ومضات معرفية (1) كيف يتحول الابتكار إلى قيمة؟

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام عمر حاضري مستشار التطوير الاستراتيجي، 17 يناير 2023

دأبت المجتمعاتُ البشريةُ منذُ سالف العصورِ والأزمانِ على التكيفِ معَ معطياتِ الحياةِ وتقلباتِ البيئةِ المحيطة؛ فأبدعت في التعاملِ معها، وابتكرت طرقاً ووسائلَ وأدواتٍ، مكنتها من تجاوزِ المطباتِ والعقباتِ على اختلافها بدءاً من الابتكاراتِ البسيطة، وصولاً إلى عصر التكنولوجيا والذكاءِ الصناعي. وإذا افترضنا جدلاً أنّ الإبداعَ نواةُ الابتكار فكيف يتشكلُ الإبداع؟ وهل كلُّ الأشخاص مبدعون؟

ترتبطُ عمليةُ الإبداع بالدرجة الأولى بالعقل الذي يقومُ بتقسيم وتوزيع أنشطتهِ بصورةٍ غريزيةٍ على شقي المخ، الأيسر الذي يعالجُ الكلماتِ والمنطقَ والأرقام وتتابعَ الأحداثِ والتخطيط والتحليل، والأيمن الذي يعالجُ التكرارَ النظامي للأحداث والوعيَ الجغرافي والأبعادَ والخيالَ والألوانَ والوعيَ التام، وكلّما نشطَ شقٌ دخلَ الشقُّ الآخرُ في حالةٍ من الاسترخاءِ والهدوءِ؛ مما يعني أننا في الغالب نستخدمُ نصفَ مهارةِ المخ إما بالشقِ الأيمن لوحدهِ أو الأيسر لوحدهِ، وقلّما استخدمناهما معاً، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاضِ كفاءةِ المخ بنسبة 50%، وإذا أردنا أن نرتقيَ إلى الإبداع فعلينا الحرص على استخدام المخ بشقيهِ لتكوين التفكير المتوهج اعتماداً على الخارطةِ الذهنية.

وحتى نكونَ مبدعين في حياتنا وفي أعمالنا؛ لابدّ لنا من التفكير خارج الصندوق دائماَ والتحلي بالصدقِ والثقةِ بالنفس والانخراطِ في العمل الجماعي الذي يخلقُ التنافسية، ويطلقُ شراراتِ الإبداع والابتكار في جميع المجالات؛ مما يؤدي إلى بزوغِ أفكارٍ جديدةٍ تقدمُ قيمةً مضافةً للمجتمع.

وعلى صعيدِ المؤسسات فإنّ مسؤوليةَ القيادات تتمحورُ في تأسيس بيئةٍ وبنيةٍ ابتكاريةٍ تحتيةٍ تحرصُ على الانتقال من الابتكارِ العشوائي إلى منهجيةٍ واعيةٍ ومنظمةٍ للتجديد، والتحولِ من إدارةِ الموارد البشرية إلى بناء قدراتٍ ابتكاريةٍ على جميع المستويات، والانتقالِ من إدارة المهمات إلى التنسيق بين عملياتِ التعاونِ وإيجادِ الحلول للوصول إلى القيادةِ الشجاعة للابتكار، وبعبارةٍ أخرى تنظيمُ أصول المؤسساتِ الماديةِ أو البشريةِ أو الفكريةِ بطرقٍ فريدةٍ تؤدي إلى إضافةِ القيمةِ التي تنعكسُ بالفائدةِ على المجتمع بالدرجةِ الأولى، وتؤدي إلى جذبِ المهاراتِ الإبداعيةِ وتوفير بيئةِ عملٍ عالية الأداء، يتمخضُ عنها مستوى متميزٌ يحققُ قصبَ السبقِ على جميع المنافسين.

إنّ الغوصَ في تجارب الابتكار يقتضي بالضرورةِ التغاضي عن بعض الأخطاء الذكيةِ وليست الساذجة، والتي تنشأُ عن المحاولاتِ والتجاربِ المتعددةِ للوصول إلى نضوج الفكرةِ، لأنّ الخطأ يمثلُ الخطوةَ الأولى في رحلةِ الابتكار، واكتشافُ نقاط الضعفِ فيه وتعديل مكامنِ الخلل، يقودُ إلى الفكرةِ المبتكرة، والتي يمكنُ قياس نضوجها بالنتائج. ففي القطاع الخاص يُقاسُ الابتكارُ بالعائدِ المادي كالدخلِ المرتفع، أو الأرباح، أو الارتفاعِ في قيمةِ سهم المؤسسة، وأما في القطاع الحكومي فيمكنُ قياسه من خلال ازديادِ نسبةِ المشاريع والخدماتِ، ومعدلِ الرضا لدى المتعاملين، وقدرةِ المؤسسات الحكومية على تحقيق رؤيةِ الدولةِ والأهدافِ المرجوة.

وخلاصةُ القول: إنّ الابتكارَ هو عبارةٌ عن ثقافةٍ قائمةٍ على المغامرةِ والمخاطرةِ المحسوبةِ وارتكابِ الأخطاء، وتتطلّبُ الكثيرَ من الشجاعةِ مع القدرةِ على إدارةِ الأفكارِ الجديدةِ المتنوعةِ والمطلوبة بشدةٍ لتفادي مشكلاتِ المستقبل.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

استشراف المستقبل 97 التعامل مع الحتميات الرقمية

شبكة بيئة ابوظبي، د. حسام عمر حاضري، مستشار التطوير الاستراتيجي واستشراف المستقبل 01 سبتمبر 2021 …