السلوك الاستهلاكي الرشيد وتسخير الموارد المالية بشكل عقلاني

شبكة بيئة ابوظبي، بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم، كبير مستشاري برنامج الخليج العربي للتنمية، أجفند، 03 فبراير 2024

سالني سائل حول كيفية قيام الشخص بتسخير موارده بشكل جيد. فقلت له أن هذا الأمر يرتبط بالقيم التي يحصل عليها الفرد في مقابل ما يصرف من جزء من الدخل في كل سلعة وخدمة في أي وقت من الأوقات. للسلوك الاستهلاكي الرشيد أهمية كبيرة والتقييم الاستهلاكي لصرف الفرد من دخله ليس تقييما كليا لما يقدم كل الدخل من منفعة، بل ما تجلبه الوحدة الواحدة من العملة المصروفة على السلعة أو الخدمة من منفعة، علما بأن تعبير المنفعة تعبير هلامي واسميه تقييم شعوري ليس له قياس رقمي محدد ويختلف من شخص لاخر ويعتمد على تقييم الشخص نفسه لما يأخذ من منفعة عند الاستهلاك حسب ما يراه هو وليس حسب ما نراه نحن.

مفهوم المنفعة الاضافية من صرف وحدة من العملة (أو مايطبق عليه الاقتصاديون المنفعة الحدية) يساعدنا على فهم كيفية قيام المستهلكين باختياراتهم وتخصيص مواردهم المحدودة بين السلع والخدمات حسب ازواقهم. وتعني المنفعة الاضافية الرضا الاستهلاكي الإضافي التي يستمدها المستهلك من استهلاك وحدة إضافية من السلعة أو الخدمة، مرتبطة بما يدفعه كقيمة لهذه السلعة أو الخدمة. بهذا تساعد المنفعة الحدية على توضيح كيفية تخصيص المستهلكين لميزانياتهم لتحقيق أقصى قدر من الرضا. على كل وحدات الصرف من الدخل. طلما أن هذه المنفعة ايجابية (تضيف للشخص قيمة) وليست سلبية (تخصم منه) أو صفرية (لا تضيف له)، فان المستهلك يسعد أن يصرف على السلعة أو الخدمة بقدر من المال يراه مناسب كقيمة لها. هذا يعني أن المستهلك يقيم بين أي جنية أو دينار او ريال اضافي مع ما ينتج عنه من قيمة له.

الغريب ان بعض الناس يرون شخصا ما في وجهة نظرهم يقوم بأوجه صرف في غير محلها كشراء سلع كمالية في الوقت الذي لا تسمح له موارده المالية بذلك. وبعض الناس يحبون الصرف في سلع محددة مهما كان ثمنها فالذي يحب اقتناء ملابس معينة فخمة أو أحذية بماركات عالمية أو ربطات عنق مكلفة. هذا الشخص من وجهة النظر الاقتصادية يعتبر شخص عقلاني استهلاكيا وأن اختلفت معه في اختيارته . لان هذه السلع تقدم له ما يراه مفيدا وليس ما يراه الغير مفيدا له. فالتفكير الاستهلاكي تفكير شخصي بحت ويختلف من شخص لاخر حسب ما يقيمه الشخص من منفعة وهذه المنفعة ليست موحدة على السلع بل الكل يختار مايراه مناسبا حتي ولو دفع الكثير المال من وجهة نظر الغير.

وتجدر الاشارة الى أن الحديث عن الاستهلاك الرشيد يرتبط بموضوعات أخري نجملها فيما يلي:

أولا: يقوم الشخص بأنواع أخرى من صرف من موارده المالية كالتبرعات أو الاحسان للفقراء وغيرها من أبواب العمل الانساني والخيري. هذه أيضا له قيمة معنوية حيث يشعر صاحبها بأنه انساني يتجاوب مع الام وحاجيات الفقراء ويحس مشكلاتهم مما يجلب له السعادة في الدنيا، أو أنه يقدم اليوم ما يجده في الغد في شكل حسنات يوم القيامة.

ثانيا: الادخار أو الفائض من الدخل المتاح غير الموجه نحو الاستهلاك. هذا الادخار يعتبر أيضا وسيلة استهلاك مستقبلي. بالطبع اذا كان الشخص راغبا في التوفير أو لديه مقدرة على ذلك فان هذا الأمر يرتبط بزيادة دخله بأي وسيلة اخرى مشروعة أو تخفيض استهلاكه الحالي الي حد معين باعتبار أن كثير من الاستهلاك مفروض على الشخص لكي يعيش. بالطبع فان الادخار ليس على حساب الحاجيات التي لا يمكن للانسان العيش يدونها مثل الحد الأدني من الطعام الذي يحتاجه الإنسان للبقاء على قيد الحياة و كذلك مأوى النوم واساسيات العلاج. يخفض الشخص استهلاكه أو يزيد من دخله من أجل التوفير الذي يضمن له الحيطة للطوارئْ أوفرصة للاستهلاك المستقبلي في حالة انخفاض أو فقدان الدخل لأي سبب من الأسباب . وابواب تحويل الادخار الى فرص استهلاكية مستقبلية تشمل شراء العقارات أو الاراضي أو السندات أو حتي انشاء المشروعات المتناهية الصغير والصغيره. وأفضل الادخار (أو الاستهلاك المستقبلي) هو الموجه نحو الاستثمار الذي يظل مدرا للدخل وتزيدة قيمة أصوله عبر الزمن بفعل التضخم.

ثالثا: فيما يتعلق بنسب الصرف على الحاجيات كالمأكل والملبس والسكن والترفيه وغيرها. في الماضي وضع الاقتصاديون نسبا محددة للاستهلاك من الدخل كنسبة 20% للسكن و 30% للأكل وغيرها. ولكن في عالم اليوم ومع زيادة التضخم بأكثر من زيادة الأجور أصبحت هذه النسب غير منطقية، وليس هناك نسبا معينة أو نظره متفق عليها حول نسب استهلاك الغذاء والدواء والسكن من حيث الدخل. ولكن حسب البيانات المتاحة في أفريقيا يمثل الانفاق الغذائي نحو 40-45% من الدخول. و مع زيادة الدخل، تميل نسبة (وليس قيم) الإنفاق على الغذاء إلى الانخفاض. وتُعرف هذه الظاهرة في الاقتصاد بقانون ( إنجل)، الذي يشير الى تخصيص الأفراد الأكثر ثراء نسبة أقل من دخلهم للغذاء، مما يسمح بزيادة الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والإسكان.

رابعا: مايسمي “بالمكاسب غير المتوقعة” والتي تعتبر مبلغ من المال يربحه أو يتلقاه الشخص من شخص ما بشكل غير متوقع. وأغلبها مبالغ كبيرة غير متوقعة يتلقاها الناس أو يفوزون بها في السباقات، أو في اليانصيب أو عند رجوع دين منسي أو تلقي هدية من شخص ما والميراث غير المتوقع أو تغيير مفاجيء في ظروف السوق لمصلحتك أو مكافأت العمل غير المتوقعه .هناك مكاسب أخرى غير متوقعة تسمي “الارباح غير المتوقعة” الناتجة عن ارتفاع العقارات خلال البيع وغيرها. اوجه استهلاك كل هذه المصادر غير متوقعه تعتمد على تقديرات الشخص كسداد ديون أو شراء أصول أو زيادة الاستهلاك أو غيرها.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

أحقاً هناك خطأ في ممارسات التمويل الأصغر، وما الذي ينبغي علينا فهمه؟

شبكة بيئة ابوظبي، بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم، كبير مستشاري برنامج الخليج العربي للتنمية، …