة بعد عشر سنوات من الآن، ولكن يمكننا أن نفكر في ذلك بذكاء، والسيناريوهات هي وسيلة لخلق العقول بما يتفق وتمثيلات فعالة من العقود الآجلة الممكنة، لذلك نبذل ما في وسعنا للنظر في الآثار المترتبة عليها، والسيناريوهات تجيب على السؤال ” ماذا لو …….؟” ويجب أن ندرك أن العالم غير مؤكد، وأننا وأطفالنا يمكن أن تعيش في مستقبل مختلف للغاية عن الذي نتوقعه.(5)

ويمكن اعتبار السيناريوهات على أنها قصص معقولة، تشكل تحديات ذات صلة حول كيفية اكتشاف المستقبل، والتي يمكن أن تقال في كل من كلمات أو أرقام، والسيناريوهات ليست توقعات أو تنبؤات، أو توصيات، ولكنها تصورات حول مسارات المستقبل وتمثل الشكوك الحرجة، وعملية بناء السيناريوهات تدور حول طرح الأسئلة، وكذلك تقديم إجابات والتوجيه للعمل، وهو يهدف إلى توسيع وجهات النظر وتسليط الضوء على القضايا الرئيسية التي قد لا تكتشف بطريقة أو بأخرى من خلال تقديم نظرة ثاقبة للشكوك والنتائج الحالية والإجراءات التي يمكن اتخاذها في المستقبل، كما تدعم اتخاذ القرار بطريقة أكثر استنارة وعقلانية، ويمكن أن تكون السيناريوهات تطلّعية، قد تكشف الظروف الآجلة وحالات عدم اليقين الحالية أو مختلفة المظهر، بداية مع رؤية معيارية للمستقبل ويسأل ما إذا كان من المعقول الوصول إلى ذلك؟(6)

يعتبر مصطلح السيناريو من أكثر المصطلحات شيوعاُ في أدبيات التخطيط المستقبلي – التخطيط الاستراتيجي، وقد عرف منهج السيناريو على أنه (توقع افتراضي) تتابعي لحدوث الحوادث ذات العلاقة بهدف تركيز الاهتمام في العلاقات السببية ومجالات اتخاذ القرار ، “فمنهج السيناريو أحد المناهج التي يتطلبها استخدام منهج تحليل النظم، اذ يأتي السيناريو ليعطي صورة عن مخرجات النظام من الحوادث ويعد كذلك من أهم مناهج الدراسات المستقبلية التخطيط الاستراتيجي في التعليم.(7)

رابعاً: أهمية السيناريو المستقبلي:

السيناريو يعتمد بشكل رئيس على منظومة كبيرة من البيانات المبرمجة والمخزنة والتي يتم تحديثها باستمرار وفقا للتغيرات في جميع الميادين، وكلما كانت عملية بناء السيناريوهات المتعلقة ببناء قضية أو مشكلة ما شاملة لأكبر عدد ممكن من العوامل والمتوقعة كلما ازدادت صحة التنبؤ، لذا يفضل البناء بشكل تشاركي يضم أكبر عدد من الخبراء من خلفيات متنوعة وانتماءات مختلفة، كما وتستخدم نتائج السيناريوهات من أجل بناء نماذج مختلفة ومحتملة للمستقبل يمكن أن تستخدم كبوصلة تحدد السياسات التي من الأفضل تبنيها حالياً والسياسيات طويلة الأجل.(8)

السيناريوهات هي واحدة من العديد من منهجيات التبصر، ومتطورة وتختبر عبر الحكومة وقطاع الأعمال والتعليم وتوفر عملية منظمة للأشخاص لبدء التفكير بوعي في المستقبل على المدى الطويل والآثار المحتملة لاستراتيجية اليوم أي التنقل في “رقعة الشطرنج” وهي عملية إبداعية ومشتركة تتيح الوقت للتفكير حول المنظمة ومستقبلها، حيث أن السيناريوهات تعزز صندوق أدوات الإدارة الاستراتيجية للمدير لأنها تركز على الطرق التقليدية في الماضي ويركز السيناريو على المستقبل، حيث أن الجمع بين كل من الماضي والمستقبل يجعل التفكير في الاستراتيجية أقوى ويشجع الاستجابة والمرونة والميزة التنافسية، وتتضح أهمية اسلوب السيناريوهات في دراسة المستقبل فيما يلي:(9)

1. إن دراسة المستقبل من خلال السيناريوهات تعتبر مناسبة ليس فقط لاستطلاع الآفاق المستقبلية لمجتمع ما، وإنما مناسبة أيضاً للتأمل في واقع هذا المجتمع، واستكشاف ما يحمله الواقع الراهن من مضامين يكتنفها الغموض والالتباس.

2. يساعد في الواقع على مدى إمكانية حركة المجتمع المستقبلية في حالة تغير المعطيات سواء كانت موضوعية أو افتراضية، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.

3. تنبيه صانع القرار بطبيعة المشاكل والنتائج التي تترتب عن اختيار مسار معين من مسارات تطوير الأحداث والظواهر، مما يساعد على إصلاح أو تكييف القرارات السياسية أو حتى التراجع عنها في حالة ما إذا اقتضت الضرورة ذلك، كما يساعد على التعبئة لمواجهة الآثار التي قد تنجم عن حدوث مسار معين. (10)

4. أن دراسة المستقبل من خلال وضع السيناريوهات عمل تنويري في المقام الأول، فمن خلال السيناريوهات يمكن للمجتمع أن يميز بين ما هو موضوعي وحتمي، وما هو ذاتي وإرادي في تحدي ملامح المستقبل.

5. أن دراسة المستقبل من خلال السيناريوهات عمل توجيهي أو إرشادي فهي ترشد رجل السياسة أو الاقتصادي أو الاجتماعي المسؤول عن اتخاذ القرار إلى ما هو ممكن وما هو محتمل، كما ترشده إلى نوع التغيير الذي يمكن إحداثه، وهل هو تغيير جذري أو تطويري.(11)

6. إن دراسة المستقبل من خلال صنع السيناريوهات يجعل التنمية وتحديد أفاقها المستقبلية عملاً تشاركياً ديمقراطياً شعبياً، حيث لا تكون التصورات المستقبلية حكراً على فئة من التكنوقراط (المخططين) أو من رجال السياسة المحترفين، وأن تكون نتائج جهة وفكر فئات متخصصة وغير متخصصة (شعبية)، ومن بين أصحاب التخصصات أفراد ينتمون إلى تخصصات مختلفة، وبذلك يمكن اعتبار السيناريوهات أدوات علمية تساعد على استقراء الواقع المجتمعي، والتعرف على التغيرات الجوهرية التي يتعرض لها المجتمع في حركته، واستكشاف الاحتمالات المنتظرة والممكنة في مسارات مستقبلية، مع حساب ما ينطوي عليه كل مسار من منافع وتكاليف، بما يساعد متخذ القرار على اتخاذ قراره المناسب.(12)

7. قد يؤدي السيناريو إلى تعبئة صانع القرار في التخطيط أو التقويم لعمل ما، وفك ارتباطه في الماضي، مع إمكانية تصور المستقبل وتحليله، ويوسع التفكير الإستراتيجي ويساعد على التكيف مع التغيير.

8. تعزز السيناريوهات الدافع والتفكير الإبداعي والجماعي.
والأهم من ذلك، وجهة تخطيط السيناريو ليست التنبؤ بالمستقبل الأكثر احتمالاً، بل تطوير واختبار الخيارات الاستراتيجية في إطار مجموعة من العقود الآجلة، والقيام بهذه العملية بشكل استباقي اساساً، والتمرين لعدة عقود، يعزز قدرة المنظمة على الاعتراف بالسلبيات، والتكيف مع التغيير، والاستفادة من التغيرات في الصناعة على مدى الزمن، ومن وجهة نظر علمية، تخطيط السيناريو له فائدة إضافية تتمثل في تعزيز مستويات عالية من التعلم التنظيمي والتعاون التي ليست بعمق الممارسات الاستراتيجية الأخرى.

المراجع:
1. جورج وجيه عزيز، دراسة المستقبل واستبصار مفهوم التصميم المستقبلي، بحث منشور بمجلة التصميم الدولية، القاهرة، الاصدار الرابع، 2014.
2. فاتن محمد عزازي (2012): الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها التربوية، دار الزهراء، الرياض، ص 239.
3. جورج وجيه عزيز، مرحع سابق.
4. جورج وجيه عزيز، مرحع سابق.
5. http://www.slideshare (sbrnyak)
6. Paul, Raskin, Global Scenarios in Historical Perspective, In Ecosystems and Human Well-Being: Scenarios—Findings of the Scenarios Working Group Millennium Ecosystem Assessment Series, edited by Stephen Carpenter, Prabhu Pingali, Elena Bennett and Monika Zurek, 35–44.
7. ابراهيم العيسوي -الدراسات المستقبلية ومشروع مصر
8. جورج وجيه عزيز، مرحع سابق.
9. http://www.mwcog.org
10. ساحلي مبروك، دراسة مناهج وتقنيات الدراسات المستقبيلة وتطبيقاتها في التخطيط، جامعة البواقي ، الجزائر
11. ابراهيم العيسوي – مرجع سابق
12. ابراهيم العيسوي – مرجع سابق

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (67) ” حاجة المنظمة للادارة الابداعية – 28 “

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، مقيم معتمد في …