الجدوى الاقتصادية للعمل المناخي

شبكة بيئة ابوظبي، الامارات العربية المتحدة، بإسهام من من مكتب المبعوث الخاص لدولة الإمارات للتغير المناخي، 07 نوفمبر 2022

تنعقد دورات مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP) منذ عام 1995، وفي خلالها يُستعرض تقدم أعضاء المجتمع الدولي في مساعيهم للحد من تغير المناخ. وقد ركزت دورات المؤتمر منذ عام 2015 على استعراض تقدم الدول في تنفيذ التزاماتها وفقاً لاتفاق باريس.
ومع انطلاق مؤتمر الأطراف COP27 في شرم الشيخ، يبدو واضحاً أن الوقت المتاح لوقف ارتفاع درجات حرارة الأرض إلى أقل من درجتين مئويتين مقارنةً بمستويات ما قبل الثورة الصناعية على وشك النفاد. وقد أصدرت الوكالات الرئيسية الثلاث التابعة للأمم المتحدة تقارير مثيرة للقلق خلال اليومين الماضيين؛ إذ كشف تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن “عدم وجود مسار موثوق به للحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى أقل من 1.5 درجة مئوية”. في حين أشارت الوكالة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة أن جميع غازات الدفيئة الرئيسية وصلت إلى مستويات قياسية في عام 2021، مع قفزة غير مسبوقة تحديداً في انبعاثات الميثان الذي يعد أحد الغازات الرئيسية المسببة للاحتباس الحراري.

وفي ضوء هذه المعطيات، بات ضرورياً زيادة العمل المناخي الطموح وتسريعه، خاصةً أن الجدوى الاقتصادية للعمل المناخي باتت واضحة على نحو غير مسبوق.
تُظهر التجربة الإماراتية أن العمل المناخي يمكن أن يؤثر إيجاباً في الأداء الاقتصادي للدولة؛ إذ يساعد على دفع عجلة النمو، واستقطاب استثمارات جديدة، كما يشكّل نقطة انطلاق لتطوير قطاعات جديدة وتحديث القطاعات القائمة، بالإضافة إلى توفير وظائف مستدامة مجزية.

وكانت وزارة التغير المناخي والبيئة في دولة الإمارات سبّاقة إلى استشراف إمكانات النمو الكبيرة لوظائف الاقتصاد الأخضر؛ فبادرت قبل خمس سنوات إلى إطلاق برنامج الوظائف الخضراء. وكشفت حينها أن استثمار ما يقارب واحد إلى اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً يمكن أن يوفر ما يصل إلى 165 ألف وظيفة جديدة بحلول عام 2030، ويضع الأسس اللازمة لضمان الانتقال العادل في قطاع الطاقة.
ولطالما كانت دولة الإمارات سبّاقة أيضاً في مجال العمل المناخي، وجنت بذلك فوائد هذا التحرك المبكر.

فقد كانت الإمارات أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستخدم الطاقة المتجددة على نطاق واسع. وكانت أيضاً أول من سعى إلى امتلاك قدرات الطاقة النووية السلمية؛ إذ بدأت في وقت سابق من العام الجاري بتشغيل الوحدة الثالثة من أصل أربع وحدات للطاقة النووية. وكانت الإمارات أيضاً أول من طبّق تقنية التقاط الكربون واستخدامه وتخزينه على نطاق صناعي واسع. وتسعى الدولة جاهدةً اليوم إلى استكشاف تقنيات جديدة عديمة الانبعاثات مثل الهيدروجين الأخضر.
تحتضن دولة الإمارات ثلاثاً من أكبر محطات الطاقة الشمسية وأفضلها تكلفة في العالم، ومنها مشروع الظفرة للطاقة الشمسية في أبوظبي الذي سجل في عام 2020 رقماً قياسياً لانخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية إلى 1.35 سنت لكل كيلوواط ساعة. وبتوفيرها طاقة غير قابلة للنفاد بأسعار معقولة، تشكل هذه الاستثمارات دليلاً ملموساً على الفوائد الاقتصادية للعمل المناخي.

وبصفتها عضواً رائدًا ومسؤولًا في المجتمع الدولي، تتعاون الإمارات مع الدول الأخرى لاغتنام فرص العمل المناخي إدراكاً منها لفوائده الاقتصادية الهائلة.
وتلتزم دولة الإمارات باستثمار 100 مليار دولار أمريكي حتى عام 2030 في مشروعات الطاقة النظيفة على نطاق أكثر من 70 دولة، العديد منها معرّض بشدة للتأثر بتداعيات تغير المناخ. وتشمل هذه الاستثمارات مزرعة رياح زرافشان في أوزبكستان، التي ستزود نصف مليون منزل بالكهرباء، وتسهم في تفادي انبعاث ما يزيد على 11 طناً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
وقد التزمت دولة الإمارات باستثمار 50 مليار دولار إضافية في خلال الأعوام العشرة المقبلة لتسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة.

ومؤخراً وقعت الدولة مع الولايات المتحدة الأمريكية اتفاق شراكة استراتيجية لتسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة، وتحقيق الأهداف المناخية المشتركة للدولتين، ودعم أمن الطاقة العالمي؛ إذ تهدف “الشراكة الإماراتية الأمريكية لتسريع مسار الطاقة النظيفة”، إلى تحفيز جمع تمويل ودعم بقيمة 100 مليار دولار، وتنفيذ مشروعات للطاقة النظيفة تبلغ طاقتها الإنتاجية 100 غيغاواط في دولة الإمارات والولايات المتحدة والاقتصادات الناشئة بحلول عام 2035.
وثمة العديد من المشاريع المماثلة الأخرى قيد التنفيذ اليوم في جميع أنحاء العالم، بدءاً من محطة الطاقة الشمسية المقاومة للأعاصير في منطقة البحر الكاريبي، إلى محطة طاقة الرياح البحرية “مصفوفة لندن”؛ وفي جميع هذه المشاريع، تتعاون دولة الإمارات مع شركائها لتحقيق انتقال طموح وعملي في قطاع الطاقة بما يضمن أمن الطاقة، ويحقق النمو الاقتصادي، ويخفّض مستوى الانبعاثات الكربونية.

ومع صعوبة تحقيق إجماع دولي على الإجراءات المناخية الرئيسية – وهو أمر مفهوم بطبيعة الحال، يوفر مؤتمر الأطراف منصة لاستعراض التقدم في تنفيذ المخرجات المتفق عليها وبناء الشراكات الطموحة التي غالباً ما تكون ناجحة. ففي مؤتمر العام الماضي COP26، التزمت 137 دولة بوقف أنشطة إزالة الغابات، واتفقت 190 دولة على التقليل تدريجياً من الاعتماد على الفحم كمصدر لتوليد الطاقة؛ ومن المتوقع أن ينخفض عدد المحطات الجديدة لتوليد الطاقة باستخدام الفحم بنسبة تصل إلى 76٪. وتشكل هذه المعطيات الإيجابية دليلاً ملموساً على فاعلية العمل المناخي الجماعي.
وفي مؤتمر الأطراف COP27، سيجمع وفد دولة الإمارات الشركاء من القطاعين العام والخاص لطرح شراكات طموحة ومجدية اقتصادياً تساعد على دفع عجلة دفع العمل المناخي. ويشمل ذلك كثيرًا من الشركات الرائدة التي دعمت النهج الطموح لدولة الإمارات، بما في ذلك “مصدر” “ومبادلة” و”تبريد”.
ومن خلال تقديم هذا “النهج الوطني الشامل” للعمل المناخي، تبعث دولة الإمارات رسالة واضحة بأن تغير المناخ يعد فرصة للنمو الاقتصادي وليس تحدياً فحسب؛ فالعمل المناخي بدأ يؤتي ثماره بالفعل، ويشكل النموذج الإماراتي دليلاً ملموساً على جدواه الاقتصادية.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

معالجة الخسائر والاضرار التاريخية المرتبطة بتغير المناخ

شبكة بيئة ابوظبي، بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم،كبير مستشاري برنامج الخليج العربي للتنميه، اجفند …