أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 06

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

الدكتور يوسف الكمري: مأسسة النوع الاجتماعي في جميع مراحل السياسات المناخية.

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 13 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

الدكتور يوسف الكمري:
أستاذ باحث، في علوم البيئة واستشاري في النوع الاجتماعي والتنمية المستدامة
الشبكة العربية للنوع الاجتماعي والتنمية – ANGED

كيف يمكن لمؤتمر بيليم أن يُترجم العدالة المناخية إلى سياسات عملية تُنصف النساء المتأثرات مباشرة بتداعيات التغير المناخي في الجنوب العالمي؟
لا تؤثر أزمة المناخ على الجميع بالتساوي. إذ تواجه النساء والفتيات تأثيرات غير متناسبة لتغير المناخ – ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أنهن يشكلن غالبية فقراء العالم، الذين يعتمدون بشكل كبير على الموارد الطبيعية المحلية في معيشتهم. خلال أشغال مؤتمر الأطراف الثلاثين، في بيليم، البرازيل، يشكل محور عدم المساواة الحلقة الأساس في صميم العمل المناخي، وباعتباره قمة العدالة المناخية ليس من قبيل الصدقة، فالمؤتمر الحالي يربط العمل المناخي بشكل صريح بمكافحة الجوع والفقر لدى الفئات الأكثر هشاشة. ونشير هنا، إلى كون الاتفاقية الاطارية تقر بأن من ساهموا بأقل قدر في الانبعاثات العالمية هم الأكثر معاناة، من المزارعين في المناطق شبه القاحلة إلى المجتمعات الساحلية النازحة بسبب الفيضانات والجفاف والتصحر، خصوصاً النساء والفتيات.

في هذا الصدد، يمكن لمؤتمر الأطراف للمناخ في نسخته الثلاثون (COP30)، أن يُترجم العدالة المناخية إلى سياسات عملية من خلال دمج النساء والفتيات في صنع القرارات ذات الصلة بالتكيف مع تغير المناخ، وضمان وصولهن إلى الموارد الطبيعية والتكنولوجيا اللازمة، وتوفير الدعم المالي للنساء والفتيات المتضررات من تغير المناخ، خصوصاً في الأوساط القروية/الريفية وإشراك النساء في صياغة السياسات التي تعتمد على أبحاث متخصصة لمعالجة التداعيات المباشرة، بالإضافة إلى توفير آليات للتعويض عن الأضرار. في هذا الصدد، ندعو الهيئات الدولية والحكومية المعنية إلى زيادة مراعاة الاعتبارات الجنسانية في التمويل المتعلق بالمناخ بغية تعزيز قدرات المرأة، وتشجيعها على تعزيز مراعاة المنظور الجنساني في التمويل المناخي بهدف زيادة بناء قدرات المرأة وإنجاز العمل في إطار برنامج عمل ليما المعزز بشأن المسائل الجنسانية وأي خطة عمل جنسانية توضع في وقت لاحق، ومن أجل تيسير حصول المنظمات والهيئات النسوية والشعوب الأصلية، ولا سيما نساء الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في جنوب العالم، على التمويل المناخي بطريقة مبسطة. كما ندعو إلى زيادة الدعم المقدم إلى البلدان النامية الأطراف لتنفيذ برنامج عمل ليما بشأن المسائل الجنسانية وأي خطة عمل جنسانية لاحقة، بما يتسق مع الأحكام ذات الصلة من الاتفاقية الاطارية في شأن المناخ.

بعد مرور عقد على اتفاق باريس، هل ترون أن قضية “الجندرة المناخية” أصبحت محورًا فعليًا في المفاوضات، أم ما تزال قضية هامشية؟
تعقد الدورة الثلاثون لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ من 10 إلى 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في بيليم في البرازيل. وتمثل هذه الدورة للمؤتمر مرحلةً إضافيةً بغية تنفيذ الالتزامات المناخية بوتيرة أسرع، بعد عشرة أعوام على انعقاد الدورة الواحدة والعشرين لمؤتمر الأطراف التي أدت إلى الاعتماد التاريخي لاتفاق باريس. وتسعى نتائج الدورة الثلاثين (COP30) بالجوهرية من أجل الامتثال للأهداف المحددة، ولا سيما القضايا الجندرية. خلال سنة 2024، في باكو، على هامش انعقاد مؤتمر الأطراف في دورته التاسعة والعشرين (COP29)، إذ يؤكد هذا الأخير، مع القلق بأن آثار تغير المناخ على النساء والرجال كثيراً ما تتباين بسبب أوجه عدم المساواة التاريخية والحالية والعوامل المتعددة الأبعاد، وقد تكون أكثر وضوحاً في البلدان النامية وبالنسبة إلى المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية. وإذ يعترف بأن تغير المناخ يشكل شاغلاً مشتركاً للبشرية، وأنه ينبغي للأطراف، عند اتخاذ الإجراءات للتصدي لتغير المناخ، أن تحترم وتعزز وتراعي ما يقع على كل منها من التزامات متعلقة بحقوق الإنسان، والحق في الصحة، وحقوق الشعوب الأصلية، والمجتمعات المحلية، والمهاجرين والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً هشة، والحق في التنمية، فضلاً عن المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة والإنصاف بين الأجيال.

وإذ يضع في اعتباره ضرورة تحقيق التحول العادل للقوى العاملة وإيجاد العمل الكريم والوظائف اللائقة، وفقاً للأولويات الإنمائية المحددة وطنياً. من خلال التطور التاريخي لإدماج البعد الجندري في سياسات التكيف مع تغير المناخ في مؤتمرات الاطراف (COP)، نؤكد على أن مشاركة المرأة واضطلاعها بدور قيادي على نحو كامل وهادف وقائم على المساواة في جميع جوانب عملية الاتفاقية الإطارية، وفي السياسات والإجراءات المتعلقة بالمناخ على الصعيدين الوطني والمحلي، أمر بالغ الأهمية لتحقيق الأهداف المناخية الطويلة الأمد، ونؤكد على أهمية اتخاذ مزيد من الخطوات في هذا الصدد خلال الدورة الثلاثين (COP30) في بيليم، البرازيل. كما يجب تسليط الضوء على أن مراعاة الاعتبارات الجنسانية في تنفيذ السياسات والإجراءات المناخية وفي وسائل التنفيذ من شأنها أن تمكن الأطراف من رفع سقف الطموح، فضلاً عن تعزيز المساواة بين الجنسين، وتحقيق التحول العادل، وفقاً للأولويات الإنمائية المحددة على الصعيد الوطني.

ما أبرز التحديات التي تواجه النساء في مناطق الجفاف، والفيضانات، والنزوح البيئي، وكيف يمكن إدراج هذه القضايا ضمن أجندة COP30؟
تواجه النساء والفتيات في مناطق الجفاف والفيضانات تحديات متعددة تشمل زيادة خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وصعوبة الوصول إلى الموارد الطبيعية مثل المياه والغذاء، بالإضافة إلى تدهور الصحة العامة، خاصة الصحة الإنجابية. كما تعاني من التحديات الاقتصادية وصعوبة الولوج إلى المدارس والحق في التعليم، بينما غالباً ما يُستبعدن من عمليات صنع القرار المتعلقة بالتكيف مع المناخ من داخل مجتمعاتهن المحلية. في هذا الشأن، نؤكد على وجوب استمرار الحاجة إلى تعميم مراعاة مقاربة النوع الاجتماعي ضمن جميع الغايات والأهداف ذات الصلة التي تنطوي عليها الأنشطة المنفذة في إطار الاتفاقية، باعتبار ذلك مساهمة هامة في زيادة الفعالية والإنصاف والاستدامة. وخلال مفاوضات مؤتمر الأطراف في دورته الثلاثين (COP30) المنعقد حالياً في بيليم، نتطلع إلى وضع خطة عمل جنسانية جديدة مع مراعاة مدخلات ونتائج استعراض برنامج عمل ليما المعزز بشأن المسائل الجنسانية وخطة عمله الجنسانية في عام 2024.

