أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية (02-20)

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

الدكتور محمد سيف الكواري:
الاستدامة ليست وثيقة تفاوضية، بل قدرة بشرية على إدارة الموارد بعدالة ومسؤولية

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 12 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.

في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.

تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

الدكتور محمد سيف الكواري:
الخبير البيئي والمستشار الهندسي بوزارة البيئة والتغير المناخي بدولة قطر

ما أبرز الرهانات العالمية المطروحة أمام مؤتمر COP30 بالبرازيل، وهل يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل بعد مرور عقد على اتفاق باريس؟
أبرز الرهانات المطروحة أمام مؤتمر COP30 بالبرازيل هي: التمويل المناخي عبر سدّ فجوات تمويل التكيّف ووضع آليات عملية لتدفق الأموال إلى البلدان الضعيفة. هذا رهين بتحرّك دول غنية وبتعهدات واضحة. وحماية الغابات والطبيعة: كون المؤتمر في حوض الأمازون يرفع سقف التوقعات حول التزامات ملموسة لحماية (الأنظمة البيئية) والحد من إزالة الغابات.

وهل يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل بعد مرور عقد على اتفاق باريس؟
نظريًا نعم، لأنّ COP30 يجتمع بعد عشر سنوات من باريس والمكان (الأمازون) يضغط سياسياً ورمزياً نحو إجراءات حماية الطبيعة، لكن تحقيق «نقطة تحوّل» عملية يعتمد على 3 محاور: المحور الأول: مستوى الطموح في تحديث الـNDCs. والمحور الثاني: أدوات التنفيذ والتمويل. والمحور الثالث: آليات المساءلة

كيف يمكن لموقع المؤتمر في غابات الأمازون أن يُترجم إلى التزامات واقعية لحماية الغابات والتنوع البيولوجي؟
أولاً بإطلاق أو توسيع آليات تمويل مخصّصة للغابات (مثال: Amazon Fund / آليات REDD+) — نموذج صندوق أمازون هو مثال على آلية تمويل مخصصة لخفض إزالة الغابات عبر منح لدعم مشاريع محلية. يمكن تفعيل آليات مماثلة بآليات مساءلة شفافة لدعم المجتمعات المحلية. ثانياً بعقد اتفاقات دولية وإقليمية لوقف إزالة الغابات المرتبطة بالسلع. وثالثاً بتمكين السكان الأصليين والمجتمعات المحلية وحمايتهم قانونياً.

ما الذي يُنتظر من الدول النامية، خصوصًا في المنطقة العربية، لتعزيز مساهماتها الوطنية في العمل المناخي؟
مكامن التركيز والالتزامات المنتظرة: أولاً الشفافية والبيانات: تحسين بيانات الانبعاثات، مؤشرات التكيّف وفجوات التمكّن. هذا يسهل الوصول للتمويل الدولي. ثم التركيز على التكيّف (adaptation) والقطاعات الحسّاسة: المنطقة العربية معرضة للجفاف وندرة المياه؛ لذا يجب أن تكون الخطط الوطنية وميزانياتها مركّزة على الزراعة المستدامة، وتقنيات الحفاظ على المياه، والزراعة المناخية الذكية. مع الاستفادة من آليات التمويل المبتكرة: الضمانات، أدوات الخسارة والأضرار، الشراكات العامة-الخاصة، الصناديق الإقليمية. دول عربية بإمكانها أيضاً التعاون الإقليمي لتجميع مشاريع قابلة للاستثمار.

هل يمكن لـ COP30 أن يحقق اختراقًا حقيقيًا في ملف التمويل المناخي لصالح الفئات والمجتمعات الأكثر تضررًا؟ وكيف؟
نعم ممكن، لكن يعتمد على ثلاثة عناصر هي: أولاً تعهدات مالية ملموسة من دول متقدمة. وثانياً آليات توزيع شفافة تفضّل التكيّف والخسائر والأضرار. وثالثاً بنى مؤسسية محلية قادرة على امتصاص الموارد. تقارير Adaptation Gap تُبيّن فجوة ضخمة في تمويل التكيّف (مئات المليارات سنوياً)؛ لذا الاتفاق على أرقام وآليات تنفيذية هو شرط أساسي.

كيف يمكن أن يحصل الاختراق عمليًا؟
عبر إطلاق طريق تمويل واضح، مع التزامات قطعية من بنوك تنموية ومؤسسات مالية دولية لتوجيه الاستثمارات حتى 2035. وإنشاء نافذة مخصّصة للـLoss & Damage تُدار بشكل مستقل ومتوافق مع مبادئ العدالة، مع مسارات مباشرة للمنح للمجتمعات المتأثرة. الى جانب ربط التمويل بنتائج (results-based finance) خاصة لحماية الغابات ودعم سلاسل اللوازم المستدامة والمجتمعات الأصلية.

