إلهام الهوية العالمية في ظل التنمية المستدامة بين الواقع والآفاق

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عبد الكريم وشاطي (طالب باحث) وتأطير أ. د، عبد العزيز فعرس (أستاذ باحث) كلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس، المملكة المغربية 03 ابريل 2024

تحمل دعوة الاهتمام بالهوية الوطنية في كَنفِ التنمية المستدامة أهمية بالغة في الوقت الحاضر، حيث تمثل خطابًا يُلامس وجدان وقيم شعوب المعمور، خاصة مع التحول الرهيب الذي يشهده العالم اليوم في عصر العولمة. والذي جعلنا ندخل ثورة تقنية رقمية هائلة لم يسبق لها مثيل، جعلت من تعزيز الهوية الوطنية بشكل مستدام والاهتمام بالموروث الثقافي للأمم أمرًا ضروريًا للمحافظة على التنوع والتماسك في ظل حتمية الانصهار بشقيه السلبي والايجابي.

لعل التأمل في المسار الخطي للتنمية الذي يعرفه العالم الحالي يوحي بوقوع صدام بين الهويات المتنوعة لمختلف شعوب العالم، نظرًا لتباينها من ناحية القيم والمواقف والاتجاهات؛ و بسبب اختلاف مرجعياتها و مبادئها، على الرغم من السعي الحثيث لتجنب هذا الصدام في إطار استعمال القوة ناعمة التي تتخذ من القيم الكونية وخطابات تآلف الهويات غطاءً لها إزاء كل مقاومة تدافع عن أي أثر جميل لهوية شعوب أضعفتها حروبها الضارية ضدَّ الجهل والأمية والتخلُّف… ، مضمرةً غايتها في جعل هذه الاخيرة نسخة تقليدية لنمط عيش وحياة وثقافة المهيمن، الذي يسعى لإفقادها لكل ما يميزها ويمنحها تفردًا وخصوصية. وتتسبب هذه الظاهرة في إبقائها محصورةً في دائرة الحلقة المفرغة من التشتت والتيه، مما يعيقها عن تحقيق التنمية والتطور المستدام الذي تصبوا إليه، خدمة لمصالحها الخاصة التي تندرج ضمن المصلحة الكونية لكافة البشر.

فإذا كانت الهوية في المقام الأول تمنح الشعب هويته الفريدة والمميزة، والتي تميزه عن الشعوب الأخرى، بالإضافة إلى توطين موقعه للاستمرار في تحقيق مساهمته كشعب بشكل فعال وناجع في الانتاج والبناء في إطار التراكم المعرفي للإنسانية، التي تعد أساسًا للتقدم الحضاري ودافعًا للتنمية المستدامة. فإن هذا لا يتأتى إلا بالانطلاق من خبرات وأفكار الأجداد، وقيمهم، وتجاربهم، وعلمهم، حتى يتسنى بناء الحاضر والتطلع نحو المستقبل، مع الحرص على توازن بين الأصالة والمعاصرة.

فشعوب العالم النامي تعيش حملة غير مسبوقة من الصراع حول البقاء الهوياتي في إطار صدامها مع الهوية العالمية التي لا تعترف إلا بثقافة فرض الأمر الواقع ، ولعل هذه الشعوب تدرك بأم عينيها مستقبلها في أجيالها الحاضرة التي فقدت جذورها المناعية، حيث فقدت نمط غذائها الصحي و لباسها وتفكيرها و استقلاليتها …، واتجهت صوب ما يضرها ولا ينفعها؛ بسبب مرضها بانفصام الهويات، حيث فقدت معه قدرتها على المساهمة في استغلال طاقاتها المفعمة بالحيوية والنشاط في الدفاع عن جذورها التي تمنحها حق البقاء و القوة في مواجهة العواصف الخارجية، فقد تحولت إلى مهاجمة أصولها بنيران ذاتية في إطار ما يعرف بالصراع الحداثي الداخلي بين ما هو تقليدي ومعاصر.

حيث أصبحت أجيالها تنبذ وتتهم كل تمسك بالهوية الخاصة رجعية وتخلف وظلامية … مطلقة العنان لأحكام القيمة بدون بينة تذكر. فإن تركت على هذا الحال لدخول غمار محيط لا شاطئ له، سينتهي بها المطاف إلى الغرق في مياه هوية الآخر الذي يسعى لخلق نسخ تقليدية منه ليكرس ثقافة الغالب على المغلوب. فيصبح وبال على وطنه والعالم عمومًا ويصبح إنسانا هجينًا ولقمة سائغة في يد التطرف والانحراف، أو في منحى إقصاء ذاته والنظر لها بدونية نتيجة لمركب نقص الذي يعاني منه تجاه ذاته وتعظيم الآخر، ولعل الاتجاهين سيعصف بالقيم الإنسانية العالمية.

وأمام هذا الوضع المقلق، تبقى التربية البوابة الرئيسة للوقوف سداً منيعًا في وجه هذا الطمس لهوية وثقافة الشعوب الخاصة ذات القيم الإيجابية، ويبقى السؤال: كيف يمكن للتربية أن تحول هذه النقمة إلى نعمة للحفاظ على هوية الشعوب الخاصة؟

يفرض الخوض في غمار الإشكال السالف الذكر علينا تحميل المناهج التعليمية في هذه الدول مسؤولية كبيرة في تأمين مستقبل الأجيال الحالية والمقبلة، من خلال الحفاظ على خصوصياتها المتفردة وتعزيز مناعتها النفسية. كجيل ذو بناء متوازن في تنشئته الاجتماعية، بحيث يشعر بالاعتزاز بأصوله وهويته، دون الانحراف في اتجاه الإفراط في تقدير الذات مما يصبح معه غرور اً أو التفريط عبر الإقصاء الذاتي. وخير مثال يزكي هذا الطرح: النموذج الياباني الذي نجح في تحقيق هذا الهدف من خلال تعزيز الانتماء للثقافة والتقاليد اليابانية دون فقدان أجياله مهارة الغوص في الانفتاح على الآخر والاتصال بالعالم الخارجي، ونقل التجارب الإيجابية قائمة على الابتكار والتطور في إطار يحترم هوية وثقافة هذا الشعب وبالتالي نجح في خلق تنمية ونمو مستدام ألهم دول العال.

في ختام هذا المقال، يمكن اقتراح مفهوم جديد يمكن أن نصفه بـ “الهوية العالمية”، والتي تعبر عن الجانب الإيجابي من التعايش الجماعي بين مختلف الهويات والثقافات، بعيدًا عن المفاهيم السلبية للصراع والنزاع. حيث تتمثل الهوية العالمية في تعزيز التفاهم والتعاون بين الشعوب، مع الاحترام المتبادل للأصول وتقدير التنوع الثقافي. وهي تسعى إلى تحقيق استدامة وتنمية الهويات العالمية لمختلف شعوب العالم، من خلال تجاوز العوائق والمشكلات التي خلفتها العولمة، والعمل نحو بناء عالم أكثر انفتاحًا وتعاونًا وازدهارًا للجميع تحقيقا لمبدأ التعايش المشترك في ظل الأمن والسلام.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الأمن الوطني ومعادلة الاستدامة

بقلم د. سلطان الشريف، خبير في التنمية المستدامة، نقلاً عن صحيفة الاقتصادية السعودية، 21 مارس …