قانون الآثار.. وتثمين التاريخ

– القانون مهم للغاية ويكفل الحفاظ على الكنوز الأرية الوطنية وحمايتها
– ينظم الكشف عن الآثار وإحياء وإثراء التراث التاريخي الوطني
– “الثقافة” تعتبر السجل الوطني الذي يشتمل على بيانات ومعلومات الآثار
– تتيح الثورة الرمية أساليب جديدة لحفظ وارشفة وعرض الآثار
– بلادنا وسيطة بين القارات وشهدت إزدهاراً عمرانياً وإنسانياً منذ القدم
– الحفريات وبعثات التنيب ما تزال تقدم المزيد من المفاجآت الرائعة
– من الضروري إدخال القانون الاتحاد لحماية الاثار في المناهج المدرسية
– نحن معنيون بإبراز مواد القانون وتقديمه بشكل مبسط للمجتمع
– القانون الاتحاد رقم 11 عام 2017 يضمن الحفاظ على الاثار وتثمينها
– اتسمت مواد القانون بالتسلسل والموضوعية والشمول والتفصيل

لاشك أن الآثار في أيّ بلد نافذة ثقافيّة تاريخيّة معززة للهويّة والأصالة؛ وفي الحالة الإماراتيّة يتطلّب هذا التنوّع والثراء التاريخي الموجود في كلّ إمارات الدولة، تفعيلاً للقانون الاتحادي لكي تنتظم فيه الموادّ النظريّة بالتطبيقية في التثقيف والحفاظ على هذه الثروة الآثارية وحمايتها وتثمينها.
وفي هذا العصر تتيح الثورة الرقميّة أساليب جديدة، في مجال الآثار، للحفظ والأرشفة والعرض، ومنع الاتجار غير المشروع بالآثار أو بيعها وتهريبها وإخفاؤها، وهذا مما يجعل القانون الناظم لحقل الآثار سبباً مهمّاً في تلبية متطلبات كلّ متغيّر في هذا المعادلة.
وقد صدر القانون الاتحادي رقم 11 عام 2017 في الحفاظ على الآثار في الدولة، وكان محل ترحيب ومصدر سعادة وتثمين من كلّ المعنيين من مؤسسات وأكاديميين عاملين ومنخرطين في هذا المجال، لأهميّته القصوى في التنسيق بين كلّ الجهات المعنية بالآثار.

فلسفة القانون
ولكن، ما مدى التطوّر أو المواكبة لهذا القانون؟ وهل تمّ تفعيله في التنسيق بين الجهات المعنية، ليكون هذا الموروث الثقافي وجهاً حضاريّاً ناطقاً بثراء تاريخ الدولة، بكنوزها ودفائن التراث لديها وقد أظهرت الاكتشافات والتنقيبات غناها الأثري وريادتها ودورها في الإقليم والعالم في فترات زمنية قديمة، كمنطقة وسيطة بين القارات شهدت ازدهاراً عمرانياً وإنسانياً منذ القدم.
واليوم، نحن أمام متاحف كثيرة، متنوعة في اختصاصاتها وحقبها التاريخية، ومقتنياتها، ولاشكّ أنّ كلّ هذا يتطلّب أولاً تثقيفاً بقيمة وأهمية مواد القانون الاتحادي للآثار، من خلال الندوات والمؤسسات والنشاطات والمؤتمرات والبرامج التلفزيونية، وقراءة موادّه مادةً تلو أخرى، لبناء معرفة اجتماعيّة عامّة وأخرى متخصصة، وخصوصاً أنّ هذا القانون تشريع مهم للغاية يكفل الحفاظ على هذه الكنوز الوطنية وحمايتها.

جهة الاختصاص
والقانون الاتحادي الذي مضى على صدوره قرابة خمس سنوات، وجاء في فلسفته وهدفه أنّه يهتمّ بالحفاظ على التراث الثقافي، والكشف عن الآثار والتنقيب عنها، وإحياء وإثراء التراث الوطني للدولة، وأنّ وزارة الثقافة تعتبر السّجل الوطني الذي يشتمل على بيانات ومعلومات عن الآثار ويتمّ التسجيل فيه والشطب منه وتعديل البيانات المدوّنة فيه بناء على إخطارات من السلطة المختصّة، حيث تعمل الوزارة بالتعاون مع هذه السلطة على استعادة الأثر المفقود أو المهرّب من الدولة، وكذلك التعامل مع الأثر الأجنبي المهرب إلى داخل الدولة وضبطه وإعادته للجهة المالكة له، وفقاً لاتفاقيات دوليّة في هذا الشّأن.

وقد اتسمت موادّ هذا القانون بالتسلسل والموضوعيّة والشموليّة والتفصيل أيضاً في التعامل مع الموضوع، في اعتبار الآثار والمواقع الأثريّة الموجودة في كلّ إمارة من الأملاك العامّة لها، ما لم تكن مملوكة لجهة أخرى وفقاً للضوابط التي يصدر بها قرار من الوزير المختص. وتجيء أهميّة القانون أيضاً في تنظيمه لعمليّة عرض بعض آثارنا خارج الدولة وحمايتها من التلف أو الفقدان أو السرقة، وفقاً لتسلسل إداري مختص، بإخطار الوزارة المختصّة عن طريق السلطة صاحبة الاختصاص.
وهذه نظرة شاملة على أسباب وجود هذا القانون، إضافةً إلى عمليات الصيانة والترميم وتقديم المساعدة الفنيّة أو المالية وفق ضوابط وإجراءات معينة، وتعريف المواطن بضرورة ووجوب تسليم أي أثر يتم اكتشافه أو العثور عليه لمركز الشرطة سريعاً، تمهيداً لعمليات إخبار السلطة المختصّة والوزارة المعنيّة وفق التشريعات النافذة في كلّ إمارة.

تشريعات رادعة
ومثلما اهتمّ القانون بمكافأة المخلصين في الحفاظ على التراث وتقديمه للجهات المختصّة ليضاف إلى التراث الأثري الأصيل للدولة ويتاح للباحثين والزوار.. فقد اهتمّ أيضاً، بشدّة، بموضوع التنبيه على أية أعمال تنطوي على أضرار أو تحوير بالآثار أو بمواقعها، أو التصرف فيها أو نقل ملكيّتها دون ترخيص من السلطة المختصّة، وفي حالات معيّنة -كما جاء في موادّ القانون- يتمّ تنظيم عملية التصرّف في الآثار المسجلة والتصرف وعرضها على السلطة المختصة وفق تشريعات نافذة.
كما فصّلت مواد القانون أيضاً في قضايا الاتجار بالآثار وتزويرها أو تزوير بياناتها ووثائقها، لتكون السلطة المختصّة صاحبة الأمر في استيرادها أو إدخالها أو إخراجها، وفق التشريعات، مثلما تهتم السلطة المختصّة أيضاً بتنظيم عملية التنقيب عن الآثار، حين حدد مجلس الوزراء بناء على عرض الوزارة وبالتنسيق مع السلطات المختصّة الإجراءات الواجب اتخاذها، في حال كان الأمر مشتركاً بين أكثر من إمارة.
وباختصار فقد كان القانون مغطيّاً لكلّ جزئيّة من جزئيّات هذا الموضوع، وكلّ ما يمكن أن ينشأ أو يستجد فيه، حتى العقوبات الرادعة لأي تعد على الآثار تمّ التفصيل فيها وفقاً لحالات السرقة أو عدم الترخيص أو المعلومات الكاذبة أو التزوير أو التهريب.

المواكبة والتسويق
واليوم نحن معنيّون بإبراز موادّ هذا القانون وتقديمه بشكل واضح ومبسّط للمجتمع ككل بجميع شرائحه، من خلال عمل كتيبات أو إصدارات يتم توزيعها ميدانياً أو في مناطق العمل والتنسيق في كلّ إمارة بهذا الخصوص، لكي تتكون لدى المواطن والمقيم والزائر فكرة عن مدى الجديّة في هذا الأمر، الذي هو عنوان ثقافي وطني كبير. وكذلك لوضع الجميع في صورة الزواجر والروادع المترتبة على التنقيب غير المشروع أو الاتجار بالآثار في السوق السوداء، انطلاقاً من كونها كنزاً وطنياً لا يقدّر بثمن، ويجسّد تاريخنا وهويتنا الوطنيّة التي تتعزز بالحفاظ على تراثنا الثقافي.
وعودةً إلى المواكبة والتطوير والاستفادة من فرص العرض الإلكتروني والتحوّط أمام أية أخطار إلكترونيّة للاتجار بالقطع الفنيّة أو بيعها عبر منصّات رقمية، فإنّ هذا يستلزم التعامل الذكي أيضاً بخبرات ماهرة تجمع ما بين حقول كثيرة، منها المعرفة القانونية والإلكترونية، لمنع أيّة محاولات أو صفقات غير مشروعة يمكن أن تتم في هذا المجال.
ولأنّ الحفريات وبعثات التنقيب ما تزال تقدّم المزيد من المفاجآت الرائعة التي تخرج علينا عبر حلقات نقاشيّة وقراءات متخصصة ومعاينة دلالات زمنية واقتصادية واجتماعيّة قديمة، فإنّ القراءة المستمرّة لحالات جديدة هي مسألة وطنية في احترام البحوث العلميّة والاحتفاء بمستخلصات الاكتشافات، وإشهارها ومنع أيّ اعتداءات عليها يمكن أن تحدث خراباً في المواقع الأثريّة الحافلة بهذه الكنوز والدفائن الثمينة، والتي هي ملك عام للدولة ولا يجوز مطلقاً التهاون بشأنها تحت أيّ تصرّف أو نشاط يهدف إلى الاتجار بها أو بيعها وحرمان الوطن من قيمتها التاريخية والبحثيّة والمتحفيّة على كلّ الصعد والمجالات.

الحق العام
ودائماً ما يضع العاملون في الآثار مسألة هذه المِلكيّة الوطنيّة في أولى مقدمات شروحاتهم عنها، ولاشك أن دولةً كالإمارات ريادية في كل حقول المعرفة، ومواكبة لاتفاقيات عالمية ذات صلة، وتربطها صلات قويّة بمنظمات كبيرة كاليونسكو مثلاً في موضوع التراث، وضعت كل القوانين الكفيلة بمنع تهريب ونقل الآثار، ولذلك كانت رؤية الدولة باتجاه أن تنتظم كلّ القوانين المحليّة لكلّ إمارة وتفعيلها وفق الوضوح والرؤية في التنقيب ومباركة الجهود المخلصة والوطنية في هذا المجال. وثمة أيضاً أهميّة مجتمعية بتبصير وتنوير الجميع بأبعاد قضايا كالمفهوم الأثري أو المتحفي وحقوق الملكيّة، ومعرفة الفروق بين المقتنيات الشخصيّة للأفراد والمخطوطات والحلي والمشغولات العائليّة، والآثار الوطنيّة التي يتمّ التنبيه عليها كملك عام للدولة.
كما أنّ القلق الذي عبّر عنه خبراء قبل صدور القانون الاتحادي للآثار، لقي استجابة نالت مباركتهم الكبيرة وإشاداتهم الكثيرة لصدور قانون جامع بموادّه لكلّ الحالات، أسوةً بدول أخرى ذات تجربة وعراقة في هذا الجانب، ومهتمّة على مدار الساعة بهذا الموضوع المهمّ والحيوي، وخصوصاً في بلد كالإمارات تقصده البعثات الأجنبيّة في عمليات التنقيب والكشف والقراءة والاستدلال وتقديم المعلومة المبنيّة على اكتشافات مستمرّة تعطي دلائل نوعية. ولذلك فقد كان من الضروري العمل على توضيح الواجبات والحقوق والملكيّات الفكريّة وسبل الإشهار وغير ذلك مما هو مرتبط بهذا التراث الغني.

وعي مجتمعي
والسؤال: ما مدى تلبية القانون الاتحادي للمتغيرات الجديدة ومواكبته لظروف تتطوّر في كلّ يوم؟!.. هذا أمر مرهون بمدى التغذية الراجعة التي تحصل عليها السلطة المختصّة من مصادرها، لإخطار الوزارة المختصّة بذلك، وفي الإمارات، فإنّ وعياً مجتمعيّاً يسهم في أن تكون الأمور سهلة في التعاطي مع المقتنين أو أصحاب المتاحف الخاصّة لترسيخ ثقافة وطنيّة عامّة تضعنا في صورة الهدف الوطني العريض في هذا المجال.
كما أنّ العمل المتحفي المؤسسي في الإمارات يجعل من اليسير التعاطي مع المؤسسات العاملة والجهات الحاضنة للعروض، في مكاشفة ووضوح بقيمة الأثر المعنوية أيضاً وقراءة التاريخ من خلاله.
وفي الإمارات مواقع تراثيّة مهمّة، كانت محطّ اهتمام الباحثين الذين قرؤوا فتراتها الزمنية وحقبها التاريخيّة، فلا تخلو إمارة من إمارات الدولة من وجود ميزة نسبيّة فيها من خلال هذه المواقع، وحتى يكون الأمر أكثر تنظيماً وأوسع مدى كانت النظرة الكليّة لذلك من خلال قانون أشمل وأوسع يصدر عن الدولة في موضوع الآثار.
ولأهمية بناء الوعي العام بقيمة الآثار كرصيد تاريخي وثقافي وطني فمن الضروري أن يتمّ إدخال القانون الاتحادي لحماية الآثار عبر المناهج المدرسيّة، لتمكين الطالب من معرفة أهميّة كنوز بلده في هذا المجال، ولكي ينشأ الجيل الصاعد أيضاً على الانتماء للأرض والاعتزاز بتاريخها الأصيل، وينطبق الأمر كذلك على الجامعات التي يتعين أن تلعب، هي أيضاً، دوراً كبيراً في تعزيز المعرفة بهذا القانون من خلال مواد دراسية في كافة التخصصات والحقول، ضمن خطة تربيّة وطنيّة وثقافية شاملة تنهل من معينها الزاخر الأجيال.

المصدر، جريدة الاتحاد،محمد عبدالسميع (الشارقة) 21 يوليو 2022 00:31

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

نادي تراث الإمارات يختتم بطولة “تحديات الزاجل” للصقارة

شبكة بيئة ابوظبي، الامارات العربية المتحدة، 16 يناير 2022 اختتمت أول أمس «الجمعة» النسخة الثالثة …