ثورة الجينات الخضراء: مؤتمر البيولوجيا الجزيئية النباتية والوراثة يُطلق ثورة في استدامة الزراعة
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 11 نوفمبر 2025
في عالم تترنح فيه موازين الطبيعة، وتتزايد فيه التحديات المناخية والبيئية لتلقي بظلالها الثقيلة على الأمن الغذائي العالمي، لم يعد البحث العلمي ترفاً أكاديمياً، بل أصبح خط الدفاع الأول ومفتاح النجاة الوحيد. ومن بين منارات العلم التي استشعرت حجم المسؤولية، تقف جامعة القاهرة بشموخ، لتُطلق صافرة البدء في سباق مع الزمن نحو استدامة الزراعة. لقد كان المؤتمر الدولي للبيولوجيا الجزيئية النباتية والوراثة الذي احتضنته كلية الزراعة، بجامعة القاهرة، بتعاون دولي مرموق، بمثابة نقطة تحول حاسمة؛ فالمؤتمر لم يكتفِ برصد التحديات، بل شرع في تفكيك “الشفرة الوراثية للنبات”، مستخدماً أحدث أدوات التكنولوجيا الحيوية وعلوم “الأوميكس”، ليُسخّر أسرار الخلية النباتية في خدمة الفلاح والمستهلك. إن هذا التجمع العلمي الاستثنائي، الذي ضم نخبة من قادة الفكر الزراعي والجينومي من مختلف قارات العالم، لم يكن سوى تجسيد عملي لالتزام مصر بـناء جسور التواصل العلمي، ووضع حجر الأساس لـ”ثورة جينية خضراء” تهدف إلى تطوير محاصيل تتحدى الجفاف والملوحة وتضمن الغذاء الكافي والآمن لأمة تمتد من الخليج إلى المحيط.
دعوة نوبل
شهدت فعاليات اليوم الأول (3 نوفمبر 2025) حفل افتتاح رفيع المستوى، جسد عمق الشراكة الدولية والأكاديمية التي قامت عليها هذه الفعالية. ترأس الحفل كل من الأستاذة الدكتورة نجلاء عبد الله والدكتور حلمي يوسف (منسقي المؤتمر)، بحضور شخصيات قيادية بارزة. وأكد رئيس جامعة القاهرة في كلمته أن تنظيم المؤتمر يعكس التوجه الاستراتيجي للجامعة نحو تعزيز دور البحث العلمي والانفتاح على المدارس البحثية العالمية، مشدداً على أن الجامعة تضع البحث العلمي في مقدمة أولوياتها، وتعمل على دعم الاتجاهات البحثية المتقدمة لخدمة الأمن الغذائي واستدامة الزراعة.
وفي جلسة عامة ملهمة، استعرض الأستاذ الدكتور ماتس هانسون من جامعة لوند السويدية أهمية التعاون الدولي كـ “خطوات نحو جائزة نوبل”، مما يؤكد أن المؤتمر يهدف إلى رفع مستوى البحث العلمي إلى المعايير العالمية. كما تم تخصيص جلسة تفصيلية لعرض “برامج وتمويل الهيئة الألمانية للتبادل العلمي”، بهدف توجيه الباحثين المصريين للاستفادة من الفرص العالمية وتمويل الأبحاث المشتركة.
خارطة طريق لعلوم النباتات الحديثة
ركز المؤتمر على مجموعة من المحاور العلمية بالغة الأهمية، التي تُمثل العصب الحقيقي للزراعة المستقبلية، وركزت الجلسات العلمية على سبعة محاور رئيسية، تمثل الأركان الأساسية لثورة البيولوجيا الجزيئية النباتية الحديثة:
1. التقنيات الجديدة في التكنولوجيا الحيوية النباتية:
تركزت الجلسة حول توظيف التكنولوجيا الحديثة لزيادة الإنتاجية. قدمت الأستاذة الدكتورة نجلاء عبد الله محاضرة حول “الابتكار في التكنولوجيا الحيوية الزراعية لزيادة الإنتاجية والجودة”. كما قدم الدكتور حلمي يوسف بحثاً حول “اكتشاف وتوصيف جزيئي لمواقع/جينات جديدة للتحكم في تحمل الملوحة في مراحل نمو الشعير”.
2. الجوانب الوراثية لتحمل الإجهادات الحيوية وغير الحيوية:
شكلت هذه الجلسة العمود الفقري للمؤتمر، وناقشت قدرة النباتات على الصمود أمام الظروف القاسية:
ناقشت الأستاذة الدكتورة جوتا بابنبروك التقدم في تطوير “أصناف المحاصيل المتحملة للملوحة: التقدم في جنس الساليكورنيا”، وهو نبات واعد يتحمل ظروف الملوحة العالية. واستعرض الدكتور أوليفييه فان آكين الآليات الجزيئية “لإشارات اللمس” في النباتات، وإمكانياتها لتحسين مرونة (Resilience) الحبوب. وقدمت الأستاذة الدكتورة هبة عبيد رؤى حول الجينوميات في تحليل “أيض الثريونين ألديز أثناء امتلاء الحبوب تحت إجهاد الجفاف”.
3. تطبيقات التكنولوجيا الحيوية النباتية:
شهد اليوم الثاني (4 نوفمبر 2025) تركيزاً على الأدوات الدقيقة، وشرح الأستاذ الدكتور جوتز هينسل الطفرات الدقيقة في المحاصيل للجينوميات الوظيفية وتعزيز السمات الزراعية. وقدمت الأستاذة الدكتورة نجلاء عبد الله بحثاً حول “تطوير حمص متحمل للجفاف باستخدام تحرير الجينات لإحداث طفرة في جينات Sal1 وEra1. كما تم تسليط الضوء على استخدام التقنيات الحديثة لتحليل العوامل السلبية التي تؤثر على محصول السمسم في محاضرة الدكتور محمد توفيق. كما استعرض المؤتمر التقنيات الحديثة في التكنولوجيا الحيوية: مثل تقنية كريسبر-كاس9 (CRISPR-Cas9) لتحرير الجينات بدقة متناهية، والتي تُعتبر طفرة في تحسين المحاصيل.
4. دراسة الأنماط الظاهرية النباتية:
استخدام تقنيات التصوير والرصد المتقدمة لقياس خصائص النباتات بشكل دقيق وسريع، مما يُسرع من عملية استنباط الأصناف الجديدة (Plant Breeding). وهنا التقى علم الوراثة بعلم البيانات. تُعد دراسة الأنماط الظاهرية النباتية (Plant Phenomics) (أي: الدراسة المنهجية للسمات الظاهرية للنباتات) الأداة الأسرع في برامج تربية النباتات. عرض الدكتور فيليبو باسي من إيكاردا نتائج “تربية القمح القاسي الجينومية في المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة لتعزيز المكاسب الوراثية للزراعة في الأراضي الجافة”. وتناول الأستاذ الدكتور أحمد سلام “تحديد الجينات المرشحة لتعزيز تحمل القمح لماء البحر في مراحل النمو المبكرة”.
5. علوم الأوميكس النباتية:
ناقشت هذه الجلسة التقنيات المتقدمة في الجينوم وعلوم الأوميكس النباتية (Plant Omics Sciences) مثل استخدام علوم الجينوميات (Genomics)، والبروتيوميات (Proteomics)، والميتابولوميات (Metabolomics) لفهم الآليات الجزيئية المعقدة لنمو النباتات وتكيفها على مستوى الحمض النووي (DNA) والبروتينات والجزيئات الأيضية، وقدمت الدكتورة رشا التراونة تحليلاً حول “تعزيز الأليلات البرية لتحمل الملوحة خلال إنبات ونمو بادرات الشعير”.وعرضت آلاء يوسف صلاح نتائج “تحليل الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS) للكشف عن مواقع وراثية جديدة وتركيبات مقاومة لصدأ الساق في قمح الخبز بمركز إيكاردا”.
6. التوجهات المبتكرة والسياسات:
تجاوز المؤتمر الجانب العلمي للتعمق في الأطر التنظيمية والتطبيقية: ناقش البروفيسور أوليكان أكينبو الإصدار التجاري للمحاصيل المعدلة وراثياً والمحررة جينياً”، وهي نقطة حاسمة لتحويل البحث إلى منتج تجاري. وتطرق الدكتور لؤي السيد زونكل إلى “الإطار القانوني للأمان الحيوي”، وهو ضروري لضمان الاستخدام الآمن والمقبول للمحاصيل المعدلة وراثياً في المنطقة.
7. الميكروبيوم النباتي:
اختتمت الجلسات العلمية بتركيز متزايد على دور الكائنات الدقيقة في صحة النبات، حيث ناقش الأستاذ الدكتور علاء الدين حماوية “تقنية الميكروبيوم النباتي للزراعة المستدامة”، بينما عرض كل من الدكتور خالد رضوان والدكتورة نورهان فؤاد تحليل الميتاجينوم (Metagenomic analysis) لتأثير الجفاف والملوحة على مجتمعات الكائنات الدقيقة في منطقة الجذور (الريزوسفير – Rhizosphere) للقمح المصري.
حضور دولي نوعي وتبادل الخبرات والتجارب
حقق المؤتمر نجاحًا كبيرًا من حيث مستوى الحضور والمشاركة. فقد شهدت الجلسات العلمية حضورًا دوليًا واسعًا من باحثين وأساتذة من جامعات ومعاهد بحثية رائدة عالمياً، مما يجعله محطة مهمة لتبادل التجارب البحثية الناجحة وشهد المؤتمر حضوراً من مؤسسات عالمية مرموقة تشمل جامعة لوند، وجامعة لايبنتز هانوفر، وجامعة هاينريش هاينه دوسلدورف، بالإضافة إلى مراكز إقليمية ودولية متخصصة مثل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA)، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST)، والوكالة الإنمائية للاتحاد الأفريقي. هذا التفاعل الدولي يُتيح للباحثين المصريين فرصة الاطلاع المباشر على أحدث المدارس البحثية وتبادل المعرفة والتخطيط لمشاريع بحثية مشتركة. وأكد العميد حرص الكلية على أن تكون “مركزًا للابتكار والبحث العلمي المتقدم” بما يخدم أولويات الدولة في الأمن الغذائي.
وإدراكًا لأهمية الاستثمار في الجيل القادم، تضمن المؤتمر تنظيم مسابقة الملصق العلمي. وشارك في المسابقة عدد كبير من شباب الباحثين وطلاب الدراسات العليا، بهدف تشجيعهم على عرض نتائج أبحاثهم المبتكرة في المجالات التطبيقية الحديثة، مما يُرسخ ثقافة الابتكار العلمي.
نحو الزراعة المستدامة: توصيات المؤتمر للعمل المستقبلي
بناءً على النقاشات العلمية المعمقة والخبرات الدولية التي تجمعت في المؤتمر، يوصي المؤتمر بتفعيل الإجراءات التالية لضمان تحويل نتائج الأبحاث المتقدمة إلى واقع تنموي ملموس:
1. إنشاء تحالفات بحثية إقليمية:
التوصية: تأسيس “شبكة عربية للبيولوجيا الجزيئية النباتية”، بالتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث في المنطقة العربية، لتنفيذ برامج مشتركة لتربية النباتات (Plant Breeding) تركز على المحاصيل الاستراتيجية (كالقمح والأرز والبقوليات) المقاومة للجفاف والملوحة.
الهدف: توحيد الجهود والموارد وتسريع تبادل الأصول الوراثية المحسنة.
2. الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية:
التوصية: دعم وتمويل إنشاء وتطوير وحدات الظاهراتية النباتية (Phenomics Facilities) ومختبرات الأوميكس (Omics Labs) المتكاملة في كليات الزراعة، وتزويدها بأحدث أجهزة التسلسل الجيني (Sequencing) وأدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات البيولوجية الضخمة (Big Data).
الهدف: تقليص الفترة الزمنية اللازمة لاستنباط أصناف نباتية جديدة من سنوات إلى أشهر.
3. توطين تقنيات تحرير الجينات (CRISPR-Cas9):
التوصية: إطلاق برامج تدريبية متخصصة ومكثفة لشباب الباحثين على تطبيق تقنيات كريسبر-كاس9 وغيرها من أدوات التكنولوجيا الحيوية الحديثة، مع وضع أطر تشريعية وتنظيمية واضحة ومُيسرة لاستخدام هذه التقنيات.
