الاستدامة الثقافية وصناعة المستقبل

– الاستدامة الثقافية تساعد المجتمعات على التكيف مع التغيرات الاقتصادية والبيئية

– الانسان معني بالثقافة وهو من ينتجها كما أنها هي من تحدد هويته

صلاح يوسف: لا يمكن فصل الثقافة عن نسغ المجتمع أو النظر إليها بمعزل عنه

– عز الدين بوركة: دعم الثقافة وتعزيز الحوار بين الثقافات على مختلف المستويات

– عبد اللطيف محفوظ: استدامة الثقافة هي الصيرورة والاستمرار وترويج المعارف والعلوم

لاشك أن الاستدامة الثقافية مهمة لضمان مستقبل الثقافات والمجتمعات. ويمكنها عبر الجهود المبذولة من قبل الدول والمؤسسات الثقافية الحكومية، وغير الحكومية، الحفاظ على التنوع الثقافي بأن تساعد في الحد من الصراعات الهوياتية، وتسهم في تعزيز الحوار بين الثقافات على مختلف المستويات، وكذلك تشجيع التنمية المستدامة اقتصادياً واجتماعياً. وينعكس التقارب بين الثقافة والتنمية المستدامة بشكل أكثر وضوحاً في ظهور مشاريع ملموسة تنفذها السلطات المحلية أو الهياكل الثقافية أو الجهات الفاعلة الأخرى المشاركة في سياسات التنمية المحلية في أي بلد. وتلعب الاستدامة الثقافية أيضاً دوراً مهماً في مساعدة المجتمعات على التكيف مع التغيرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على أساليب حياتها التقليدية، حيث تساهم في التنمية المستدامة من خلال تعزيز الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية من قبل المجتمعات المحلية. ويتم عادة تعريف التنمية المستدامة، على أنها «تنمية تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها». وتهدف هذه الفكرة إلى مواصلة العيش على كوكب الأرض في ظروف جيدة دون المعاناة من نقص الموارد أو عدم المساواة الاجتماعية، بالإضافة إلى صعوبة تحديد ما ستكون عليه احتياجات الأجيال القادمة أو شروط الرفاهية الاجتماعية.
وتكتسي فكرة الاستدامة في مجال الثقافة، أهمية كبيرة، يسعى «الاتحاد الثقافي» لكشف جوانب منها في هذا الاستطلاع.

صلاح بوسريف: استدامة الثقافة مشروع شامل
ابتداءً يخبرنا الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف بأن الحديث عن الاستدامة في مجال الثقافة، أو ما يمكن اعتباره استدامة ثقافية، أمر مرتبط بالحديث عن دور ووظيفة الثقافة نفسها، أولاً، في علاقتها بالمجتمع، في سياق مشروع مجتمعيّ شامل، إذ لا يمكن فصل الثقافة عن نسغ المجتمع، أو النظر إليها بمعزل عنه، وإلا سنكون خرجنا من المُسْتَدَام، إلى اللحظيّ العابر، أو ما هو معزول عن سياقه العام، وكأننا نحصر النبع، نُضَيِّق عليه، لِنُحوِّلَه إلى بِرْكَة آسنة لا حياة فيها، لأن من طبيعة الثقافة الحيوية والقدرة على التطور والتغير بأشكال مختلفة بحسب الظروف والمتطلبات الاجتماعية التي تكتنف الثقافة والمثقفين.
وإذا رغبنا في النظر إلى الثقافة في سياق الاستدامة بشكل خاص، فقد نكون، لا محالة، في وضع غير مُريح، في العالم العربيّ عموماً، وذلك بحكم العديد من التحديات التي تواجهها الثَّقافة العربية، في نظامها المعرفي، وفي دورها ووظيفتها، بل وتأثيرها في الإنسان العربي بشكل عام.

محدد للهوية
فمن يضمن الاستدامة، يضيف بوسريف، واستمرار أسباب الصيرورة فيها، في حالتنا العربية؟
ولاشك أن الإنسان هو المعني بالثقافة، وهو من ينتجها، كما أنها هي من تُحدد هويته، وتُساهِم في بناء شخصيته، وفيما يمكن أن يمتلكه من معارف وكفاءات، ومن خبرة وتجربة. وحين تعمل الثقافة، أو يحدث التراكُم الثقافي، في أي حقل أو مجال، دون أن يَصُبّ في وعي الإنسان، وفي فكره ووجدانه، وفي رؤيته، وما يمكن أن يمتلكه من منهج وتصور، فسيكون كما لو أننا نَصُبّ ماءً في الرَّمْل، لأن الاستدامة، هي نفسها الصيرورة، والاستمرار، وهي ترويج المعارف والعلوم والمناهج والتصورات والرؤى والمواقف الثقافية والإبداعية المختلفة.

رسالة الثقافة
ويضيف الناقد بوسريف أن كثيراً من الفعاليات الثقافية التي تكون هنا أو هناك، في المسرح، أو في السينما، وفي التشكيل، أو في الآداب والعلوم الإنسانية، وفي غيرها مما هو شأن ثقافي، ما لم تَصُبّ في وعي المجتمع، وفي فكر ووجدان الإنسان، وتحفيز هذا الإنسان على القراءة واكتساب المعارف، وعلى الحوار، وتبادل المعلومات والمعطيات، فهي ستبقى محدودة الدور والحضور في الفضاء الاجتماعي العام، وسيؤول بها الحال إلى نوع من عدم الفاعلية كما لو أنها جزيرة منعزلة، لأنَّ رسالة الثقافة القَصْد منها الإنسان، أولاً وأخيراً، في الأساس، وهدفها الجوهري بناء وعي الأجيال بشكل مستدام ليكونوا منخرطين في خدمة قضايا ومواجهة مختلف التحديات المطروحة على المجتمع. وهذا الالتزام العام من أهم شروط الاستدامة الثقافية عن طريق التحاور، والتداول، وتعميم المعارف والعلوم، ونشرها بين الناس، بل ووضعها في طريقهم، ووضعهم، هُم، أيضاً في طريق المعرفة والثقافة في معناها العام.

عزالدين بوركة: الثقافة ثروة الأمم الإبداعية
يؤكد الباحث الجمالي عزالدين بوركة أن الفنون والثقافة لا تعد من الرفاهية والأمور الكمالية التي يمكن الاستغناء عنها والاكتفاء بغيرها من الأمور لتحقيق تطور المجتمع ونمائه، «لكونهما أمرين يقعان في صلب المهمة الأساسية الخاصة بالتنمية ألا وهي: تحسين حياة الناس»، كما يقول الباحث باتريك كاباندا، في مؤلف المهم «الثروة الإبداعية للأمم».
ويقع مفهوم الثقافة هنا، يضيف بوركة، بالمعنى الأنثروبولوجي والسوسيولوجي الشامل، الذي يلامس الجانب الحضاري والموروث الفكري والشعبي والأدبي والفني، ويلامس كل الجوانب الحياتية للمجتمع والأمة. ولهذا لا نستطيع الحديث عن الثقافة بصيغة المفرد، فهي تنطوي على صيغة جمع ضمنية، من حيث إيمانها بالتعددية والحركية والتداخل الحضاري للأعراق والأعراف المنضوية تحت لوائها.

التعددية الثقافية
واليوم لم نعد إزاء التنوع الثقافي بل التعددية الثقافية، القائمة على ضمان التجانس المجتمعي، المنبني على التنوع الثقافي الهوياتي.. إذ سمحت العولمة بالانفتاح والتنقل الثقافي، بعدما فتحت الحدود بين الجغرافيات.. وقبلها كان من الصعب، أيضاً، الحديث عن ثقافة منغلقة ومحددة في مجتمع واحد، إذ ظلت الإنسانية دائماً في حالة دينامية، تتنقل عبرها التقاليد والأعراف والأفكار والمعتقدات، لتتقاطع وتتنوع.. مما يدعونا إلى القول إن التنوع الثقافي يعدّ عاملاً من عوامل التنمية بامتياز.
ومردّ كلامنا هذا، يقول الباحث، إلى ما بوسع الثقافة لعبه على «المدى الخاص بالخيارات المتاحة بالنسبة لكل الأفراد، وهو أحد الجذور الأساسية في التنمية، ولا ينبغي فهمه على نحو بسيط في ضوء النمو الاقتصادي فقط، بل أيضاً كوسيلة لتحقيق نوع من الرضا العقلي والوجداني، والأخلاقي، والوجود الروحي»، كما تؤكد ذلك مواثيق اليونيسكو.

الشعور بالانتماء
غير أنه لا ينبغي النظر إلى الاستدامة الثقافية بمعزل عن الاهتمام بالأجيال القادمة، ولهذا فلابد من الانزياح بعيداً عن السياسات التقليدية القائمة فقط على تقديم المنح للمؤسسات المدعومة في المجالات الثقافية والفنية، المنوط بها الاهتمام بالثقافة ورعايتها، إذ ينبغي التفكير أيضاً في وكالات التنمية التي ترعاها الحكومات والمنظمات الدولية، والهدف منها الانخراط جوهرياً في الشؤون الثقافية والحضارية.. مع مراعاة التماسك والتشابك الاجتماعي والشعور بالانتماء، وتلعب الثقافة والفنون والرياضة دوراً ثابتاً وأساسياً في كل ذلك، وهو ما يدعونا إلى الحديث عن ضرورة تطوير الصناعات الثقافية، التي تتيح إمكانيات غير مدركة، من شأنها أن تظل منفتحة على مستقبل الأجيال القادمة، ومنخرطة بشكل مستدام في لبّ الاهتمامات المتغيّرة.

عبداللطيف محفوظ: الاستهلاك الثقافي حقيقة ملموسة
وقال عبداللطيف محفوظ، الناقد والروائي الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن موضوع الصناعة الثقافية شكل منذ مدة، انشغالاً للجميع، ولكن الصناعة الثقافية تقتضي، كي تكون فاعلة وناجعة، أن تكون مسبوقة بتهيئة المناخ المناسب لنجاحها، وإلا فإنها ستكون غير موفقة لسببين، الأول يمسُّ الاستهلاك الثقافي، ويخص تحديداً كل صناعة تفرز الجميل مرئياً كان أم مسموعاً أم مقروءاً، ويتعلق الأمر هنا تحديداً بالمسرح والسينما والكتب المؤلفة في مجمل الحقول الأدبية والمعرفية.

تحديات ثقافية
والصناعات المنتجة لهذه الآثار الفنية والإبداعية والفكرية لا يمكنها أن تنتعش وتستمر بشكل مستدام دون أن يكون الاستهلاك الثقافي حقيقة ملموسة وليس فقط هدفاً مفترضاً، ولكي يكون حقيقة ملموسة يتعيّن أن يكون مجاله جزءاً مهماً من معروضات سوق فعلي يحظى بالإقبال، وذلك مفتقد، في وضعنا الراهن، إلى حد الآن، نظراً لتراجع الإقبال على بعض الأنشطة الثقافية.

وسيلة متاحة
ويتمثل العائق الثاني الذي لابد من الانتباه له، في خطورة تأثير الصناعة الثقافية والإبداعية التي تستهلك عبر قنوات افتراضية، إذ من المحتمل أن تكون تأثيراتها الاجتماعية ذات ثمن باهظ على رغم مساهمتها الفعالة في خلق فرص العمل وتحقيق تنمية مالية للبعض. ومن بين ما يستوجب الحذر في دعم هذا النوع من الصناعة أنها ليست محلية في الغالب، وإنما هي وسيلة متاحة للجميع ونتاج عولمة تحاول محو الفوارق الثقافية، ولذلك فإنها منفلتة من أي رقابة مسبقة، ومن ثمة ففائدتها قد تعود على الأفراد وليس، بالضرورة، على المجتمع. ولكن تأثيرها محسوس على مستهلكي إنتاجاتها، سواء أكانت فيديوهات فكاهة أم دراما أم سرديات يومية أم سرداً للتاريخ.

الاستهلاك الثقافي
ومن المؤكد أن مفهوم «الاستهلاك الثقافي» لا يصدق إلا على توصيف ما يجري بالمجتمعات التي لها تقاليد استهلاك المنتوج الثقافي، تلك التي تنشط فيها المسارح ودور السينما ومتاحف الفنون يومياً، ولا تتوقف فيها مطابع دور النشر… وتعد القراءة فيها سلوكاً يومياً وغذاء روحياً لا غنى عنه… ولذلك وبالنظر إلى الإقبال على هذه المنتوجات في واقعنا، يصعب أن نتحدث عن الاستهلاك الثقافي، لأنه لا يتصل بوجود حركة اقتصادية مرتبطة بالثقافة.

القيم الجمالية
إن دور المجتمع مهم في جعل الحاجات الثقافية مترسخة في ذهن الناشئين، كما أن القيم السائدة في التربية الأسرية يتعين أن تنمى القيم الجمالية بكل أنواعها… ومن المهم جداً وجود مؤسسات ثقافية قادرة على تحقيق هدف استدامة الفعل الثقافي، بمختلف صوره وأشكاله.

المصدرن جريدة الاتحاد، ساسي جبيلن 16 فبراير 2023 01:48

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

التعليم الأخضر آلية لتنزيل التعليم المستدام

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم أمين سامي خبير الاستراتيجية وقيادة التغيير للشركات والمؤسسات والاستراتيجيات التنموية، المملكة …