استشراف المستقبل 100 بين المعرفة والتطبيق

شبكة بيئة ابوظبي، د. حسام عمر حاضري مستشار التطوير الاستراتيجي، 21 يونيو 2022
النجاحُ هو أكثر الأحلام التي تُراودُ مخيلةَ الإنسان، وهو الشيءُ الذي يسعى إليه الجميعُ حتى غدا حاجةً ضروريةً ومطلباً لا يمكنُ الاستغناءُ عنهُ مطلقًا، ولكنّ هذا لا يعني أنّ النجاحَ فعلٌ عشوائي، فكلُّنا يعرفُ أنّ هناك استراتيجياتٍ وأهدافاً أكثر جدوى من غيرها، ولكن مجرد معرفة هذه الحقائق لا يكفي، فهناك دائماً فجوة هائلة بين المعرفة والتطبيق، ورغم أنّ النجاحَ نتيجةٌ لمسالك من القواعد والمبادئ فإننا لا نتفاجأُ عندما نرى العديدَ من الاستثناءات التي حققت المعادلةَ ولم تلامس تلك المسالك أصلاً.

كثيراً ما نتلقى التوجيهاتِ والنصائحَ التي تحثّنا على الالتزام بالمسارِ الآمن، فلا نخاطرُ في مسيرتنا نحو النجاح، ولا الخروج عن المألوف. وفي نهايةِ المطاف، نجدُ أنفسنا مدفوعين نحو مسارٍ معين يحاكي مهارةً معينةً على حسابِ مهاراتٍ أخرى، ورغمَ أنّ هذا أمرٌ مقبولٌ كونه يجنبنا المخاطرَ إلا أنهُ في الوقت نفسهِ يلغي الإنجازاتِ الباهرةَ والمؤثرة. والسؤالُ الذي يفرضُ نفسه هنا: إذا لم يكن من يلتزمُ بالقواعدِ هو من يبلغُ القمة في نهايةِ المطاف فمن الذي يرتقييها؟ وبمعنى آخر ما الذي يجعلُ أحدنا قائداً عظيماً؟

يقول “غوثام موكوندا” الأستاذ في جامعة هارفارد: (ثمةَ نوعان مختلفان من القادة، مرشحون يبرزون عبرَ القنوات الرسمية ويحصلون على الترقيات ويلتزمون بالقواعد ويلبون التوقعات، وغيرُ مرشحين لا يظهرون عبرَ القنوات الرسمية، بل يأتون من النافذة مثل رواد الأعمال الذين لا ينتظرون الترقيات والموافقات من أحد؛ فهم القادةُ الذين يستفيدون من عاصفةٍ مثاليةٍ من الأحداثِ غير المحتملة.

وإذا أردتَ أن تستفيدَ من نظرية “موكوندا” في فرز القادة؛ عليك أن تعرفَ ذاتك أولاً. فإن كنت تُجيدُ الالتزامَ بالقواعدِ وتنتمي إلى فئةِ المتفوقين، فعليك أن تعدَّ العدة وتختارَ الاستراتيجيةَ المناسبة، وتتأكدَ من جدوى المسارِ الذي تتخذه. أما إن كنتَ خارجاً عن المألوف ومبدعاً وفناناً وقائداً مختلفاً، فستعاني إن حاولتَ الالتزام بقواعد صارمة، لأن معنوياتك ستخمد، وستدخلُ في صراعٍ مع ذاتك، وتفقدُ ما تتمتعُ به من مزايا جوهرية. وبعد أن تعرفَ الفئةَ التي تنتمي إليها ونقاط القوة التي تميزك، انتقل إلى اختيار المجال المناسب والبيئة المناسية لك، لأنّ السياقَ مهمٌ وأساسي في تحقيق النجاح.

ورغم أنّ معظمَ الثقافات تؤمنُ بأنّ الإصرارَ والعملَ الجادَ وعدم الاستسلام هي سرُّ النجاح، وهي ما يصنعُ الفارقَ بين ذوي العزيمةِ وذوي المعرفةِ والخبرة، إلا أنّ الانسحابَ والتخلي يمكن أن يؤديا إلى النجاحِ أيضاً إذا طُبقا بذكاءٍ وعلى نحوٍ صحيح. فعندما عرضَت شركة “فيسبوك” مليار دولار لشراء تطبيق “واتس اب” أعلنَ مؤسسا التطبيق الانسحابَ من اجتماعِ المفاوضات، فكانت النتيجةُ أن مجموعةَ “فيسبوك” دفعت 19 مليار دولار لشراءِ التطبيق بعد بضعةِ أيام.
إنّ العالمَ مفتوحٌ وبلا حدود، ويبقى عليك أن تتخذَ قراراً حاسماً وأنت تُواجهُ كلّ الاحتمالات. ابدأ برسم حدودك الواقعية واعرف ما الذي تريدهُ حقاً، وإلا فلن تفعلَ وتحققَ سوى ما يريدهُ الآخرون. ففي عالم اليوم لم يعد تحقيقُ كلّ شيءٍ أمراً ممكناً، لأنّ التوازنَ بين العمل والحياة يجبُ أن ينبعَ من داخلك أنت كي تعيشَ الحياةَ التي تريدها أنت.

عن هيئة التحرير