الهدف: تمكين العلماء المصريين والعرب من قيادة الجيل القادم من “المحاصيل المحسنة جينياً”.
4. توجيه الأبحاث نحو “الاستدامة المائية”:
التوصية: تخصيص منح وتمويلات بحثية للتركيز على الجينات والآليات الجزيئية المسؤولة عن كفاءة استخدام المياه (Water Use Efficiency – WUE) في النباتات، بهدف تطوير محاصيل تستهلك كميات أقل من المياه دون المساس بإنتاجيتها.
الهدف: دعم جهود الدولة في ترشيد استخدام الموارد المائية الثمينة.
5. تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص:
التوصية: خلق آليات فعالة ومحفزات مالية وتشريعية لتشجيع القطاع الخاص (شركات البذور والتقاوي والتكنولوجيا الزراعية) على الاستثمار في نتائج الأبحاث المتقدمة، وتحويلها إلى منتجات تجارية تصل إلى المزارع.
الهدف: سد الفجوة بين المعمل والحقل وتحقيق العائد الاقتصادي من البحث العلمي.
استثمار في العقول.. ضمان للغذاء
لقد أثبت المؤتمر الدولي للبيولوجيا الجزيئية النباتية والوراثة أن العلوم الأساسية، وبالتحديد البيولوجيا الجزيئية، هي حجر الزاوية الذي يُبنى عليه مستقبل الأمن الغذائي. فمن خلال فهم أدق وأعمق لشفرة حياة النبات على المستوى الجيني والجزيئي، يُصبح العلماء قادرين على تصميم نباتات أكثر كفاءة في استخدام الماء والمغذيات، وأكثر قدرة على مقاومة التغيرات المناخية. إن التركيز على الأبحاث التطبيقية والشراكة مع المؤسسات العالمية، كما حدث في هذا المؤتمر، هو الطريق الأمثل لتقليص الفجوة بين البحث العلمي واحتياجات السوق والتنمية الزراعية.
في الختام، يُمكن القول إن المؤتمر الدولي للبيولوجيا الجزيئية النباتية والوراثة قد نجح بجدارة في تحقيق أهدافه على مستويين متوازيين: علمي وتطبيقي. فعلى الصعيد العلمي، شكّل المؤتمر منصة عالمية لتبادل أحدث المعارف والتقنيات في مجالات تحرير الجينات (Gene Editing)، وعلم الأنماط الظاهرية النباتية (Phenomics)، ووراثة الإجهادات (Stress Genetics)، مما يُثري قاعدة البيانات البحثية المصرية والإقليمية. وعلى الصعيد التطبيقي، رسخ المؤتمر قناعة راسخة بأن مفتاح مواجهة ندرة المياه وتقلبات المناخ يكمن في تطوير أصناف نباتية ذكية وفعالة، تستجيب لتحديات البيئة العربية. إن التصريحات والتوجهات التي أكدها كل من رئيس جامعة القاهرة وعميد كلية الزراعة بضرورة “الانفتاح على المدارس العالمية” وجعل الكلية “مركزاً للابتكار”، تُشير إلى التزام مؤسسي قوي بتحويل نتائج الأبحاث الجزيئية المعقدة إلى حلول زراعية بسيطة ومستدامة يستفيد منها المزارع في حقله. ومن هنا، يغدو هذا المؤتمر ليس نهاية لفعالية أكاديمية، بل هو نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العمل العلمي المشترك والموجه نحو الهدف الأسمى: تحقيق الاكتفاء الذاتي الزراعي والمساهمة الفعالة في صياغة مستقبل غذائي أكثر أمناً ومرونة للأمة العربية جمعاء.
هاشتاجات:
#الأمن_الغذائي – #الزراعة_المستدامة – #البحث_العلمي – #التكنولوجيا_الحيوية – #جامعة_القاهرة – #البيولوجيا_الجزيئية – #علم_الوراثة_النباتية – #علوم_الأوميكس – #تحرير_الجينات – #مقاومة_الجفاف – #تحمل_الملوحة – #التغير_المناخي – #علوم_بيئية – #الوعي_البيئي – #علوم_البيئة – #موقع_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.
***
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز