السرقات الأدبية في عصر الإنترنت

بلقاسم بن جابر: المواقع والمنصات والمصادر الالكترونية سهلت اختلاس النصوص
نسرين السنوسي: التطور التقني يسر سبل فضح السرقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي
أحمد الفيتوري: تحفل الصفحات الاخبارية بأخبار لصوص البحوث العلمية والشعر والنثر

تزايد الحديث في السنوات الأخيرة عن السرقات الأدبية، وبقدر ما ساهمت الإنترنت في توفير المعلومات إلا أنها كانت مجالاً للانتحال، والتعدي على حقوق الملكية الفكرية، وترى نسرين السّنوسي، أستاذة الأدب العربيّ بالمعهد العالي للّغات بتونس أنه من أشدّ الأدواء استفحالاً وخطورة في الأوساط الأكاديميّة والفنّيّة ظاهرة السّرقة الأدبيّة. ويبدو أنّ هذه الظّاهرة قد ازدادت انتشاراً في عصر الإنترنت.

نسرين السّنوسي
ورغم ما وفّرته شبكة الأنترنت من برمجيّات لمراقبة آثار السّرقة والانتحال وكشفها، أسهمت، بالقدر نفسه ربّما، في تيسير السّرقة عن طريق ما تقدّمه من موادّ علميّة وفكريّة يسهل استغلالها، وهو ما يجعل السّرقة الأدبيّة في عصر الأنترنت ظاهرة جدليّة. ومهما اختلفت تعريفات هذه الظّاهرة وتنوّعت تسمياتها كالسّرقة العلميّة والسّرقة الأدبيّة والسّرقة الفكريّة، فإنّ المتّفق فيه أنّ هذه الممارسة سقوط أخلاقيّ لا يمكن تبريره ولا قبوله، ذلك أنّها قائمة على ضروب من الغشّ والتّزوير والاحتيال والمغالطة، عبر استغلال جهود مؤلّف مّا أو جهاز معرفيّ مّا ونسبته إلى الذّات دون الإحالة عليه ولا الاعتراف بالاستفادة منه، من أجل الظّفر بفائدة معنويّة أو مادّيّة. وما يزيد الأمر تعقيدا كثرة السّبل الّتي ينتهجها المنتحلون على نحو يعسر معه ضبط حدود السّرقة وأحيانا البرهنة عليها برهنة واضحة. ويمكن تصنيف هذه الطّرائق في سلّم يتدرّج من أوضح البراهين إلى أشدّها غموضا والتباساً. وأوضح درجات السّرقة الأدبيّة نسخ جملة مّا أو فقرة أو نصّ دون الإحالة على المصدر الأصليّ الّذي وردت ضمنه، أمّا أشدّها غموضا فتتمثّل في استغلال أفكار وردت في عمل سابق وتغيير شكل التّعبير عنها تغييرا يعتمد التّحريف ويعمد إلى مغالطة جمهور المتقبّلين سعيا إلى زيادة رأس المال الرّمزيّ حسب عبارة بورديو.
وتضيف نسرين السّنوسي: غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ مرتكب السّرقات العلميّة يحمل في أعماله علامات سقوطه من حيث أراد الرّفعة والارتقاء. فقد يسّر التّطوّر التّقنيّ سبل فضح السّرقات لا عن طريق البرمجيّات المعتمدة في الأوساط الأكاديميّة فحسب، وإنّما أيضا عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي ينشر روّادها من الباحثين أسماء كلّ من انتهك أخلاقيّات البحث العلميّ، وهو ما يؤدّي إلى تسليط عقاب رمزيّ عليه عبر وصمه وترسيخ ذلك الوصم في الذّاكرة حتّى يرتبط به ارتباطا دائما لا يغتفر. هذا بالإضافة إلى سعي المؤسّسات الأكاديميّة إلى الحدّ من هذه الظّاهرة الخطيرة باعتماد عقوبات معنويّة من ضمنها الحرمان من التّرقيات ورفض مناقشة كلّ عمل يشتبه في قيامه على الانتحال. ولا يمكن الحدّ فعليّا من هذه الظّاهرة إلاّ بتكاتف جهود القائمين على المؤسّسات العلميّة والمسؤولين على الأمانة العلميّة والموضوعيّة والنّزاهة المعرفيّة من أجل ترسيخ أخلاقيّات العمل الأكاديميّ والبحث العلميّ.

سارق الفكر والإبداع
من جانبه يقول الكاتب الليبي أحمد الفيتوري في حديثه لـ «لاتحاد الثقافي»: ذات مرة، وبالتحديد في تسعينيات القرن العشرين، أصدرت مجلة (لا) الليبية عددا، يحتوي ملفا ضخما عن سرقات أحد الكتاب، لم يخشى الكاتب ولم يخجل من ذلك، فقد سرق أيضا مقالة، حين صدور العدد/الكشاف لسرقاته الكثيرة جدا. كما أن الغالبية العظمى لم تهتم، ولسان حالها سارق الفكر والإبداع، ليس كما سارق المال. مما يذكرنا، بما دار في التراث الثقافي العربي، حول سرقات المتنبي، ما صدر في أمرها كتب، حيث يتبين أن مسألة السرقات الأدبية والعلمية أمر هين في مجمل ذاك التراث.
وفي أيامنا هذه ليس ثمة أية جهة، ترصد السرقات غير المالية، كما تصدى كتاب ونقاد لسرقات المتنبي، وما حصل من دفوع عنه. في أيامنا هذه، تحفل الصفحات الإخبارية، بأخبار لصوص البحوث العلمية والدراسات، والشعر والنثر، خاصة في أروقة الجامعات والكليات المختصة، لكن الأخبار تبدو كما أخبار، نجوم الرياضة ونجمات الفن، أخبار مرسلة لتسلية المتلقي، ليس أكثر ولا أقل.
ويضيف الفيتوري: نشرت هيلينا كزانتزاكس مذكراتها، ما طالعت بشغف، فالكتابة شفافة والسرد سلس، وقد دست في سطورها اعترافا، فرجاء بالمسامحة والعفو عن خطأ ارتكبته في زمن ولى. على ما أذكر كتبت: أنها وزوجها كزانتزاكس، الكاتب اليوناني العظيم، كانا في فاقة بعد أن ألمت بهم الأيام، فوجد زوجها إعلانا في الصحف عن مسابقة لتأليف كتاب، لسنة الشهادة الثانوية باليونان، حول غاندي فكرا وشخصا، وثمة مبلغ مالي مجزي للفائز. وفي أيام، كان الكاتب العظيم، قد أتم تأليف الكتاب، ما حاز على الجائزة لمؤلفته هيلينا كزانتزاكس، كما قدم الكتاب إلى الجائزة. وتضيف أن الكتاب، درسه أجيال من طلبة اليونان، ومن أحب الاطلاع عليه، واني أنا هيلينا كزانتزاكس، اقر وأعترف أن لست بمؤلفة الكتاب. وكما نسب لي، نتيجة فاقة، فإن أقراري هذا، وان جاء متأخرا، فدافع ذلك أن زوجي قد توفي، ومن حقي وحقكم عليّ هذا الإقرار.

بلقاسم بن جابر
يقول الكاتب والباحث التونسي بلقاسم بن جابر: لقد حولت السرقات الشعرية قديما من مبحث نقدي أدبي إلى قسم من أقسام البلاغة، حتى قال أحد علماء البلاغة إن غاية هذا الترحيل هو «أن يتعلم الشاعر كيف يسرق ولا يقام عليه الحد»، وحتى افتخر أحد الشعراء قائلا

وأسرق ما استطعت من المعاني شعري نصفه من شعر غيري
وإن الدرهم المضروب باسمي أحب إلي من دينار غيري

ولئن كانت السرقة الأدبية مدار اختلاف واسع وتحديد متوعر فإن ما لا ينكر منها سرقة النص أو جزء منه قل أو كثر دون إضافة أو تغيير. وفي عصر الثورة الرقمية كانت السرقة الأدبية معضلة تمس من حقوق الإبداع والفكر وتنهب آثار الموتى والأحياء فلقد أتاحت المواقع والمنصات والموارد الإلكترونية مجالات واسعة للتزود بكل صنوف الإبداع الأدبي شعرا ورواية ومسرحا وسهلت اختلاس النصوص مثلما سهلت أيضا كشفها، ولكن المشكلة قانونية وثقافية أيضا فالكثير ينقلون نصوصا دون الإشارة إلى مصادرها، ويتفصون من العقوبات أو الكشف والفضح بالإيهام والتعمية، ويتقبلون الشكر والترحيب والثناء دون توضيح للقراء. وتبقى معضلة حماية حقوق التأليف ومتابعة السطو الثقافي والفني والإبداعي قائمة، فهذه القوانين منفصلة عن التطور الهائل في عصر الثورات الرقمية.
ويضيف بن جابر: إن أخبار السرقات الأدبية أصبحت يومية ومتكررة، ومست شخصيات معروفة وأسماء كبيرة ، بل تورط فيها مفكرون وشعراء كبار، وهزت مجلات أدبية ونقدية محترمة مثلما جرى في مجلة فصول والناقد وغيرهما، وشهدت ردهات المحاكم قضايا تابعها المثقفون، وشهدت أحكام تعويض وإدانة.

المصدر، جريدة الاتحاد، ساسي جبيل (تونس) 18 أغسطس 2022 02:07

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

القنيطرة محور ربط بين الجهات الكبرى للمغرب

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم أمين سامي خبير الاستراتيجية وقيادة التغيير، المملكة المغربية، 21 أغسطس 2022 …