العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
الدكتور طارق حسان: العمل المناخي العادل يبدأ من تمكين الإنسان والبيئة معًا
شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 12 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
الدكتور طارق حسان:
خبير في البيئة والتغيرات المناخية، جمهورية اليمن
أبرز الرهانات العالمية المطروحة أمام مؤتمر COP30، وهل يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل بعد مرور عقد على اتفاق باريس؟
يُعد مؤتمر COP30 لحظة حاسمة لأنه يمثل “جردًا عالميًا” ثانيًا، حيث يتعين على الدول تقديم جيل جديد من المساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) التي تحدد مساراتها المناخية حتى عام 2035. الرهان الأبرز هو سد “فجوة الطموح” و”فجوة التنفيذ”؛ فالتعهدات الحالية لا تزال تقود العالم نحو ارتفاع حراري يتجاوز بكثير هدف 1.5 درجة مئوية. كما يمثل المؤتمر اختبارًا حقيقيًا للتوصل إلى اتفاق بشأن الهدف الجماعي الجديد للتمويل المناخي (NCQG)، والذي يجب أن يتجاوز الـ 100 مليار دولار سنويًا. نعم، يمتلك COP30 إمكانية أن يكون نقطة تحول حاسمة بعد عقد من اتفاق باريس، فهو الفرصة الأخيرة لـ “إعادة إحياء” العمل المناخي من خلال رفع الطموح الوطني، وتحديد خريطة طريق واضحة للتمويل، والانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض.
كيف يمكن لموقع المؤتمر في غابات الأمازون أن يُترجم إلى التزامات واقعية لحماية الغابات والتنوع البيولوجي؟
إن استضافة COP30 في مدينة بيليم، عند مدخل غابات الأمازون المطيرة، تضع حماية الطبيعة في صدارة الأجندة العالمية. يمكن ترجمة هذا الموقع إلى التزامات واقعية عبر آليات مالية جديدة، أبرزها المقترح البرازيلي لإنشاء صندوق “مرافق الغابات الاستوائية الدائمة” (TFFF)، الذي يهدف إلى توفير تمويل مستدام وطويل الأمد للدول التي تحمي غاباتها. الأهم من ذلك، يجب أن يترجم الموقع إلى التزام دولي بتمكين الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية التي تعيش في الغابات، والاعتراف بحقوقها كـ “حراس للغابات”، بالإضافة إلى تبني خطة عمل عالمية واضحة لوقف إزالة الغابات بحلول عام 2030، ودمج أهداف حماية التنوع البيولوجي ضمن المساهمات الوطنية الجديدة.
ما الذي يُنتظر من الدول النامية، خصوصًا في المنطقة العربية، لتعزيز مساهماتها الوطنية في العمل المناخي؟
يُنتظر من الدول النامية، بما فيها الدول العربية، أن تلعب دورًا مزدوجًا في COP30: المطالبة بالعدالة المناخية ورفع مستوى الطموح الوطني. على هذه الدول تحديث مساهماتها الوطنية لتشمل أهدافًا أكثر طموحًا لخفض الانبعاثات، خاصة عبر التركيز على مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. كما يجب أن تركز المساهمات الوطنية بشكل كبير على التكيف والصمود، نظرًا لكون المنطقة العربية من أكثر المناطق تضررًا من ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، عبر مشاريع لإدارة الموارد المائية والزراعة الذكية مناخيًا. وفي الوقت نفسه، يجب أن تتوحد هذه الدول للمطالبة بزيادة تمويل التكيف وضمان أن يكون التمويل الجديد متاحًا وميسرًا ويوجه بشكل مباشر للمجتمعات الأكثر ضعفًا.
هل يمكن لـ COP30 أن يحقق اختراقًا حقيقيًا في ملف التمويل المناخي لصالح الفئات والمجتمعات الأكثر تضررًا؟
من وجهة نظري يمكن تحقيق اختراق حقيقي في ملف التمويل المناخي لصالح الفئات والمجتمعات الأكثر تضررًا، على الرغم من أن التمويل يظل العقبة الأكبر. يتطلب ذلك التفعيل الكامل والتمويل الكافي لصندوق الخسائر والأضرار الذي تم الاتفاق عليه سابقًا، مع ضمان وصول التمويل إلى المجتمعات المحلية مباشرةً. كما يجب أن يركز المؤتمر على التمويل الموجه نحو الناس، بحيث تكون الفئات الأكثر تأثرًا (كالنساء والشعوب الأصلية) هي المستفيد الأول. ولتحقيق اختراق مالي حقيقي، يجب الاتفاق على مصادر تمويل مبتكرة، مثل فرض ضرائب على أرباح شركات الوقود الأحفوري أو الضرائب على المعاملات المالية العالمية، والتي يمكن أن توفر مئات المليارات من الدولارات لتمويل العمل المناخي في الدول الفقيرة.
كيف يمكن للإعلام العلمي ومنصات المعرفة البيئية أن تسهم في تحويل مخرجات المؤتمر إلى وعي مجتمعي وفعل محلي؟
يلعب الإعلام العلمي ومنصات المعرفة البيئية دورًا حيويًا في تحويل نتائج COP30 من وثائق سياسية إلى وعي مجتمعي وفعل محلي. يتمثل هذا الدور في ترجمة المفاوضات المعقدة (مثل آليات التمويل والمساهمات الوطنية) إلى محتوى مبسط ومفهوم للجمهور العادي، باستخدام الرسوم البيانية والقصص الإنسانية. كما يجب دعم الصحافة البيئية المستقلة لتمكينها من تغطية المؤتمر ونقل القضايا المحلية إلى المنصات العالمية، والتحقق من نزاهة المعلومات المناخية. بالإضافة إلى ذلك، فإن بناء منصات معرفية إقليمية متخصصة باللغة العربية يعمل على تمكين المجتمعات العربية بالمعرفة، ويسلط الضوء على كيفية تأثير القرارات المتخذة في بيليم على حياة الناس اليومية، وتقديم حلول محلية قابلة للتطبيق.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه العدالة الجندرية وتمكين المرأة في تسريع الاستجابة المناخية، خصوصًا في القطاعات الزراعية والريفية؟
تُعد العدالة الجندرية وتمكين المرأة من المحاور الرئيسية في أجندة COP30، وهما عاملان حاسمان لتسريع الاستجابة المناخية. تُعتبر المرأة، خاصة في القطاعات الزراعية والريفية، مفتاح الحلول الفعّالة للتغير المناخي، حيث تمتلك معرفة تقليدية عميقة بالبيئة المحلية وإدارة الموارد الطبيعية. يجب أن يركز المؤتمر على تفعيل خطة العمل الجندرية (GAP) لضمان المشاركة الكاملة والمتساوية للمرأة في جميع مستويات صنع القرار المناخي. وفي القطاعات الزراعية والريفية، يجب توجيه التمويل المستجيب للنوع الاجتماعي لدعم المشاريع التي تعترف بالدور الاقتصادي للمرأة وتوفر لها التدريب على تقنيات الزراعة الذكية مناخيًا، مما يزيد من الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي ويعزز صمود المجتمعات الريفية.
قراءة بفكر الدكتور طارق حسان
يعكس فكر الدكتور طارق حسان رؤية استراتيجية واقعية ومتصلة بالحوكمة المناخية العالمية، تقوم على الربط بين العمل الدولي والتمكين المحلي. نهجه يقوم على أن التحول المناخي لا يتحقق عبر التعهدات وحدها، بل عبر التنفيذ، التمويل، والعدالة. وهو ينتمي فكريًا إلى تيار “العمل المناخي التنموي”، الذي يرى أن العدالة، التمويل، والتمكين المجتمعي هي ركائز لا تقل أهمية عن خفض الانبعاثات. أبرز النقاط التي ركز عليها في الحوار هي:
1. COP30 كنقطة تحول حاسمة: يرى المؤتمر محطة مفصلية بعد عقد من اتفاق باريس، هدفها سد فجوتي الطموح والتنفيذ، وإطلاق مرحلة جديدة من الالتزامات القابلة للقياس والتنفيذ الواقعي حتى 2035.
يعتبره اختبارًا للصدق الدولي في التمويل والمساهمات الوطنية، وليس مجرد اجتماع سياسي.
2. الأمازون كرمز عالمي للطبيعة: يقرأ موقع المؤتمر في بيليم كفرصة لترجمة الرمزية البيئية إلى التزامات مالية وتشريعية حقيقية، عبر صندوق دائم للغابات (TFFF) وتمكين الشعوب الأصلية كحراس للغابات.
فهو يدعو إلى دمج التنوع الحيوي ضمن المساهمات المناخية الوطنية (NDCs) بدل التعامل معه كملف منفصل.
3. دور الدول النامية والعربية: يدعو الدول العربية إلى ازدواجية ذكية في الموقف: الدفاع عن العدالة المناخية مع رفع الطموح الوطني. يؤكد أن المنطقة العربية تحتاج التركيز على التكيف والمياه والزراعة الذكية أكثر من مجرد خفض الانبعاثات، وأن التمويل العادل والمباشر للمجتمعات الضعيفة هو مفتاح التنفيذ.
4. التمويل المناخي والابتكار المالي: يطرح فكرًا متقدمًا في العدالة التمويلية، يدعو إلى فرض ضرائب على أرباح الوقود الأحفوري والمعاملات المالية العالمية لتوليد تمويل مبتكر ومستدام، بحيث يصل الدعم مباشرة إلى الفئات المتضررة (النساء، الريفيين، السكان الأصليين). هنا يتقاطع فكره مع نهج التمويل المناخي العادل.
5. الإعلام العلمي كقوة تحويل: يمنح الإعلام العلمي دورًا محوريًا في نقل القرارات إلى وعي المجتمع والفعل المحلي، عبر تبسيط المفاوضات، والتحقق من المعلومات، وبناء منصات عربية للمعرفة المناخية تربط المواطن بالقرارات الدولية.
6. العدالة الجندرية وتمكين المرأة: يعتبر أن تمكين المرأة الريفية والزراعية هو شرط أساسي للصمود المناخي، لأنها تمتلك المعرفة المحلية والخبرة الميدانية. يدعو إلى توجيه التمويل نحو مشروعات نسائية ذكية مناخيًا وتفعيل خطة العمل الجندرية (GAP) ضمن أجندة COP30.
الرسالة الأساسية للدكتور طارق هي: العمل المناخي العادل يبدأ من تمكين الإنسان والبيئة معًا: تمويل عادل، مشاركة شاملة، وتنفيذ واقعي يحوّل التعهدات إلى فعل.
الدكتور طارق حسان يجمع بين العمق المؤسسي للأمم المتحدة والرؤية التنموية الإنسانية للعالم العربي، ويؤمن أن مستقبل المناخ يُصنع عبر حوكمة عادلة، تمويل منصف، وتمكين المجتمعات المحلية، لا عبر البيانات وحدها.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز