سلسلة “خواطر وراثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (07)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 11 نوفمبر 2025
في تاريخ العلم، لا تسكن العظمة وحدها في أسماء العلماء، بل تسكن معها هشاشة الإنسان، حدوده، أهواؤه، وانكساراته الأخلاقية. قليل من الاكتشافات غيّرت مسار المعرفة الإنسانية كما فعل اكتشاف البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي (DNA)؛ ذلك الخيط الدقيق الذي يحمل سرّ الحياة، ويشكّل هوية الكائنات عبر الزمن. وفي قلب هذا الإنجاز كان يقف اسم “جيمس واتسن”(James Dewey Watson ؛ 6 أبريل 1928م-6 نوفمبر 2025م): العالم الشاب الذي خطّ اسمه مبكرًا في سجل الخالدين. غير أن التاريخ، الذي منحه المجد، عاد ليفتح ملفه من جديد، لا ليشيد وحده، بل ليحاسب أيضًا.
فخلف الإنجاز المدوّي تقف امرأة صامتة، كانت رسوماتها وصورها هي المفتاح الذي قاد إلى سرّ الحياة: “روزاليند فرانكلين”( Rosalind Elsie Franklin ،25 يوليو 1920م – 16 إبريل 1958م ). لم يُكتب اسمها على ورقة الاكتشاف، ولم يكن لها نصيب من جائزة نوبل، لا لأن إسهامها كان أقل، بل لأن زمنها كان يرفض أن تمنح امرأة حقّها. ومع مرور العقود، لم يتوقف واتسن عند إقصائه لرفيقة الاكتشاف، بل انزلق إلى تصريحات عنصرية وتمييزية هزّت صورته العلمية، وجعلت اسمه مثالًا لحقيقة مُرّة:
ليس كل من يكشف سرّ الحياة، قادرًا على أن يحترم قيمة الإنسان.
هذا المقال لا يروي سيرة عالم فقط، بل يعيد كتابة ميزان الأخلاق في العلم: مجدٌ علمي تألق، ثم خفت، لأن من حمله أخطأ حين تصوّر أن المعرفة تخوّله احتقار الآخرين.

لم يكن اسم جيمس ديوي واتسن مجرد اسم عابر في تاريخ العلوم، بل كان أحد أكثر الأسماء ارتباطًا بأحد أعظم الاكتشافات في القرن العشرين: اكتشاف بنية جزيء الحمض النووي (DNA) في شكل الحلزون المزدوج الذي كشف سرّ الحياة، وفتح الباب أمام الثورة الوراثية الحديثة. وقد حصل واتسن على جائزة نوبل عام 1962م عن هذا الاكتشاف، مُشاركًا فرانسيس كريك ( Francis Crick ؛ 8 يوليو 1916م-28 يوليو 2004م)، وموريس ويلكنز (Maurice Wilkins، 15 ديسمبر 1916م -, 5 أكتوبر 2004م). غير أن هذه القصة – التي تُقدَّم عادةً كنموذج للعبقرية العلمية – ليست كاملة ولا نقية. بل تحمل بين سطورها ظلالًا من الإقصاء، والتجاهل المتعمد، والانحيازيات الأخلاقية والسلوكية التي لاحقت واتسن حتى نهاية حياته.
توفي واتسن (6 نوفمبر 2025م) عن عمر ناهز 97 عامًا، تاركًا إرثًا علميًّا ضخمًا، لكنه ترك أيضًا إرثًا من الجدل بسبب مواقفه وتصريحاته التي عُدّت عنصرية وتمييزية، ليس فقط تجاه الأعراق المختلفة، بل تجاه النساء والعلماء الذين شاركوه طريق البحث ذاته.
البداية: شاب يقترب من سرّ الحياة
في أوائل خمسينيات القرن العشرين، كان العلم يقف أمام سؤال عظيم: كيف تُخزَّن المعلومات الوراثية وكيف تنتقل عبر الأجيال؟
كان العلماء يعلمون أن الـ DNA يحمل الشفرة الوراثية، لكن شكل هذا الجزيء وطريقة عمله ظلّا لغزًا. هنا انطلق واتسن، الشاب الطموح صاحب الذكاء المتقد، برفقة زميله فرانسيس كريك، في محاولة فك هذا اللغز. وفي عام 1953م نُشرت الورقة العلمية الشهيرة في مجلة Nature التي أعلنت للعالم عن بنية الحلزون المزدوج. وقد تغيّرت البيولوجيا بعدها إلى الأبد.
غير أن هذا الإنجاز العظيم لم يكن اكتشافًا نقيًا بالكامل. فقد اعتمد واتسن وكريك على بيانات لم تكن ملكًا لهما، بل كانت ثمرة عمل العالمة البريطانية روزاليند فرانكلين التي التقطت الصورة الشهيرة بالأشعة السينية Photo 51، والتي كانت المفتاح الحقيقي لفك اللغز. لكن الصورة أُخذت دون معرفتها ودون موافقتها، واستُخدمت دون نسب الفضل إليها كما ينبغي.
ومع وفاة العالم الكبير ذي الآراء التي ظلت مثيرة للجدل في الفترة الأخيرة من عمره، فتح الباب للعديد من التساؤلات التي تناولتها صحف كبيرة حول العالم، إضافة لنوادي العلوم.. واعتمد واتسون وشريكه كريك على صور الأشعة السينية التي التقطتها الباحثة روزاليند فرانكلين من كلية كينغز دون علمها، لبناء نموذجهما الفيزيائي للجزيء، ليبرز أحد أهم التساؤلات: هل سرق واتسون وكريك إنجاز العالمة روزاليند فرانكلين ليحصلا على جائزة نوبل؟ للقصة خلفيات وللاتهام حكاية نرويها.

الصورة رقم 51 وخلفية اكتشاف شفرة الحياة:
في أبريل 1953م، نشرت مجلة “Nature” ثلاث مقالات مهمة عن بنية الحمض النووي، المادة التي تحمل الشفرة الوراثية لكل الكائنات الحية. المقالة الأولى كانت نظرية بحتة كتبها واتسون وكريك من جامعة كامبريدج، بينما المقالتان التاليتان كانتا غنيتين بالبيانات، كتبها فريق من جامعة كينغز كوليدج لندن، مقال بواسطة موريس ويلكينز وزملائه، ومقال آخر بواسطة روزاليند فرانكلين وطالب الدكتوراه راي غوسلينج.
نموذج كامبريدج لم يكتفِ بوصف الحمض النووي على أنه لولب مزدوج، بل قدم تفاصيل دقيقة تعتمد على قياسات الزوايا بين الروابط الكيميائية المختلفة، مدعومة بحسابات رياضية معقدة، وتفسيرا اعتمده كريك من دراسته لنيلوس الهيموغلوبين أثناء الدكتوراه. وهنا تبدأ الشائعات المتعلقة بسرقة البيانات، فمصدر هذه القياسات كان مفتاح النموذج، وفق تقرير نشرته صحيفة “الغارديان ” البريطانية.
الشخصيات الأربع يمكن أن تكون جزءًا من رواية شيقة. واتسون كان شابا مغامرا وفضوليا، يسعى بشغف لكشف سر الحمض النووي، وكريك كان عبقريا ذا ذهن متنوع، بينما ويلكينز كان خجولا وهادئا. أما فرانكلين، خبيرة البلورات بالأشعة السينية، فقد انضمت إلى كينغز في أواخر 1950م، وكان من المفترض أن تعمل مع ويلكينز، لكن مدير المجموعة، جون راندال، أراد أن تكون مستقلة.
منذ البداية، لم يكن هناك انسجام بين فرانكلين وويلكينز. كان ويلكينز هادئا ويتجنب الجدال، بينما كانت فرانكلين حازمة وتزدهر في النقاش الفكري، مما أثار توترا دائما. وفقا لصديقتها نورما ساذرلاند: “أسلوبها صريح أحيانا ويثير عداء بعض من تتحدث معهم، لكنها لم تكن تهتم لذلك”.
في 1952م، كانت المحاولة الأولى لواتسون وكريك لفهم الحمض النووي كارثية، إذ اقترحوا نموذجا ثلاثي الخيوط مقلوبا، ورفضته فرانكلين على الفور. وبعد اعتراضات من فريق كينغز على تدخل كامبريدج في عملهم، أوقف سير لورانس براغ، رئيس مختبرهما، عمل واتسون وكريك مؤقتا على الحمض النووي.
لكن في بداية 1953م، عندما أبدى المنافس الأمريكي لينوس باولينغ اهتماما بالحمض النووي، أعاد براغ واتسون وكريك للعمل على المشكلة. في يناير 1953م، زار واتسون مختبر كينغز، حيث أراه ويلكينز صورة الأشعة السينية الشهيرة “Photo 51”، التي كانت واضحة ودقيقة بشكل غير مسبوق. هذه الصورة، التي التقطها راي غوسلينج أثناء عمله مع فرانكلين، قدمت معلومات حيوية حول شكل اللولب المزدوج، لكنها لم تكشف كل التفاصيل الكيميائية الدقيقة للحمض النووي.
ما قدمته فرانكلين من بيانات في تقرير غير رسمي، نُقل لاحقًا إلى كامبريدج عبر ماكس بيرتز، كان أساسا لحسابات كريك الدقيقة. هذه البيانات لم تكن سرية، ولم يسرق واتسون وكريك شيئا، لكنهما لم يستأذنا فرانكلين قبل تفسير البيانات.
صدفة أن البيانات التي جمعتها فرانكلين كانت متوافقة تماما مع ما كان يدرسه كريك في هيموغلوبين الحصان، مما مكنه من إدراك أن الحمض النووي يتكون من سلسلتين مكملتين، وهو أمر أساسي لفهم طريقة النسخ. بينما كان واتسون وكريك يواصلان العمل في كامبريدج، كانت فرانكلين تُكمل مشروعها بمعزل، وقد أظهرت قدرات مذهلة في تفسير نتائج الرياضيات المعقدة باستخدام أدوات بسيطة مثل المسطرة والقلم، حتى اكتشفت في فبراير 1953م اللولب المزدوج وأن القواعد تتكامل بطريقة تمكّن الجزيء من النسخ.
على الرغم من هذا، لم تتمكن فرانكلين من تطوير نموذج كيميائي دقيق كما فعل واتسون وكريك، اللذان ترجما الاكتشاف إلى نموذج مكاني وجزيئي يمكن عرضه ونشره. في مارس 1953م، تمت دعوة فرانكلين وويلكينز لمشاهدة نموذج كامبريدج، ووافقا على صحته، وتم نشره تحت اسم واتسون وكريك، بينما نُشرت بيانات فرانكلين بشكل منفصل. فرانكلين لم تحضر حفل النشر لأنها كانت قد انتقلت إلى مختبر بيركبيك وركزت على مشاريع أخرى.
أي أن البيانات التي جمعتها روزاليند فرانكلين لم تُسرق بالمعنى القانوني أو الرسمي، لكنها وصلت إلى واتسون وكريك عن طريق شخص ثالث (ماكس بيرتز) دون أن يطلبوا إذنها لاستخدامها. وهكذا، استخدموا معلوماتها لبناء نموذج الحمض النووي. الأمر أثار اتهامات بأنهم أخذوا عملها دون تقدير كامل لمساهمتها.
روزاليند فرانكلين… المرأة التي حُجِب نورها
لم تكن روزاليند عالمةً عادية، بل كانت من أبرز مختصي البلورات بالأشعة السينية في عصرها. كانت دقيقة، حادة، ومنهجية، وتملك من الصبر والصلابة العلمية ما يؤهلها لتكون قائدة في مجالها. ولكن لأنها امرأة في عصر يهيمن عليه الرجال، ولأنها كانت مستقلة وقوية الفكر، فقد أُقصيت وجرى تهميشها.
كيف استغل واتسن اكتشافاتها؟
• لم يكن واتسن قادرًا على تفسير شكل الحمض النووي.
• الصورة التي التقطتها فرانكلين كانت هي الدليل الفصل.
• مُررت الصورة إلى واتسن وكريك عبر طريق غير أخلاقي.
• وعند إعلان الاكتشاف، لم تُذكر فرانكلين تقريبًا.
وبينما نال واتسن وكريك وويلكنز نوبل عام 1962م، كانت فرانكلين قد رحلت عام 1958م بسرطان يُرجَّح أنه مرتبط بالتعرض الكثيف للأشعة أثناء عملها. ولم تحصل على الاعتراف الذي تستحقه إلا بعد موتها بسنوات طويلة.
وقد أعاد مؤرخون وعلماء مثل “ماثيو كوب” و”ناثانيال كومفورت” التأكيد مؤخرًا على أن فرانكلين لم تفشل في فهم شكل الـDNA كما ادعى واتسن بل كانت مساهمتها أساسية تمامًا.
من قمة المجد إلى القاع الأخلاقي
بعد اكتشاف الحمض النووي، واصل واتسن مسيرته، وأصبح شخصية مؤثرة في البيولوجيا الجزيئية. وساهم في تأسيس مشروع الجينوم البشري، بل وأدار مختبر “كولد سبرينغ هاربر” (Cold Spring Harbor Laboratory) الذي تحوّل على يده إلى مركز عالمي للأبحاث.
لكن في المقابل، بدأت مشكلات واتسن الأخلاقية والفكرية في الظهور تدريجيًا.
مواقفه تجاه المرأة
في شبابه دعم بعض العالمات، ولكن لاحقًا صرّح بأن النساء “لا يمكن أن يكنَّ مبدعات على مستوى رفيع”، وهو قول يناقض دوره السابق، ويكشف تحوّلًا فكريًا نحو التمييز العنصري والجندري.
عنصريته تجاه الأعراق
الأخطر كان تصريحاته المتكررة بأن:
“الذكاء الوراثي للسود أقل من البيض.”
هذا التصريح لم يكن فقط علميًا غير صحيح، بل قائم على عنصرية بيولوجية مرفوضة أثبتت الجينات البشرية نفسها بطلانها. وقد أدت هذه التصريحات إلى:
• قطع مختبر “كولد سبرينغ” علاقاته به.
• سحب كل مظاهر التكريم منه.
• اضطراره لبيع ميدالية نوبل لتغطية نفقاته الشخصية.
لماذا سقط واتسن؟ تحليل ظاهرة “العبقري الذي ضِلّ طريقه”
يرى بعض الذين عرفوا واتسن أن مشكلته الكبرى أنه:
1. حقق إنجازه الأعظم في سن مبكرة جدًا (25 عامًا).
2. وبعد ذلك بدأ يعتقد أن حدسه يعلو على العلم نفسه.
3. فتراجع انضباطه العلمي، بينما تضخم غروره الشخصي.
لقد كان واتسن مثالًا حيًا على مأساة قد تقع لبعض العلماء: أن يتحوّل العلم من منهج للبحث إلى وسيلة لتبرير الأفكار المسبقة.
الخلاصة: كيف نتذكر واتسن؟
لا يمكن إنكار أن جيمس واتسن ساهم في تغيير مسار العلم، وأن اكتشافه مع كريك للحمض النووي كان أحد أهم التحولات في تاريخ البشرية. لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل:
• إقصاؤه لروزاليند فرانكلين.
• تصريحاته العنصرية والتمييزية.
• تحوّله من رمز للعلم إلى نموذج للغرور العلمي غير المنضبط.
إن إرث واتسن مختلط: علميًّا: عبقرية لا جدال فيها. أخلاقيًّا: درس تحذيري في كيف يمكن للعلماء أن يسقطوا إذا فقدوا الإنسان في داخلهم.
وليس غريبًا، بعد كل ما مرّ من شواهد التاريخ، أن نقول إنّ العلم وحده لا يكفي ما لم يُسنِده خلقٌ قويم. فالأمم لا تُبنى بإنجازات العقول فحسب، بل تُقام أيضًا على سموّ الضمائر ورفعة القيم. وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
***
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز