“وجبة….. إبداع وابتكار (52) “اليقظة الاستراتيجية (2)”

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم د. أنيس رزوق، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، خبير حوكمة معتمد، 16 مايو 2021

إن سعي المنظمات إلى مواقع الريادة يحتاج إلى رغبة ملحة ومعلومات مليئة وقيّمة لتساعدها على البقاء في الواقع السريع للاحداث في عصر التحولات المتلاحقة والمتسارعة بظل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، والمنظمات باعتبارها عنصر ديناميكي ينمو ويتطور ويتأثر بالتغييرات، فلا بد من رصد ومراقبة البيئة الخارجية التي تحيط بها والتي تؤثر وتتأثر بها، لتعي موقعها في خارطة التنافسية الذي يساعدها على اتخاذ القرارات تحقق ميزتها التنافسية وتعزز قدرتها،من خلال تميزها عن غيرها من المنظمات، لضمان استمراريتها وبقائها في تحقيق أهدافها.
فإدراك المعلومة من قبل المنظمات بالتواصل الواعي والمنصت لبيئتها، وسرعة التعامل معها وتطويعها وتسييرها بالسرعة والمرونة اللازمة لتواكب البيئة المتغيرة والمتحولة، يحقق لها اليقظة الاستراتيجية، التي تعتبر من ضمن الاساليب الادارية الابتكارية التي تقرب المنظمات من بيئتها وتساعدها على تحليلها ومعرفة مدى وملاءمتها، وهذا ما يؤهلها لاتخاذ القرارات المناسبة التي تدعم قدراتها المؤسسية التنافسية إذا تم استخدامها بالشكل الامثل وبمرونة عالية بما تحقيق الذكاء الاقتصادي لديها.

مفهوم اليقظة

اليقظة: “مشتقة من اللفظ اللاتيني (vigila) وهو ناتج عن المراقبة بالرادار والذي يعني القيام بالحراسة والمراقبة حرصا على حماية مكان ما، أو منطقة معينة والحفاظ عليها”(1).
تعريف اليقظة الاستراتيجية:
هي “عملية مستمرة تؤدي إلى الجمع المخصص والمتكرر لبيانات أو معلومات ومعالجتها وفقا لغرض أو أكثر من أغراض المستخدمين باستخدام الخبرة ذات صلة بالموضوع أو طبيعة المعلومات المجمعة” (2)
وتعرف كذلك بأنها ” العملية الجماعية المستمرة التي تقوم بها مجموعة من الأفراد بطريقة تطوعية فيتتبعون ويتعقبون، ومن ثم يستخدمون المعلومات المتوقعة التي تخص التغيرات التي من المحتمل أن تحدث في المحيط الخارجي للمؤسسة “(3).
وعرفها (Humbert Lasca) “بأنها الاجراء الجماعي المستمر من خلال مجموعة من الافراد التي تتولى جمع واستغلال المعلومات بشكل تطوعي واستباقي بما يتماشى والتغييرات المحتمل حدوثها في البيئة الخارجية، وكذا من أجل خلق فرص الاعمال والتخفيض من مخاطر عدم اليقين” (4).
أما (Reix) فيرى بأن اليقظة هي الاستعلام عن سلوكيات المنافسين والابتكارات التكنولوجية ومراقبة الاستراتيجية التجارية ومعرفة الرغبات الجديدة للمستهلكين وبصفة عامة مراقبة البيئة، فكل هذه الانشطة تدخل ضمن اليقظة الاستراتيجية التي تعني تنظيم مهام ملاحظة المعلومات واختبارها وتأويلها ونشرها بغرض تحسين القرارات المهمة في المؤسسة.(5)

علاقة اليقظة الاستراتيجية بالتغيير

من أهم مراحل إدارة التغيير وأهمها مرحلة قوة أو فكرة التغيير أو صناعة التغيير واثباته أو اشعور به، والتي تبدأ دوماً من بيئة المنظمة، والتي تم اعتمادها في معظم نماذج التغيير مثل، (نموذج لوين لإدارة التغيير )، (نموذج ماكنزي )، (نموذج كيرت ليوين Model Writer Kurt Leven )، (نموذج افانوفيتش في ادارة التغيير Ivancevich Model) وغيرها الكثير من النماذج، وهذا ما يتفق مع اليقظة الاستراتيجية التي تركز على أهمية البيئة المدركة لدى المديرين والتي تشكل العامل الاساسي في ركن التغير ومدخل اليقظة الاستراتيجية، وهذه البيئة المدركة تفسر تباين الاستراتيجيات في المنظمات المتشابه الظروف تقريباً، والتي تتعلق بقدرة المديرين في تفسير وتحليل بيئات المنظمة، فتلقفها بالسرعة الممكنة وتفسيرها وتفعيلها للمعلومات المتأتية تولد الميزة التنافسية وبالتالي التغيير.

