“وجبة ….. إبداع وابتكار (67) “ مقاومة التغيير (1)”

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. أنيس رزوق، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، خبير حوكمة معتمد، 6 مارس 2022
أهتمت الفلسفة الوجودة من قبل التاريخ بأهمية التغيير، ودعت إلى التغيير بشكل مستمر، وأعتبرت أن التغيير هو الجوهر الأساسي في الكون، وقد عبر (هيراقليطس، 535، ق. م)، الفيلسوف اليوناني، مؤسس علم الوجود بأن “الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر”(1)، ومازلنا حتى الآن نحارب لتعي المنظمات أهمية وسرعة التغيير، وأنه لا يمكن التقدم والتميز بدون تغيير مرن ومستمر، فالبيئة المحيطة تفرض ظلالها المتحولة على المنظمات بما تحمله من ايجابيات وسلبيات لاحلال الفكر التنافسي، ولتثبت بأن التغيير هو الوحيد الثابت، إلا أنه ومع البدء بتطبيق التغيير نجد مقاومة ضاغطة، عشوائية أومنظمة، مقصودة أوعفوية، من المتأثرين بحصوله تصاحبه وتمنعه من الوصول إلى أهدافه، أو أحياناً تسانده وتصحح مساره في الوصول إلى الهدف إن تم التعامل معها بشكل ايجابي.
فمقاومة التغيير سلوك حتمي لا يمكن تغييبه في عمليات التغيير، ويعتبر من العوائق الرئيسية والحساسة ويفرض نفسه في مسيرتها، وقد تتجلى المقاومة بصورة ظاهرية عفوية لتأثيرها على المصالح والسلوكيات والقيم وهي رد فعل لا واعي، أو الأشرس أن تكون ضمنية بناء على وعي كامل ومنسق، مما تؤثر على عمليات التغيير وجوداً وعدماً إن لم يتم التعامل معها ومعالجتها ووضعها في الاعتبار والتركيز عليها وبوضع استراتيجيات متخصصة عالية الدقة حتى لا يتعثر التغيير وتأتي بثمارها المرجوة.

وهناك أسباب متعددة في مقاومة التغيير فمنها ما يتعلق بعدم الارتياح للمألوف والخوف من المجهول، بناء على مشاعر العاملين على التخوفات والتهديدات القادمة التي ستمس مستقبلهم ومصالحم وتقديرهم في المنظمة، وقد”عرفت مقاومة التغيير التنظيمي بأنها حالة إداركية عقلية ترتبط بالمعالجات الذهنية لدى الفرد لعملية التغيير وتحدث من خلال الافكار والاعتقادات السلبية حول ماهية التغيير” (2)، وبما أن عملية التغيير تتطلب مهارات جديدة لمواكبتها، فهذا يدعم دعاة مقاومي التغيير على الصلابة في دفع التغيير بشكل عكسي خوفاً من المجهول القادم الذي يحمل بطياته أعباء جديدة لتغيير المألوف والمعروف وما تعودوا عليه مع عدم رغبتهم بذلك بسبب نقص معلوماتهم عن التطورات الحديثة وعدم الدراية الكافية بها وعدم توفر الوقت الكافي لتعلمها، ما يؤثر على مصالحهم وما يعتريهم من الخوف بفقدان السلطة وتهديد أمنهم الوظيفي، أوخسارة علاقات النفوذ أو التعدي على المكاسب الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية، أو حتى الخوف من امكانية فقدان الوظيفة أو تخفيص مستوى الدخل أو الزيادة في الاعباء أو ادخال أساليب عمل حديثة لا تتوافق مع قدارتهم ومهاراتهم(3)، ويعتبرون عمليات التغيير انتقال من حالة توازن إلى حالة عدم توازن.

ولكل شخص من مقاومي التغيير أسبابه التي تجعله يقاوم التغيير للحفاظ على وضعه الراهن، وخاصة إذا كان التغيير الذي سيطال المؤسسة لا يأخذ بعين الاعبتار أمنهم ورضاهم الوظيفي، مما يزعزع ويستبعد اتجاهاتهم وقيمهم وعاداتهم وسلوكياتهم داخل المنظمة التي ترعرعوا في ظلها سنين طوال، كما يمكن أن تزيد مقاومة التغيير بالشعور بعدم الارتياح لاسباب تتعلق بالتغيير ذاته مثل عدم وضوح الرؤية أو عدم الثقة بالقائمين على عمليات التغيير، فهذا يزيد من شراسة المحافظة على ثباتهم، فيسيطر عليهم الخوف من انتشار وتوزع مراكز اتخاذ القرار ويفقد مركزيته منهم، كنقل أو سحب الصلاحيات من بعض المديرين أو التركيز على فرق عمل التغيير وتزويدها بالصلاحيات لادارة التغيير في المؤسسة المؤدي بنظرهم لاختلال توازن القوى وما ينسحب عليه من تأثير على تغيير الاجراءات والقواعد التي هي بالأصل متجسرة بالمنظمة على الرغم من أنها أصبحت بالية فلا يرغبون في تحديثها وتطويرها، والارتباك الذي سيحدثه التغيير باعتقادهم في الهيكل التنظيمي وتوازن الترابط بالوحدات التنظيمية، وعدم القناعة بأن القادم أفضل وخاصة فيما يتعلق بثقافة المنظمة باعتبارها ملكية خاصة لا يجوز أن تأثر في مصالحهم، اي المحافظة على العلاقات الراهنة، وتغيير المناخ العام الذي يوافق مزاجهم، وشعورهم بأنهم عندما يأتي التغيير سيكونوا منبوزين ويعتريهم الغضب لخسارة مكاسبهم ومصالهم وكراسيهم، مما يؤدي لنشوء بعض التكتكلات التنظيمية غير الرسمية من المتأثرين للوقوف ضد التغيير.

وجود مقاومة التغيير أمر طبيعي في الافراد والادارة، وهذا الوجود يساند التغيير بطريقة غير مباشرة وفي بعض الاحيان تكون مفيدة وداعمة لعمليات التغيير، فهي تسعى لاظهار المشكلات والصعوبات في برنامج التغيير من خلال التدقيق بغرض احباط البرنامج، هذا يجبر القائمين على التغيير لتوضيح خطة العمل واعلانها والمنهج المتبع والادوات التي سيتم استخدامها وشرحها بشكل مفصل ومنظم ومبسط لنقلها وفهمها لتحقيق أهداف التغيير، مع بذل المزيد من الجهد والرعاية والتشخيص السليم لاتخاذ الاجراءات المناسبة الوقائية بعدم حصولها، واستثمار مقاومتهم في ايجاد أفكار ابتكارية تدعم التغيير، مع تمتع قادة التغيير بالامل والحماس المستمر للوصول إلى المستقبل المنشود، وعدم اعتماد برامج سرية غير معلنة لادارة التغيير الذي يزيد من الجهل بعملية التغيير ويجعل المقاومة أشد وأشرس، وأن يتم تفصيل كل مرحلة من مراحل التغيير لاحتوائهم، وإعداد برنامج خاص للتعامل معهم واشراكهم في عمليات التغيير، ووضع المبررات والاسباب الخاصة بالتغيير وادماجهم بها للتمتع بمزاياها، ليتأقلموا بالوضع الجديد، والوصول معاً لشط الامان محملين بالاهداف المنشودة لتحقيق التغيير الاستباقي المتميز.

المراجع:
1. https://ar.wikipedia.org/wiki
2. ملحم، يحيى والابراهيمي محمد، استراتيجيات مقاومة التغيير في الشركات الصناعية، الجلة الاردينة في ادارة الاعمال، المجلد4، العدد2، 2008، ص219.
3. بوداد، فاطمة الزهراء، التغيير والتطوير التنظيمي وتأثيره على سلوك وأداء الافراد في المنظمة، مذكرة ماجستير غير منشورة، جامعة بومرداس، الجزائر، 2007، ص52-53.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (69) “ مجالات التغيير (3)”

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. أنيس رزوق، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، خبير ادارة مركز …