سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (5)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 28 يوليو 2025م
شهدت العقود الأخيرة طفرة في تقنيات الهندسة الوراثية، كان لها أثر بالغ على الزراعة والغذاء، من خلال ظهور الأغذية المعدلة وراثيًا، التي أثارت نقاشات عالمية بين مؤيد يعتبرها حلًا للأمن الغذائي، ومعارض يتحفظ على سلامتها الصحية والبيئية.
الأغذية المعدلة وراثيًا:
هي منتجات غذائية مستخرجة من كائنات حية تم تعديل مادتها الوراثية (DNA) باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية، بهدف إكسابها صفات محببة مثل مقاومة الآفات، تحمل المبيدات، تحسين القيمة الغذائية، أو إطالة عمر التخزين.
تشمل الأغذية المعدلة وراثيا محاصيل أساسية مثل الذرة، فول الصويا، القطن، الطماطم، الكانولا، وبنجر السكر، حيث يتم تعديلها لتحمل مبيدات الأعشاب أو مقاومة الحشرات، أو إنتاج زيوت وسكريات ذات خصائص محسنة.
مبررات التأييد:
يستند أنصار الأغذية المعدلة وراثيًا إلى فوائد عدة، منها: رفع الإنتاجية وتحقيق الأمن الغذائي العالمي – تقليل الحاجة إلى المبيدات الكيميائية الضارة – إتاحة الزراعة في بيئات قاسية (الجفاف، التملّح) – تحسين القيمة الغذائية لبعض الأطعمة، مثل “الأرز الذهبي” الغني بفيتامين أ.
مخاوف وتحفظات:
يقابل هذه الفوائد جملة من المخاوف، منها ما يتعلق بالصحة العامة فلم تُحسم بعد الآثار طويلة الأجل لتناول هذه الأغذية، خاصة على الجهاز الهضمي والمناعة والكبد.
-كذا هناك مخاوف حول البيئة: فهناك تخوف من انتقال جينات مقاومة المبيدات إلى الحشائش أو تأثير غير مقصود على كائنات نافعة.
– ومن ناحية الاقتصاد: فتثير براءات الاختراع جدلًا حول سيطرة الشركات الكبرى على البذور وحقوق المزارعين، خصوصًا في الدول النامية.
– الأخلاقيات: يعارض البعض من منطلق ديني أو أخلاقي فكرة التلاعب الوراثي في الكائنات الحية.
التباين الدولي:
تتفاوت مواقف الدول من هذه المنتجات:
– الولايات المتحدة وكندا والبرازيل تعتمدها على نطاق واسع، وتعتبرها آمنة وتخضع لرقابة FDA وUSDA.
– الاتحاد الأوروبي يتبنى نهجًا أكثر تحفظًا، ويشترط وضع علامات على المنتجات المعدلة وراثيا.
– غالبية الدول العربية والأفريقية تتبنى سياسات حذرة وتنظيمية مشددة، دون حظر مطلق.
المجتمع العلمي… ماذا يقول؟
تشير مواقف الهيئات العلمية الدولية إلى إجماع نسبي على سلامة الأغذية المعدلة وراثيًا المتداولة حاليًا:
– منظمة الصحة العالمية (WHO) تؤكد أنها خضعت لتقييمات دقيقة ولم تُظهر آثارًا سلبية تختلف عن الأغذية التقليدية.
– هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تعتبرها آمنة إذا التزمت بمعايير السلامة.
– الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا لم تسجل فرقًا في معدلات الأمراض بين الشعوب التي تستهلك الأغذية المعدلة وغيرها.
ورغم ذلك، هناك دعوات لاستمرار الرقابة والبحث، خاصة أن معظم الدراسات المتاحة قصيرة الأجل، ولم تُغطِّ التعرض المزمن مدى الحياة، ولم تشمل جميع أنواع الأغذية المعدلة.
هل هناك أدلة على الضرر؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علمية قاطعة تثبت ضررًا مباشرًا لهذه الأغذية، لكن بعض الدراسات (خصوصًا على الحيوانات) أشارت إلى آثار محتملة على الجهاز الهضمي أو الكبد أو المناعة، وإن كانت نتائجها غير متكررة أو حاسمة.
كما أن عمر هذه المنتجات في الأسواق – نحو 29 عامًا فقط – لا يُعد كافيًا للوصول إلى حكم نهائي بشأن الأمان التام.
الخلاصة:
الأغذية المعدلة وراثيًا تمثل تكنولوجيا واعدة قادرة على المساهمة في حل معضلات الغذاء، لكنها تستلزم التعامل معها بعقلانية وشفافية، عبر:
– تقوية الأبحاث المستقلة طويلة الأجل.
– وضع تشريعات صارمة لتقييم ومراقبة المنتجات.
– ضمان حق المستهلك في معرفة مصدر الغذاء عبر وسم واضح.
وبين وعود العلم وتخوف المجتمع، تبقى الحقيقة العلمية في المنتصف: لا ضرر مؤكد… ولا أمان مطلق.
الدكتور قاسم زكي
(*) أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز
شكرا للمقال العظيم لمعالي البروفيسور قاسم زكي ، والذي أعطانا الشعور بالطمأنينه لما تأكله ونشربه وهذا موضوع كبير جدا .
بارك الله في معاليكم وبالتوفيق دائما.
أجمل الأمنيات لشخصكم الكريم بدوام التقدم والنجاح الدائم