فالتعامل مع البيئة المحيطة بذكاء وفطنة وإدراكها يعتمد على مهارة وخبرة المدير وتوجهه بعيد المدى، وهنا نلفت النظرة على بعد المدى يختلف أيضاً لدى المديرين المدركين، وهنا لب البيئة المدركة، من حيث قدرته على متابعة التغييرات والتطورات المحيطة لاستخدامها في مدخلات التحليل وربطها بأهداف المنظمة والبناء عليها في الوقت المناسب، وهذا ما يميز الاستخدام الامثل لليقظة الاستراتيجية، واليقظة الاستراتيجية تتطلب ذكاء جماعي ونظام معلوماتي منفتح على البيئات الخارجية يتم التفاعل معه بشكل مستمر بالاتصال وتحسس الاشارات التي تلوح من خلال الاتصال والتفاعل لملاحظة الاشارات والانذارات الاستشرافية المستقبلية في البيئة المحيطة للمنظمة المتوقعة لفهم واستباق النغييرات المستقبلية.
فهناك إدراك لبعض الاشارات التي تحدث في بيئة المنظمة تمكن بعض المدراء تحسسها دون غيرهم تنذرهم بضرورة التغير، مما يؤهلهم لتحقيق الاستباقية لبناء استراتيجياتهم التي تتصف بالابداع والتجدد، عوضاً عن الانتظار لبيان الآثار على أرض الواقع للتغيير، وهنا يتساوى الجميع في البناء وفق إدراك المسبق فيها.

وتعد اليقظة الإستراتيجية إحدى المفاهيم الحديثة في علوم التسيير، فهي أسلوب للمتابعة والرصد والتتبع المستمر وجمع المعلومات في جميع المجالات لمنافسيها والعمل على تحليلها بغرض اكتشاف الفرص والتهديدات المتوقعة لاستخدامها بشكل استباقي، مما يؤدي لتوفير المعلومات أو الاحداث المتوقعة في بيئاتها، تمهيداً لاستخدام تلك المعلومات في اجراء التغييرات ودعمها في عمليات التغيير الاستباقي لتكون طرفاً فاعلاً فيه، لتحقيق الصبغة التنافسية ومواكبة المستجدات الخارجية.، تفادياً من القيام بتغيير رد الفعل.

ويمكن تعريف التغيير بأنه: “التحول في وضع معين على عكس مما كان عليه من قبل، وقد يكون هذا التحول في الشكل أو النوعية أو الحالة، وهو اخلال بالتوازن في موقف الإدارة بالنسبة لعناصر الموقف المحيط خارجيا وداخليا، إذ أن قوى التغيير قد تأتي من الخارج أو من الداخل، وقد تكون مؤاتية بحيث تتيح فرصا للمؤسسة، أوغير مؤاتية بحيث تهدد أعمالها” (6).
أشار (كوتر) في نموذج التغيير المخطط له ” أن المرحلة الاولى المتمثلة في الشعور في التغيير قد لا تتوفر لدى كل المدراء بنفس الدرجة والالحاحية حتى وإن كانوا يعملون في نفس الظروف البيئية، وهذا ما يجعل اليقظة الاستراتيجية تتوفر لدى بعض المدراء من غيرهم.

وتعتبر حيازة المعلومات مورداً أساسياً في عصرنا الحالي أهم من رأس المال والتي تحقق اليقظة الاستراتيجية وتوفر للمنظمات السيروروة المعلوماتية التي تساعدها على اكتشاف المفاجأة والتنبؤ والتتبع للتغييرات والعمل من خلالها لتحقيق ميزة تنافسية للمنظمة، وهذا يستدعي المنظمات لتبني أساليب التشخيص والفهم الدقيق والفعال لبيئتها الخارجية لاكتشاف الفرص واقتناصها وتخفيف وطأة التهديدات عليها لاتخاذ قرارات مبنية على احتياجاتها وقدراتها لاطلاق استراتيجيات استباقية.

فالمعلومات لها أهميتها في تحقيق اليقظة، ولكن هل أي معلومة يمكن الاستفادة منها في تحقيق اليقظة ومعايير؟ (وهذا ما سنتناوله في مقالات لاحقة)، فالمعلومات متعددة ومتنوعة ومتشابكة، ولها تصنيفات من حيث الزمن والصفة والحاجة بالنسبة للمؤسسة، ونحن نعيش في عصر المعلومات التي تحقق يقظة عامة للمنظمة إذا تم استخدامها بالشكل الصحيح، وقد تم تصنيف المعلومات إلى معلومات رسمية(7)، وتتمثل مصادرها في: وسائل الإعلام، الكتب، بنوك المعطيات، براءات الاختراع، الدراسات والأبحاث، ومعلومات غير رسمية وتشمل جميع المعلومات باستثاء الرسمية، وتصبح صالحة للبناء والاستخدام بعد معالجتها، وهي التي تفيد المنظمة بنسبة عالية على سبيل المثال (المنافسون، الموردون والزبائن، البعثات والرحلات الدراسية، المصادر الداخلية للمنظمة، وغيرها)(8)
وقد تم تقسيم المعلومات حسب إمكانية الحصول عليها إلى:(9)
•معلومات بيضاء (معلومات عامة)، وهي متاحة للجميع وسهلة الحصول عليها، وتشكل نسبة 85%
•معلومات رمادية (معلومات حساسة)، وهي متاحة ولكن لا تدركها المنظمة، ومصادرها غير رسمية، وتشكل نسبة 15%.
•معلومات سوداء (معلومات سيئة)، وهي المعلومات التي ينهي عن نشرها غير متاحة وسرية بالنسبة للمنظمة ومحمية بالقانون أو بالعقود المبرومة، وهي مخصصة فقط للأشخاص المسموح لهم الاطلاع عليها، وتشكل نسبة 0.5%

اليقظة بشكل عام تنطبق على جميع المجالات في المنظمة حتى على المستوى الشخصي، فتوفر المعلومات واستدراكها وتحليلها يحقق اليقظة في حال تم استخدامها للتطوير والتغيير بناء على معلومات أصبحت تشكل مورداً للميزة التنافسية للمنظمة إذا تم انتاجها بالشكل الصحيح، وتحقق فيها خصائص متعددة مثل التوقيت والحداثة وأهمية محتواها من حيث الدقة والملائمة مع الغرض التي ستستخدم من أجله، إضافة للشمولية في جوانب الغرض أو الهدف، وأن تكون واضحة وجاهزة للاستخدام والبناء بما يحقق المرونة.
ما نستنتجه بأن التغيير يعني إحداث تعديلات تتوافق مع أوضاع المؤسسة، أو تغييرات في استحداث أساليب إدارية وأوجه نشاط جديدة تحقق للمؤسسة ميزة تنافسية عن غيرها، ولتحقيقه لا بد من الاتصال والتواصل وتقديم المعلومات الكافية عن هدف التغيير ومن ثم تنفيذ التغيير، وتعد اليقظة الاستراتيجية من أساليب ومداخل إدارة التغيير من حيث الحصول على المعلومات المسبقة التي تؤهلها لمعرفة ما يحيط ببيئاتها تمهيداً للاستعداد للتغيير، بعد أن تخضع المعلومات للمعالجة والتحليل المتأتية من اليقظة الاستراتيجية لتحقيق ميزة تنافسية جديدة عن غيرها من المنظمات.

المراجع:
1. Guy Massé, Intelligennce économique -un guide pour une économie de l’intelligence-, 2000, p249.
2. Humbert Lesca, la veilles stratégique, la méthode L.E.S caning, edition EMS, 2003, p: 3
3. بومدين يوسف، آلية اليقظة والذكاء الاستراتيجية، أداة لمواجهة التحديات المستقبلية وأحد عوامل التنافسية،، الملتقى الدولي الرابع حول المنافسة والاستراتيجيات التنافسية ، 8/9 نوفمبر 2010،صhttp://labocolloque5.voila.net/126boumadianeyossef.pdf. 21
4. عباس فهيمة، أهمية اليقظة الاستراتيجية في تحقيق الميزة التنافسية، رسالة ماجستير في إدارة الاعمال، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة بن يوسف بن خدة، الجزائر، 2008 – 2009، ص 52
5. REIX Robert, Systèmes d’information et Management des Organization, Vuibert 3eme édition, 2000, Paris، p56
6. – رعد حسن الصرن، “إدارة الإبداع والابتكار” الجزء الأول، دار الرضا للنشر، الطبعة الأولى ، 2000، ص89.
7. نحاسية رتيبة،أهمية اليقظة التنافسية في تنمية الميزة التنافسية للمؤسسة، رسالة ماجستير في العلوم الاقتصادية فرع ادارة الاعمال، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة الجزائر، 2002 – 2003 ص92-93
8. عباس فهيمة، أهمية اليقظة الاستراتيجية في تحقيق الميزة التنافسية، رسالة ماجستير في إدارة الاعمال، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة بن يوسف بن خدة، الجزائر، 2008 – 2009، ص 33
9. نحاسية رتيبة،أهمية اليقظة التنافسية في تنمية الميزة التنافسية للمؤسسة، رسالة ماجستير في العلوم الاقتصادية فرع ادارة الاعمال، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة الجزائر، 2002 – 2003 ص93

عن الدكتور أنيس رزوق

شاهد أيضاً

وجبة ….. إبداع وابتكار (53) “اليقظة الاستراتيجية (3)”

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، خبير حوكمة معتمد، …