نشير إلى أن إدراج قضايا النساء والفتيات في مفاوضات المناخ يسعى لضمان معالجة الأثر غير المتناسب لتغير المناخ عليها، ودمج خبراتهن في إيجاد حلول فعالة، وتحقيق العدالة المناخية. يتطلب ذلك زيادة تمثيلهن في الوفود وصنع القرار، وتعزيز مشاركتهن في القيادة، ودمج الاعتبارات الجندرية في السياسات والاستراتيجيات المناخية، بما في ذلك توفير الحماية لهن وتلبية احتياجاتهن في حالات الكوارث الطبيعية.. يمكننا القول على أن النساء والفتيات قائدات رائدات ومؤثرات وقويات في معالجة تداعيات تغير المناخ. لكنهن ما زلن لا يحظين بالتقدير والتقييم الكافيين مع محدودية الوصول إلى تعزيز القدرات والتداريب وتملك التكنولوجيا اللازمة للتكيف الفعال مع آثار تغير المناخ. كما نؤكد على أن المناصرة والترافع من أجل حقوق النساء والفتيات هو نضال من أجل كوكب عادل ومستدام، حيث تتحقق العدالة المناخية للجميع. ونجدد الدعوة إلى اعتماد المقاربة التشاركية المراعية للنوع الاجتماعي لضمان تمكين النساء والفتيات وإسماع أصواتهن في المحادثات المناخية خلال المفاوضات الدولية، مؤكدين على أن دور المرأة لا يقتصر على تحمل الأعباء، بل يشمل أيضًا قيادة الحلول المستدامة.

قراءة بفكر الدكتور يوسف الكمري
يرى الدكتور الكمري أن النساء والفتيات في الجنوب العالمي يتحملن العبء الأكبر لتداعيات التغير المناخي بسبب الفقر، والاعتماد على الموارد الطبيعية، والإقصاء من القرار. ويقترح أن تتحول العدالة المناخية إلى سياسات عملية عبر:
دمج النساء في صنع القرار والتكيف المناخي. وضمان الوصول إلى الموارد والتكنولوجيا. تخصيص تمويل مناخي مراعٍ للنوع الاجتماعي. تعويض النساء المتضررات في المناطق الريفية والهشة. كما يركز على أن العدالة المناخية ليست إحسانًا، بل حق إنساني وتنموي مرتبط بمكافحة الفقر والجوع.

موقع الجندرة في مفاوضات المناخ
يؤكد أن إدماج البعد الجندري تطوّر تاريخيًا منذ اتفاق باريس (2015) لكنه ما زال دون المستوى المطلوب. يشير إلى أن مؤتمر بيليم (COP30) يشكل فرصة لبلورة خطة عمل جنسانية جديدة ضمن التحول العادل. ويبرز أن: المشاركة النسائية الكاملة في القرار المناخي شرط لتحقيق أهداف الاتفاقية. ومراعاة الاعتبارات الجندرية في التنفيذ تزيد الطموح والفعالية.
الموقف: الجندرة انتقلت من الهامش إلى الاعتراف الرسمي، لكنها تحتاج إرادة تنفيذية لضمان الأثر.

التحديات في مناطق الجفاف والنزوح
يحدد الدكتور الكمري سلسلة مترابطة من الأزمات تواجه النساء: تبدأ من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فقدان الموارد، ضعف التعليم والصحة الإنجابية. إلى الإقصاء من صنع القرار في خطط التكيف. ويطالب بـ:
تعميم المنظور الجندري في السياسات المناخية. وخطة عمل جنسانية جديدة في COP30 تستند إلى برنامج عمل ليما. وتعزيز التمثيل النسائي في الوفود والمفاوضات، والاعتراف بدور المرأة كقائدة للحلول.
النتيجة: النساء لسن فقط ضحايا التغير المناخي، بل فاعلات في الحلول المحلية، ويجب منحهن الاعتراف والموارد والتدريب.

الاستنتاج العام
خطاب الدكتور الكمري يجمع بين التحليل البنيوي والنهج الحقوقي، ويؤكد أن: “العدالة المناخية لا يمكن أن تتحقق من دون عدالة جندرية”.
ويدعو إلى تحويل المشاركة النسائية من التمثيل الرمزي إلى القيادة الفعلية، عبر تمويل مناخي منصف، وتعزيز القدرات المحلية، ومأسسة النوع الاجتماعي في جميع مراحل السياسات المناخية.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *