العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
د. إيمان عبد العظيم عبد الرحمن أحمد:
التحول المناخي يبدأ من الإنسان وسلوكه، ويمتد إلى سياساته ومؤسساته
شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 13 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
د. إيمان عبد العظيم عبد الرحمن أحمد:
خبير في الاتفاقية الاطارية للتغير المناخ (UNFCCC)، الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC).
هل تعتقدون أن مبادرات “صافي الصفر إزالة الغابات” قابلة للتحقق دون تغيير جذري في أنماط الاستهلاك العالمية؟
لا يمكن تحقيق مبادرات “صافي الصفر لإزالة الغابات” بشكل فعّال دون معالجة جذور المشكلة الكامنة في الاستهلاك المفرط والنمو الاقتصادي غير المتوازن، لأن الاستدامة الحقيقية تبدأ بتغيير السلوك البشري قبل أي شيء آخر.
من الصعب تحقيق مبادرات “صافي الصفر لإزالة الغابات” دون إحداث تغيير جذري في أنماط الاستهلاك العالمية. فإزالة الغابات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالطلب المتزايد على السلع الزراعية مثل فول الصويا، وزيت النخيل، واللحوم، والأخشاب، والتي تُعد من المحركات الأساسية لقطع الغابات في مناطق مثل الأمازون وجنوب شرق آسيا. وحتى مع تطبيق سياسات أكثر صرامة لحماية الغابات، فإن استمرار أنماط الاستهلاك الحالية سيؤدي إلى تحويل الضغوط البيئية إلى مناطق أخرى أو إلى أشكال مختلفة من الاستغلال غير المستدام للأرض.
تحقيق أهداف “صافي الصفر” يتطلب إعادة التفكير في النماذج الاقتصادية وسلاسل التوريد العالمية، وتشجيع التحول نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة. ويشمل ذلك تقليل الهدر الغذائي، وتبنّي نظم غذائية نباتية أكثر، وزيادة الشفافية في تتبع المنتجات لضمان خلوها من ممارسات إزالة الغابات. كما يجب على الحكومات والشركات والمستهلكين التعاون في دعم الابتكار الزراعي والحلول القائمة على الطبيعة.
كيف يمكن دمج الحلول القائمة على الطبيعة في سياسات الدول لتحقيق التكيف المناخي وحماية التنوع الحيوي
نجاح دمج الحلول القائمة على الطبيعة يتطلب إرادة سياسية قوية وتكاملًا مؤسسيًا وتمويلاً مناخيا ًمستدامًا يوازن بين احتياجات الإنسان وصون النظم البيئية لضمان مستقبل مرن بيئيًا ومناخيًا.
يمكن دمج الحلول القائمة على الطبيعة في سياسات الدول من خلال تبني نهج يربط بين حماية النظم البيئية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة والتكيف مع تغير المناخ. تبدأ الخطوة الأولى بدمج هذه الحلول في الاستراتيجيات الوطنية للمناخ والتنوع الحيوي، مثل خطط التكيف الوطنية NAPواتفاقيات حماية الغابات والمياه. فبدلًا من الاعتماد فقط على البنية التحتية الرمادية، يمكن للحكومات الاستثمار في البنية التحتية الخضراء مثل استعادة الأراضي الرطبة، وزراعة الأحراج، وحماية السواحل بالأشجار والمستنقعات لتقليل مخاطر الفيضانات والعواصف.
كما ينبغي تعزيز التعاون بين الوزارات البيئة، الزراعة، المياه، التخطيط لضمان تنفيذ سياسات متكاملة تعتمد على الطبيعة، إضافة إلى إدماج المجتمعات المحلية والسكان الأصليين في عمليات التخطيط والتنفيذ لضمان استدامة هذه الحلول.
تحتاج الدول أيضًا إلى تحفيز مالي وتشريعي، مثل تقديم حوافز ضريبية للمشروعات الخضراء، ودمج تقييم رأس المال الطبيعي في السياسات الاقتصادية. ويمكن للمؤسسات البحثية دعم ذلك بتوفير بيانات علمية حول فعالية هذه الحلول في خفض الانبعاثات وحماية التنوع البيولوجي.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في حماية الغابات وإدارة مواردها على نحو مستدام؟
تلعب الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية دورًا محوريًا في حماية الغابات وإدارتها على نحو مستدام، نظرًا لارتباطهم العميق بالأرض ومعرفتهم التقليدية بالنظم البيئية. فقد أثبتت الدراسات أن المناطق التي تُدار من قبل هذه المجتمعات غالبًا ما تسجل معدلات أقل لإزالة الغابات وفقدان التنوع الحيوي مقارنة بالمناطق الأخرى. يعود ذلك إلى تبنيهم ممارسات استخدام مستدام للموارد تقوم على مبدأ التوازن بين احتياجات الإنسان وحماية الطبيعة.
يمكن لهذه المجتمعات المساهمة في الرصد والإدارة المشتركة للغابات، حيث تساعد معرفتهم المحلية في تحديد الأنواع المهددة وتقييم صحة النظم البيئية. كما أن إشراكهم في عمليات صنع القرار يعزز من فعالية السياسات البيئية ويضمن تنفيذها على أرض الواقع.
على الحكومات والمؤسسات دعم هذه المجتمعات من خلال الاعتراف بحقوقهم في الأراضي وتوفير آليات تمويل مستدامة لمشروعاتهم البيئية، إضافة إلى تمكينهم من المشاركة في برامج مثل صافي الصفر لإزالة الغابات ومبادرات الكربون المجتمعية.
إن تمكين الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية لا يحمي الغابات فحسب، بل يعزز العدالة البيئية والاجتماعية، ويخلق نموذجًا عالميًا للإدارة المستدامة يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل بين الإنسان والطبيعة، مما يجعلهم حلفاء أساسيين في مواجهة أزمة المناخ والتدهور البيئي.
مراجعة لفكر ايمان عبد العظيم
إجابات الدكتورة إيمان تعكس رؤية علمية عميقة ومتوازنة بين التحليل البيئي والسياسات المناخية، قائمة على خبرة عملية في منظومة الأمم المتحدة (UNFCCC) (IPCC). خطابها يجمع بين العلم، والحوكمة، والعدالة المناخية.
أبرز محاور التحليل فيما يخص صافي الصفر وإزالة الغابات تؤكد أن تحقيق “صافي الصفر” مستحيل دون تغيير جذري في أنماط الاستهلاك العالمية، لأن الحلول التقنية وحدها لا تكفي. تربط بين الإنتاج الزراعي العالمي وسلوك المستهلك، داعيةً إلى تحول اقتصادي وسلوكي شامل.
وفيما يخص الحلول القائمة على الطبيعة (NbS) ترى الدكتورة ايمان أن دمج هذه الحلول في السياسات الوطنية يتطلب تكاملاً مؤسسياً وتمويلاً مستداماً، وتعاوناً بين البيئة والزراعة والمياه والتخطيط، مع مشاركة المجتمعات المحلية كضمانة للتنفيذ.
أما فيما يخص دور المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية فإن الدكتورة ايمان تعتبرهم حراس الغابات الحقيقيين، إذ أثبتت الدراسات أن المناطق التي يديرونها أكثر استدامة. تدعو إلى الاعتراف القانوني بحقوقهم ودعمهم مالياً ليصبحوا شركاء في تنفيذ أهداف المناخ.
والرسالة الجوهرية هي أن التحول المناخي يبدأ من الإنسان وسلوكه، ويمتد إلى سياساته ومؤسساته؛ فالطبيعة جزء من الحل، والمجتمعات المحلية هي شريك الاستدامة الحقيقي.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز