موسى بن ميمون.. جسر بين حضارتين

شخصية استثنائية وحاخام يهودي علا شأنه ولمع نجمه في قلب الحضارة العربية
– اتسمت دولة المرابطين بالتسامح مع الجاليات اليهودية عكس الموحدين
– لعب اليهود في القرنين 12 و 13 دور سفراء المعرفة بين عرب الاندلس والغربيين
– الكنيس اليهودي في بيت العائلة الابراهيمية سيحمل اسم موسى بن ميمون
مثل ابن ميمون في فكره وسيرته قنطرة بين اليهودية والاسلام حياته في مصر مسيرة تلاقح وحوار للحضارات والأديان والثقافات
اسمه العربي أبوعمران بن ميمون بن عبد الله القرطبي الاندلسي
روح التسامح والتصالح سادت في فترات كثيرة في عالمنا العربي والاسلامي


في يونيو الماضي، كشفت دولة الإمارات العربية المتحدة، عن اكتمال نحو 20% من أعمال البناء في «بيت العائلة الإبراهيمية»، الذي سيضم مسجداً سيطلق عليه «مسجد الإمام الطيب»، نسبة إلى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والكنيسة ستعرف باسم كنيسة القديس فرنسيس، نسبة إلى المتصوف الإيطالي الشهير من القرن الثالث عشر فرنسيس الأسيزي، فيما الكنيس اليهودي سيأخذ اسم موسى بن ميمون.
ولأن الدكتور الطيب شخصية معاصـرة، والأسيزي ركزت عليه الأضواء مؤخراً في الذكرى الثمانمئة لزيارته للمشرق العربي زمن حروب الفرنجة كما أسماها العرب، لذا فقد بات التساؤل: من هو موسى بن ميمون، الذي سيطلق اسمه على المعبد اليهودي، ضمن البيت الإبراهيمي؟
يمكن القطع، في هذا المقام، أننا أمام شخصية استثنائية لحاخام يهودي، علا شأنه ولمع نجمه في قلب الحضارة العربية، وشارك في إثرائها بنصيب وافر من الحكمة والمعرفة، كما مثل جسراً وقنطرة بين اليهودية والإسلام والمسيحية معاً، ما يؤكد رحابة واتساع صدر هذه الحضارة التي شارك في صنعها النصارى العرب، واليهود، وحتى العلماء من غير الجذور العربية، فقد كانت العواصم العربية ومنها القاهرة، رواق الأمم، يقصدونها من كل صوب وحدب، ويجدون في أفيائها الكثير من الأمن والأمان، الأمر الذي مكنهم من الإبداع العقلي والنقلي على حد سواء.
والشاهد أن كثيراً من الأقلام تناولت سيرة ومسيرة الحاخام ابن ميمون والمعروف في اللغات الأجنبية باسم MAIMONIDES غير أن من أفضل من تناول شأنه البروفيسور تمار رودافسكي، أستاذ الفلسفة في جامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأميركية، الذي صدرت ترجمة لعمله عام 2006، من المركز القومي للترجمة في القاهرة، وقد قام عليها د. جمال الرفاعي.

«المعلم» و«النسر العظيم»
وعلى خلاف غالبية الفلاسفة اليهود الذين لا نعرف عنهم سوى النزر اليسير، فقد زود موسى بن ميمون الأجيال التي تلته بمعلومات كثيرة عن سيرته ومسيرته، سواء في رسائله أو وثائقه التي تم الاحتفاظ بالكثير منها، في وثائق الجنيزاة القاهرية، أي في موضع تخزين الوثائق، التي اكتشفت خلال القرن الماضي في معبد ابن عزرا بالفسطاط، وتمكن الباحثون عبر قصاصات هذه النصوص من إعادة بناء بعض التفاصيل المتعلقة بحياة موسى بن ميمون الذي عرف أيضاً بأسماء عدة أخرى، فاسمه العبري موشيه بن ميمون، كما عرف أيضاً في صيغته اللاتينية باسم «مايمونيدز»، وعرف اختصاراً في العبرية باسم «رامبام»، أما اسمه العربي فهو الرئيس أبو عمران موسى بن ميمون بن عبدالله القرطبي الأندلسي، وعرف كذلك باسم «المعلم»، أو «النسر العظيم».
كان مولده في العام 1135 ميلادية في قرطبة، حيث كانت دولة المرابطين قائمة، وقد اتسمت بقدر كبير من التسامح مع الجاليات اليهودية، فمكنتهم من ممارسة شعائرهم الدينية، وطقوسهم الحياتية، غير أن الأوضاع تغيرت مع حكم دولة الموحدين، التي عرف عنها التعصب وسادتها المسحة الراديكالية، مما دعا يهود الأندلس إلى الهجرة جهة المغرب واستقرت الأسرة في مدينة فاس عام 1159، وهناك درس في جامعة القرويين الشهيرة.
ولم تطل الإقامة في المغرب سوى خمس سنوات، ثم هاجرت عائلته بعدها إلى فلسطين عام 1165، ومنها إلى القاهرة التي استقر فيها منذ ذلك الحين، وحتى وفاته عام 1204، ما يعني أنه قضى فيها زهاء أربعة عقود من عمره.

حوار حضارات وأديان
ولا شك أن أحد المواقف التي جرت له في القاهرة في ذلك الوقت يدلل على أن روح التسامح والتصالح قد سادت في فترات كثيرة عالمنا العربي والإسلامي، وما جرى مع ابن ميمون دليل على ذلك، فقد جاهر الرجل بديانته اليهودية، الأمر الذي جعل بعض المتعصبين والمتشددين، المنتشرين في كل زمان ومكان، يدعو لقتله بتهمة الردة عن الإسلام. غير أن القاضي «الفاضل عبدالرحيم البيساني العسقلاني»، وزير صلاح الدين الأيوبي رفض ذلك قائلاً: «الرجل الذي أرغم على الإسلام ليس بمسلم، وبالتالي لا يمكن أن نعتبره مرتداً»، في إشارة إلى إرغامه في المغرب على إشهار إسلامه هو وعائلته. وحياة ابن ميمون في مصر لم تكن سوى مسيرة من تلاقح وتنافح وحوار بين الحضارات والأديان، والثقافات والآداب. فقد وصل هو وعائلته إلى الفسطاط (المدينة التي بناها عمرو بن العاص ودفن فيها عقب فتح مصر عام 641م)، في عام 1166، بعد أن أقام لفترة قصيرة في الإسكندرية، وقد استقر مع عائلته في أحد أحيائها التي كان يقيم فيها المسلمون والمسيحيون واليهود.
وقد تعايشت ثلاث طوائف يهودية في الفسطاط فكانت توجد بها طائفة قرائية، كما كانت توجد طائفتان إحداهما عراقية والأخرى فلسطينية، وكان لكل طائفة معبدها الخاص. ووصلت مشاركة ابن ميمون في الحياة العامة في مصر في ذلك الوقت، حد بلوغه منزلة الطبيب الخاص لصلاح الدين الأيوبي، وقد تزوج من عائلة مصرية بارزة، وعلى الرغم من أننا لا نعرف اسم زوجته، فإننا نعرف أنها كانت من أسرة عمل أفرادها بالسلطة.
ولكن، ماذا عن أهم أعمال ابن ميمون؟
يضيق المجال في هذه المساحة عن بسط الحديث حول كل أعمال ابن ميمون، غير أنه يمكننا الإشارة إلى بعضها فقط، على سبيل المثال لا الحصر:
** تثنية التوراة: الذي يعد واحداً من أهم أعماله في الشريعة اليهودية، وقد كتب هذا العمل بلغة عبرية وسيطة، ونظم الشرائع في هذا العمل على نحو سهل الفهم.
** دلالة الحائرين: والغرض الأول من هذا العمل يتمثل في شرح معاني بعض المفردات الصعبة الواردة في كتابات الأنبياء بالعهد القديم.
** الرسائل والمقالات: وهو عبارة عن ردود على تساؤلات كانت ترسلها إليه الجاليات اليهودية المقيمة في الوطن العربي، ولاسيما الجالية اليهودية اليمنية، وبعضها وجهه إلى حاخامات جنوب فرنسا.
** الكتابات الطبية: بعد أن فرغ ابن ميمون من أعماله اللاهوتية والفلسفية كرس حياته للطب، فوضع عشر مقالات طبية خلال أعوام 1190-1204.

سفراء علم وفكر
ولعل من أفضل الأقلام العربية والإسلامية التي تناولت شأن ابن ميمون، الشيخ مصطفى عبدالرازق، شيخ الجامع الأزهر الشريف، في عشرينيات القرن الماضي، الرجل المستنير، والأب الروحي لنجيب محفوظ. فقد رأى عبدالرازق أن اليهود عامة، وابن ميمون بوجه خاص، قد ساهموا في تعريف المسيحيين بالفلسفة الإسلامية، وأن اليهود في القرنين الثاني عشر والثالث عشر لعبوا دور السفراء بين عرب الأندلس والغربيين، بما ترجموا من كتب كثيرة عربية إلى لغتهم العبرية، التي كان الغربيون أعرف بها، ونقلت هذه الكتب نفسها إلى اللغة اللاتينية في تراجم أكثرها مشوّه جداً.
توفي موسى بن ميمون في عام 1204 عن عمر اقترب من السبعين سنة، وظل جسده مسجى لمدة سبعة أيام، في سرداب صغير، كان يسكنه عند التأمل والدراسة، قبل أن تحمل جثته إلى مدينة طبرية في فلسطين ليدفن هناك وفق وصيته.
واليوم في حي الموسكي العتيق في قلب القاهرة، يقع كنيس أو معبد موسى بن ميمون، الذي يعتبر من أقدم المعابد اليهودية في مصر، ذاك الذي تهدم أكثر من مرة، إلى أن قامت وزارة الثقافة المصرية ممثلة في المجلس الأعلى للآثار بترميمه، بدءاً من عام 2007 وانتهى الترميم في 2010، ليقص على الزائرين، قصة رافد حضاري يهودي، عاش واشتهر على أرض العرب والمسلمين.
المصدرك جريدة الاتحاد: إميل أمين، 09 يوليو 2021

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

سفيرة الثقافة العربية تطلق برنامج “المرشد الثقافي العربي”

بالتزامن مع الاحتفال بشهر التراث بالتعاون مع الألكسو وبمشاركة المنظمة العربية للمتاحف مديرعام الألكسو: ندعو …