السلوقية أولاً (10) قصة نضال لإنقاذ محمية طبيعية بمدينة طنجة بالمملكة المغربية

بقلم الدكتور أحمد الطلحي
تنفرد شبكة بيئة أبوظبي بنشر محتوى كتاب “السلوقية أولاً” لخبير البيئة والتنمية والعمارة الدكتور أحمد الطلحي، بشكل أسبوعي 11 مايو 2024

4- تسطير برنامج عمل لسنة 2012:
من الأعمال الهامة التي قامت بها سكرتارية التنسيقية هو تسطيرها لبرنامج عملها لما تبقى من سنة 2012، وهو ما يدل على أن التنسيقية كانت تعمل بمهنية وبعلم، ومرد ذلك لما راكمه أعضاء السكرتارية من خبرة وتجربة تنظيمية سواء في العمل السياسي أو النقابي أو الجمعوي، كما يدل على المستوى التعليمي العالي للأعضاء، فأغلبهم من أصحاب الشهادات العليا.
والبرنامج يتكون من سبعة أنشطة، خمسة منها تصنف ضمن أنشطة الترافع وكلها تبدأ بكلمة “مطالبة”، ونشاط سادس يتعلق ب”إعداد منشورات تعرف بالمناطق الخضراء للمدينة وضواحيها، على شكل كتيبات ومطويات وأقراص مدمجة وصفحات على الشبكة العنكبوتية…”، ونشاط سابع يتمثل في “تكوين لجن دائمة لليقظة لمراقبة عمليات البناء في المناطق الخضراء للمدينة وضواحيها، سواء البناء القانوني (تعسفا وضدا على إرادة ومصالح السكان) أو البناء العشوائي (الذي غالبا ما يتم بالتواطؤ مع السلطات المحلية)”.

وبالنسبة للمطالب الخمسة، فأولها يطالب “مجلس مدينة طنجة بالعمل على اقتناء المناطق الخضراء بمدينة طنجة وضواحيها، خصوصا غابات الجبل الكبير والغابة الدبلوماسية وغابة رأس مالاباطا وبعض الحدائق داخل المدينة كنادي البحر الأبيض المتوسط سابقا، التي تمثل متنفسا وحيدا للساكنة وتراثا طبيعيا للمدينة، وذلك بالتعاون مع كل من المندوبية السامية للمياه والغابات والسلطات المحلية ومجلس عمالة طنجة-أصيلة ومجلس جهة طنجة-تطوان”.

والمطلبان الثاني والثالث موجهان لوزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة تطالبها التنسيقية “بفرض دراسات التأثير على البيئة على المشاريع العقارية قبل الترخيص لها” و”بإشراك التنسيقية في مراحل إعداد مختلف الوثائق والمشاريع المتعلقة بسياسة المدينة، خاصة تصميم تهيئة مدينة طنجة”.

أما المطلب الرابع فهو موجه لوزارة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، وهو يدعو الوزارة ل”مراجعة النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بدراسات التأثير على البيئة، بالشكل الذي يجعلها تشمل وثائق التعمير والمشاريع العقارية وتوسع العضوية في اللجنة الوطنية واللجان الجهوية لتضم المجتمع المدني المعني بالأمر”.

وأخيرا المطلب الخامس، الذي كان موجها لولاية جهة طنجة-تطوان، يطالبها بحكم أنها ” تترأس اللجنة الجهوية لدراسات التأثير على البيئة باستدعاء المجتمع المدني في اجتماعاتها”.

وبقراءة البرنامج مجددا اليوم بعد مضي 12 سنة عليه، لاحظت أنه كان لي إسهام كبير في إعداد وصياغة هذا البرنامج، فأنا كنت ولا أزال أعمل في وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة أو وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة كما أصبحت تسمى إلى الآن، مكلفا بملف البيئة. وكنت عضوا دائما في اللجنة الجهوية لدراسات التأثير على البيئة ممثلا لإدارتي من سنة 2009 إلى سنة 2019، كما كنت أمثل إدارتي في المرصد الجهوي للبيئة والتنمية المستدامة لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة منذ تأسيسه سنة 2011. وخلال تكليفي بملف البيئة استفدت من عدة تكوينات في المجال البيئي وشاركت في عدد من الملتقيات البيئية الهامة كالملتقى الاستشاري الجهوي حول مشروع الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة الذي عقد في طنجة سنة 2010.

5- قضية حريق جزء من غابة السلوقية:
“عاجل قصد التحرك … عاجل جدا: السلطات تفقد سيطرتها على حريق راس سبارطيل الذي امتد الى مساحة واسعة شملت غابة السلوقية، وهذا الحريق بفعل فاعل من أجل تسهيل عملية السطو على الغابة من طرف ملاكها الجدد غير الشرعيين كل شيء واضح الان وليس هناك غبار على الموضوع هل ستسكت التنسيقية؟ يجب أخذ الحدر واليقظة” (1).
هذا نموذج من التدوينات التي انتشرت في شبكات التواصل الاجتماعي، بعد انتشار خبر الحريق الذي شب في محمية رأس سبارطيل ولحق بأضرار بغابة السلوقية. وهي تعبر أولا عن تعلق الساكنة القوي بغابات المدينة، وثانيا على الخوف الدائم على ضياع هذه الغابات خصوصا وأنه لم يمر على معركة مراجعة تصميم التهيئة سوى مدة وجيزة، وثالثا على الاتهام الجاهز للمستثمرين العقاريين بتصيد الفرص لاستغلال هذه المناطق الطبيعية، ورابعا على الثقة الكبيرة في التنسيقية وأنها هي المعول عليها لحماية غابات المدينة.

وبعد أيام من هذه الحادثة، أصدرت التنسيقية بيانا (2) اعتبرت فيه أن مثل هذه الحرائق تمهد لتعمير هذه المناطق، وذهبت إلى:
“- شجب وإدانة المحاولة الأثيمة لافتعال حرائق بغابة “السلوقية” و”كاب سبارطيل”، ودعوة السلطات لتحمل مسؤوليتها في حماية الغابات والمناطق الخضراء
– توجيه تحية وتقدير للفرق التي تدخلت لإخماد الحريق وبصفة خاصة الوقاية المدنية ورجال المطافئ، والذين بفضل تدخلهم وتفانيهم تم تفادي الأسوأ عبر الإجهاز على مزيد من المساحات الغابوية”، كما أدانت التنسيقية في هذا البيان “قرار مجلس مدينة طنجة خلال دورته الأخيرة، بتشييد مقبرة فوق أرض غابوية من 20 هكتار مشجرة في منطقة “الراهراه”. في الوقت الذي كانت هناك بدائل عديدة، على رأسها تلك التي اقترحتها “رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين” والتي كان من شأنها أن تعفي المجلس الجماعي من جرم المساهمة في اجتثاث ما تبقى من غابات المدينة. مع التأكيد على إصرارنا إحداث مقابر جديدة ومؤهلة دون الإضرار بالبيئة”، والحمد لله تم إنقاذ هذا الفضاء الغابوي ولم يتم إحداث هذه المقبرة بقرار من العمدة السابق السيد محمد البشير العبدلاوي(3) بعدما تبين أن المنطقة غير مناسبة فهي أراضي صخرية وشديدة الانحدار، وكنت بفضل الله من بين المستشارين الذين أقنعوا السيد العمدة بهذا القرار.

كما استنكرت التنسيقية في هذا البيان الاعتداء على المناطق الخضراء من خلال الترخيص لبناء مشاريع استثمارية خاصة مكانها، ويتعلق الأمر بــ”الترخيص لإقامة مشروعين لمدرستين خصوصيتين بكل من حي “عزيب الحاج قدور” وحي “البرانص”، وذلك بالرغم من اعتراض الساكنة المتضررة من هذين المشروعين بعين المكان.. ومحاولة للبناء بالمجال الأخضر المحاذي للشاطئ بمنطقة “الغندوري” وباقي الشواطئ الأخرى”.

6- قضية حرائق غابات الجهة:
آخر نشاط في حياة التنسيقية، كان هو تفاعلها مع انتشار الحرائق في غابات جهة طنجة تطوان(4)، ولعلها كانت المرة الأولى التي يتجاوز اهتمام التنسيقية بالشأن البيئي حدود مدينة طنجة ليهم باقي مناطق الجهة.
إذ قام أعضاء من التنسيقية بزيارات ميدانية لبعض الغابات التي تعرضت لهذه الحرائق، كما أصدرت التنسيقية بيانا في الموضوع، حيث استعرضت فيه الخسائر التي خلفتها هذه الحرائق وعبرت عن مخاوفها من فقدان هذا الإرث الطبيعي الهام، وأعلنت أنها كلفت فريقا لإعداد “تقرير مفصل عن هذه الحوادث المؤلمة، وذلك في أفق متابعة حيثيات هذا الملف على جميع المستويات. وفي انتظار إنجاز هذه المهمة، تسجل التنسيقية ما يلي:
– دعوتها الجهات المختصة إلى إيلاء الملف الأهمية التي يستحقها وذلك بتعزيز الموارد البشرية، وتوفير الوسائل المادية المرتبطة بحماية الغابات، خاصة في ظل الحاجة الملحة إلى تقنيات وأدوات حديثة وفعالة في مكافحة الحرائق
– الإشادة بالمجهودات المشكورة التي قامت بها مختلف وحدات التدخل ميدانيا والتي اشتغلت في ظروف صعبة
– شجبها وإدانتها للأيادي الآثمة التي تسببت في هذه الحرائق، ودعوتها الجهات المختصة من أجل التعامل الجدي والصارم مع كل من ثبت تورطه سواء (فعلا أو تحريضا أو تقصيرا)”(5).

7- حصيلة أنشطة التنسيقية:
رغم عمرها القصير (حوالي خمسة أشهر) أنجزت التنسيقية عددا مهما من الأنشطة موزعة بين:
– بلاغات وبيانات وعرائض
– أنشطة إعلامية: ندوات صحافية، تصريحات وحوارات صحافية، منشورات في المجموعة الفيسبوكية…
– وقفات احتجاجية
– مراسلات موجهة لمختلف الهيئات العمومية والمدنية
– زيارات ومعاينات ميدانية
– تنظيم مائدة مستديرة حول الوضع البيئي بطنجة
– إعداد برنامج عمل التنسيقية لسنة 2012
– وأنشطة مختلفة أخرى
ويبقى أكبر إنجاز قامت به التنسيقية، وكان يكفيها ذلك فقط لتخلد في تاريخ المدينة، هو معركتها التي خاضتها بنجاح لإنقاذ غابة السلوقية من الاجتثاث. وثاني أكبر إنجاز وكان خاتم أنشطتها هو تأسيسها لمرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة.

هوامش:
(1) تدوينة نشرت في المجموعة الفيسبوكية للتنسيقية من قبل أحد أعضاء المجموعة يوم 27 ماي 2012
https://www.facebook.com/groups/Tangerverte/permalink/224117414372192/?mibextid=Nif5oz
(2) انظر الملحق 16 في الكتاب
(3) الولاية الانتدابية 2015-2021
(4) أصبح اسم الجهة في 2015 جهة طنجة تطوان الحسيمة بعد ضم إقليم الحسيمة وبعد تقليص عدد الجهات من 16 إلى 12
(5) انظر الملحق 17 في الكتاب

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

السلوقية أولاً (08) قصة نضال لإنقاذ محمية طبيعية بمدينة طنجة بالمملكة المغربية

بقلم الدكتور أحمد الطلحي تنفرد شبكة بيئة أبوظبي بنشر محتوى كتاب “السلوقية أولاً” لخبير البيئة …