استشراف المستقبل 98 رؤية الخمسين الواقع والآفاق

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري، مستشار التطوير الاستراتيجي واستشراف المستقبل 02 ديسمبر 2021
إذا سلَّمنا أنّ استشرافَ المستقبل هو آليةٌ منظمةٌ ومنهجيةٌ لاستخدام الأفكار حولَ المستقبل لتوقع التغيير والاستعدادِ له بشكلٍ أفضلَ؛ فإنّ نجاحه مرتبطٌ بمخرجاتِ هذه الآلية على أرض الواقع، ودرجةِ مطابقتها لوصفِ الوضعِ المستقبليّ المنشودِ الذي تمّ الإعدادُ له.
وسوف أستعرضُ في مقالتي هذه تجربةَ دولةٍ فريدةٍ استطاعت في غضونِ خمسين عاماً أن تتبوأَ مكانةً عالميةً مميزةً، وتزاحمَ أعتى الدولِ في سُلّم المؤشراتِ العالميةِ، وأضحت اليوم وهي تحتفلُ بعيدِ ميلادها الخمسين مرتعاً خصباً للإبداعِ والابتكارِ والاستثمارِ، وحُلماً للعيشِ لدى جميع سكانِ العالم.
وبعيداً عن العواطفِ، وبلغةِ الأرقام، ووفقَ تقريرِ الكتابِ السنوي للتنافسيةِ العالمية 2021، الصادر عن مركزِ التنافسيةِ العالميةِ التابعِ للمعهدِ الدولي للتنميةِ الإداريةِ بمدينةِ لوزان السويسرية، والذي اعتمدَ في منهجيتهِ على الاستبياناتِ والإحصاءاتِ مرتكزاً على أربعةِ محاورَ رئيسةٍ، تشملُ (الأداء الاقتصادي، والكفاءةَ الحكومية، وكفاءةَ الأعمال، والبنية التحتية) والتي يندرجُ تحتها عشرين محوراً فرعياً تُغطي ثلاثمائة وخمسة وثلاثين مؤشراً تنافسياً في مختلفِ المجالاتِ الاقتصاديةِ والماليةِ والتشريعيةِ والإداريةِ والاجتماعيةِ؛ فقد تصدرت دولةُ الإمارات الترتيبَ العالمي في عشرين مؤشراً في التقرير، حيثُ حلّت في المركز الأول عالمياً في كلٍ من مؤشرات: ريادةِ الأعمال، وغيابِ البيروقراطية، والأمنِ المعلوماتي، وقدرةِ سياسةِ الحكومةِ على التكيّفِ مع المتغيراتِ العالمية، ونموِ صادراتِ الخدماتِ التجارية، وموازنةِ التجارة، ومرونةِ قوانين الإقامةِ، وانتقالِ طلبةِ التعليم العالي إلى داخلِ الدولةِ، ومدى دعمِ قيمِ المجتمع للتنافسيةِ، والقدرةِ على استيعابِ الحاجةِ للتحسيناتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ، ووفرةِ كبارِ المديرين المختصين، وكذلك مؤشراتِ القوانين البيئية، وتوفرِ العمالةِ الماهرةِ، وقلةِ النزاعاتِ العماليةِ، ونسبةِ الإناثِ في البرلمان، والعديدِ من المؤشراتِ الأخرى. كما تميّز أداءُ الدولةِ في المحاورِ الرئيسةِ للتقرير، حيثُ حلّت في المركز الثالثِ عالمياً في محورِ الكفاءةِ الحكوميةِ، وفي المركز الثامنِ عالمياً في محورِ كفاءةِ الأعمال، والمركز التاسع عالمياً في محورِ الأداءِ الاقتصادي، كما حافظت على المركز الثامنِ والعشرين في محورِ البنيةِ التحتية.
وأما على صعيدِ جائحةِ كورونا التي ضربت العالمَ من أقصاه إلى أدناه فقد انتهجت دولةُ الإماراتِ استراتيجيةً متوازنةً استطاعت من خلالها بكفاءةٍ وفاعليةٍ استيعابَ الوباءِ والحدّ من انتشارهِ من جهة، والحفاظِ على النمو والاستثمارِ واستمراريةِ الأعمال من جهةٍ أخرى. وقد أوردَ موقعُ (Our Word in Data) أنّ دولةَ الإماراتِ تصدرت عالمياً الدولَ في نسبةِ الحاصلين على جرعتي “كوفيد 19” من إجمالي عددِ السكان، كما جاءت أيضاً في الصدارةِ في معدلِ توزيعِ الجرعاتِ لكل مئةِ شخصٍ، مما يعكسُ نجاحَ الاستراتيجيةِ الصحيةِ في توفيرِ اللقاحاتِ لمختلفِ فئاتِ المجتمعِ بهدفِ الوصولِ إلى المناعةِ المجتمعية.
ورغمَ الإنجازاتِ المميزة التي خطّتها دولةُ الإماراتِ بزمنٍ قياسيٍ أقربَ إلى الإعجاز، مازالت تواصلُ سباقها الفريدَ مع الزمن، من خلالِ وضعِ خططٍ واستراتيجياتٍ تنمويةٍ، لا تقتصرُ على الوقتِ الحالي فقط أو حتى المستقبل القريب، بل تنطلقُ إلى أبعدَ من ذلك لتصلَ إلى الخمسين عاماً المقبلة، فبتوجيهٍ ومباركةٍ من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وباعتمادٍ من صاحب السمو محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولةِ رئيس مجلس الوزراء، وصاحب السمو محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقواتِ المسلحة، صدرت وثيقةُ الخمسين المشتملة على عشرةِ مبادئَ استراتيجيةٍ نابعة من تبصرٍ عميقٍ للواقعِ وما تمّ إنجازهُ وما استجدّ من تحدياتٍ اقتضت بالضرورة طرحَ رؤيةٍ استراتيجيةٍ جديدةٍ ترتكزُ على المكتسباتِ وتؤهلُ شبابَ الوطن للمرحلةِ القادمةِ ضمنَ منظورٍ شاملٍ، يقومُ على ترتيبٍ دقيقٍ للأولوياتِ وفي طليعتها الملف الاقتصادي باعتبارهِ ركيزة التقدم والتنميةِ.
إنّ تحقيقَ دولةِ الإماراتِ لمنجزاتها التنموية، وتصدرَها دول الإقليم والعالم في مؤشراتٍ تنافسيةٍ عدّة، لم يكن ليحدثَ لولا رؤيةِ القيادةِ الطموحةِ من خلال سياساتها المرنةِ والمتقدّمة، التي تواكبُ التغيرات وتتسمُ بالتكيّف والاستباقيةِ والابتكار، والتي أثمرت إنجازاتٍ وريادةً ملحوظةً في العديدِ من المجالات، أبرزها: الفضاء والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والنقل والصناعة والسياحة، والعديد من القطاعات، التي يؤكّدُ تقدُّمُها حجمَ القفزاتِ التنمويةِ في الخمسين عامًا الأولى من عمرها، لينظرَ إليها القاصي والداني بإعجابٍ ودهشةٍ وفي خاطرهِ يتردّدُ سؤالٌ واحد، وماذا بعد؟.

عن هيئة التحرير