كيف يمكن للإعلام العلمي ومنصات المعرفة البيئية أن تسهم في تحويل مخرجات المؤتمر إلى وعي مجتمعي وفعل محلي؟
أولاً عبر تبسيط النتائج وتحويلها إلى رسائل تنفيذية. الى جانب منصات تدريبية تفاعلية للمسؤولين المحليين وصغار المزارعين لتطبيق أدوات التكيّف (دورات قصيرة، فيديوهات، أدلة عمليّة)، مع وجود صحافة وتحقيقات بيئية تكشف اختلالات التنفيذ أو الاستحواذ غير القانوني على الموارد. باستخدام الوسائل الرقمية والسوشل ميديا لربط مخرجات COP مع قصص نجاح محلية

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه العدالة الجندرية وتمكين المرأة في تسريع الاستجابة المناخية، خصوصًا في القطاعات الزراعية والريفية؟
المرأة في المناطق الريفية غالبًا ما تكون مسؤولة عن الأمن الغذائي والإدارة المحلية للموارد؛ تمكينها يزيد من فاعلية التدابير المناخية ويُحسّن نتائج التكيّف ويقلّل من الضعف.

قراءة بفكر الدكتور محمد سيف الكواري
يتجلّى من إجاباته يمكن تلخيصه وتحليله في خمس ملامح رئيسية:
واقعية علمية في مقاربة العمل المناخي: يتميّز الدكتور الكواري برؤية عملية قائمة على الربط بين الطموح والتنفيذ. فهو لا يتحدث عن الشعارات أو التعهدات، بل عن آليات محددة: التمويل، الشفافية، والحوكمة. يرى أن مؤتمرات المناخ لن تُحدث فرقاً إلا إذا تحوّلت من منصات خطابية إلى أدوات تنفيذية، خصوصاً في ملفات التمويل والتكيّف. فكرته المحورية: “التحول الحقيقي في العمل المناخي هو انتقال من التعهد إلى الفعل، ومن الالتزام إلى التطبيق”.

أولوية التمويل العادل والحوكمة الشفافة: ينطلق فكره من إدراك أن فجوة التمويل هي العقدة المركزية في العدالة المناخية، لذلك يركّز على ضرورة وجود آليات تمويل واضحة، مستقلة، وشفافة، تصل مباشرة إلى المجتمعات المتضرّرة. كما يدعو إلى بناء قدرات مؤسسية وطنية في الدول النامية قادرة على إدارة التمويل واستيعابه، وليس فقط المطالبة به. هذه نظرة تعكس فهمًا اقتصاديًا عميقًا لصلب التحدي المناخي، إذ يعتبر المال أداة تمكين وليست غاية بحد ذاتها.

الربط بين المعرفة والتمكين المجتمعي: يولي الكواري أهمية للإعلام العلمي كجسر بين القرارات الدولية والفعل المحلي، داعيًا إلى استخدام الوسائط الرقمية والتدريب الميداني لتبسيط المفاهيم التقنية للمزارعين والمجتمعات المحلية. إنه يؤمن بأن المعرفة التطبيقية هي خط الدفاع الأول ضد التغير المناخي، وأن دور الإعلام لا يقتصر على نقل الأخبار، بل على تحويل النتائج إلى سلوك وقرارات واقعية.

رؤية شمولية للمجتمع في قلب الحل: يرى أن المرأة والريف هما حجر الزاوية في التكيف المناخي، لأنهما يختصران الأمن الغذائي والمائي معًا. وهو يتبنّى نهجًا حقوقيًا وإنسانيًا يقوم على العدالة الجندرية والتمكين المحلي، مؤكدًا أن الحلول المناخية لن تنجح إلا إذا انطلقت من المجتمعات الأكثر تأثرًا. رسالة إنسانية واضحة: لا عدالة مناخية دون عدالة اجتماعية.

إيمان بالتكامل الإقليمي والعالمي: يدعو إلى تعاون عربي جماعي في التمويل والمشروعات القابلة للاستثمار، مع إبراز أهمية التحالفات الإقليمية في مواجهة تحديات مشتركة كالجفاف وندرة المياه. فهو ينظر إلى العمل المناخي بوصفه فرصة للتكامل العربي الاقتصادي والعلمي وليس عبئًا دوليًا مفروضًا.
خلاصته الفكرية: “الاستدامة ليست وثيقة تفاوضية، بل قدرة بشرية على إدارة الموارد بعدالة ومسؤولية.”

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *