أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية (01-20)

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

السيدة غوي النكت: العدالة المناخية ليست منحة، بل حقّ إنساني وأخلاقي على الدول الصناعية

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 12 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

السيدة غوي النكت:
المدير التنفيذي لمؤسسة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال افريقيا، لبنان

ما هي أبرز الأولويات التي ستعمل غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على طرحها في مفاوضات بيليم لضمان عدالة مناخية حقيقية لمنطقتنا؟
تؤكّد غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنّ الوقت قد حان للتنفيذ ووضع العدالة المناخية في الصدارة، دفاعًا عن حق مجتمعات منطقتنا والجنوب العالمي في مواجهة أزمة لم يتسبّبوا بها. لذلك،
من هنا، تدعو غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤتمر الأطراف الثلاثين إلى:
1- وضع خطة استجابة عالمية لمعالجة فجوة الطموح المرتبطة بهدف 1.5 درجة مئوية، وتسريع خفض الانبعاثات خلال هذا العقد الحاسم، ولا سيّما في القطاعات الرئيسية مثل الطاقة – بما في ذلك التحوّل بعيدًا عن الوقود الأحفوري – والزراعة والغابات واستخدام الأراضي، وذلك بما يتماشى مع مبادئ العدالة والإنصاف والانتقال العادل.

2- إنشاء بندٍ دائمٍ جديدٍ على جدول الأعمال لدفع تنفيذ الهدف الجديد للتمويل المناخي (NCQG)، مع التركيز على زيادة التمويل العام من الدول المتقدمة وفقًا للمادة (9.1) من اتفاق باريس، وتعزيز مبدأ “الملوّث يدفع” من خلال فرض ضرائب عادلة على شركات النفط الكبرى، بما تتيح توسيع نطاق التمويل العام الموجَّه للدول النامية.

تتحدثون عن “تمويل مناخي عادل غير مسبّب للديون” — كيف يمكن ترجمة هذا المفهوم عمليًا في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الدول النامية؟
ترى غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنّ التمويل المناخي العادل وغير المسبِّب للديون هو الركيزة الأساسية لأي تقدّم حقيقي في مواجهة أزمة المناخ وتحقيق العدالة المناخية، خصوصًا في منطقتنا التي تُعدّ من بين الأكثر هشاشةً وتضرّرًا من تداعياتها، وفي ظلّ الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تواجهها العديد من دول الجنوب العالمي.

وعلى أرض الواقع، يعني ذلك أن تتحمّل الدول الصناعية في الشمال العالمي، المسؤولة تاريخيًا عن الجزء الأكبر من الانبعاثات، مسؤوليتها الأخلاقية والمالية عبر تقديم دعمٍ مباشرٍ وعادلٍ للدول النامية من دون قروض أو شروطٍ تُفاقم مديونيتها. ويجب أن يغطي هذا التمويل برامج خفض الانبعاثات والتكيّف مع آثار تغيّر المناخ المتزايدة، مثل الجفاف والتصحّر وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب تعويض الخسائر والأضرار الناتجة عن الكوارث المناخية المتكرّرة. كما يجب أن يشمل هذا التمويل التعامل مع الخسائر والأضرار الناتجة عن الكوارث المناخية المتزايدة والمتكرّرة، من خلال ضمان أن تكون آليات التمويل شفافة وعادلة، وأن تستند إلى مبدأ “الملوّث يدفع”، بما يضمن محاسبة شركات النفط الكبرى والمسبّبة الرئيسية للتلوث على مسؤوليتها المالية تجاه الأضرار التي تسبّبت بها.

كيف تنوون إيصال صوت الفئات الأكثر تأثرًا بتداعيات التغير المناخي في المنطقة، مثل المجتمعات الساحلية والريفية، إلى طاولة المفاوضات في بيليم؟
في غرينبيس، نحمل أصوات مجتمعات منطقتنا في صميم كل ما نقوم به، فهذا هو جوهر رسالتنا. نعمل مع الفئات الأكثر تأثرًا بأزمة المناخ — من مجتمعات ساحلية وريفية هشّة — عبر الاستماع إلى قصصهم وتجاربهم، وإشراكهم مباشرة في مبادراتنا، ومنحهم المساحة للتعبير عن واقعهم وطموحاتهم.
ويُترجم هذا النهج عمليًا في مؤتمرات المناخ من خلال ضمان حضور هذه الأصوات داخل غرف التفاوض نفسها. ففي مؤتمر الأطراف الثلاثين في بيليم، يضم وفد غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أربعة شباب يمثلون المجتمعات المحلية: شاب من وفد غرينبيس في المنطقة، وثلاثة ممثلين شباب عن تحالف “أمة لأجل الأرض”. ينقل هؤلاء الشباب تجارب مجتمعاتهم وتطلعاتها مباشرة إلى صانعي القرار، ويضغطون من أجل التزامات أكثر طموحًا وعدالة تعكس واقع منطقتنا، ما يسهم في تمكينهم ليصبحوا قادة التغيير المناخي في المستقبل.

في ظل غياب موقف عربي موحّد في مؤتمرات المناخ السابقة، هل تعمل غرينبيس على تنسيق جهود المجتمع المدني في المنطقة العربية لتقديم رؤية مشتركة في COP30؟
في غرينبيس، نؤمن بأن مواجهة أزمة المناخ في منطقتنا لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال رؤية مشتركة وتنسيق فعّال بين منظمات المجتمع المدني. لذلك نعمل على مدار العام على بناء جسور التعاون والتواصل المستمر مع المجتمعات المحلية والمنظمات التي تشاركنا الرؤية نفسها في مختلف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتوحيد الجهود تحت مظلّة واحدة هي تحقيق العدالة المناخية.

وفي مؤتمر الأطراف الثلاثين في بيليم على وجه الخصوص، نحمل صوت مجتمعاتنا المحلية، حيث يضم وفد غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أربعة شباب يمثلون المجتمع المدني المحلي: شاب من وفد غرينبيس في المنطقة، وثلاثة ممثلين عن تحالف “أمة لأجل الأرض”، ليشاركوا مباشرة في النقاشات ويساهمون في نقل تجارب مجتمعاتهم وتطلعاتها إلى صُنّاع القرار، ويضغطون من أجل التزامات أكثر طموحًا وعدالة. إذاً، هدفنا أن تكون أصوات الشباب والمجتمعات المحلية في صميم عملية صنع القرار والتغيير، وأن تعكس مخرجات المؤتمر تطلعات شعوب منطقتنا وواقعها المناخي الحقيقي، بعيدًا عن هيمنة مصالح الدول الكبرى أو الشركات الملوِّثة.

إلى أي مدى تتوقعون أن يستجيب المفاوضون الدوليون لمطالب العدالة المناخية التي ترفعها منظمات الجنوب العالمي، وخاصة من منطقتنا؟
في زمن تتصاعد فيه الظواهر المناخية المتطرّفة، لم يعد مقبولًا التأجيل أو الاكتفاء بالوعود خصوصًا بعد قرار محكمة العدل الدولية في 23 تموز/يوليو 2025 الذي شكّل نقطة تحوّل في مسار العدالة المناخية، إذ أكّد أن أزمة المناخ ليست قضية سياسية فحسب، بل التزام قانوني وأخلاقي يفرض على الدول خفض الانبعاثات، وتنفيذ تعهداتها، وحماية الفئات الأكثر هشاشة. هذا القرار يضع على عاتق المفاوضين في مؤتمر الأطراف الثلاثين في بيليم مسؤولية تاريخية: أن يكون هذا المؤتمر لحظة فاصلة لإعادة بناء النظام المناخي العالمي على أسس العدالة، والمساءلة، والتعويض.

في ظلّ استمرار تهرّب دول الشمال العالمي وشركات الوقود الأحفوري من تحمّل مسؤوليتها التاريخية عن الجزء الأكبر من الانبعاثات وتراكمها، لا أتوقّع سوى استجابة جزئية وغير كافية لمطالب العدالة المناخية، ما لم يتضمّن الاتفاق نصًا واضحًا يقرّ بالتخلّي المنظَّم عن الوقود الأحفوري، والتزامًا بتمويلٍ إضافي ومتوقّع يصل بسرعة وشفافية إلى المجتمعات الأكثر تضرّرًا. رسالتي للمفاوضين: لا عدالة بلا انتقال عادل يقدّم كرامة الإنسان على الأرباح، ويجعل المُلوِّثين يدفعون عبر منح لا قروض، وضرائب على الأرباح الفاحشة، ومساهمات منصفة في آلية الخسائر والأضرار. نريد قرارات تُترجَم أفعالًا الآن: التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، تمويل التحول العادل للطاقة، ودعم مجتمعات الجنوب التي تدفع ثمن أزمة لم تتسبّب بها.

قراءة بفكر السيدة غوي النكت
الحوار مع غوى النكت، المديرة التنفيذية لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعكس فكرًا بيئيًا سياسيًا ناضجًا يتمحور حول العدالة المناخية والانتقال العادل من منظور إنساني وجنوبي. يمكن تلخيص القراءة التحليلية في المحاور التالية:
من “الالتزامات” إلى العدالة والتنفيذ: تركّز غرينبيس على أن مؤتمر بيليم (COP30) يجب أن يكون نقطة التحوّل من التعهدات إلى الفعل، داعية إلى خطة عالمية لخفض الانبعاثات وتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية، مقرونة بتمويل عادل وغير مسبب للديون. حيث تطالب بتفعيل مبدأ “الملوّث يدفع” لتمويل الدول النامية وتعويض خسائرها، مع فرض ضرائب على شركات النفط الكبرى. الرسالة الجوهرية: العدالة المناخية ليست منحة، بل حقّ إنساني وأخلاقي على الدول الصناعية.

تمويل مناخي منصف لا يُثقل الدول الفقيرة: تؤكد النكت أن التمويل العادل يجب أن يكون منحًا لا قروضًا، موجّهًا لدعم التكيف، الزراعة المستدامة، ومواجهة الجفاف والتصحر. ترى أن الحل يكمن في نظام تمويلي شفاف يضمن المساءلة، ويُحمّل الشركات الكبرى نصيبها من المسؤولية التاريخية.

تمكين المجتمعات المحلية والشباب: تعطي غرينبيس أولوية لإيصال أصوات المتأثرين مباشرة من الأزمة — الصيادين، المزارعين، وسكان السواحل — إلى غرف المفاوضات، من خلال إشراك شباب من المنطقة في وفدها الرسمي.
هذا يعكس رؤية ديمقراطية للتمثيل المناخي، حيث المتأثرون يصبحون متحدثين باسم أنفسهم.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *