العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
هلا صبحي مراد: العدالة المناخية لن تتحقق بالبيانات، بل بالجرأة على إعادة توزيع القوة، والثروة، والمعرفة… من الغابة إلى القرية، ومن الإنسان إلى الكوكب.
شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 14 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي الفجر سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
الأستاذة هلا صبحي مراد
خبيرة في سياسات البيئة والمناخ، المملكة الأردنية الهاشمية
ما أبرز الرهانات العالمية المطروحة أمام مؤتمر COP30، وهل يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل بعد مرور عقد على اتفاق باريس؟
شكل اتفاق باريس قبل عشر سنوات لحظة انعطاف كبرى في الخيال المناخي العالمي فقد بدا كأن العالم اخيرا وجد لغة مشتركة للعمل الجماعي لكن العقد الذي تلا اعتماده كشف عن فجوة صارخة بين الطموح والتنفيذ فلا دولة حققت بالكامل ما وعدت به وبقيت الالتزامات محاصرة داخل غرف تفاوض طويلة يخسر الفقراء خلالها كل يوم مزيدا من قدرتهم على الصمود بينما ترتفع كلفة التكيف والاضرار بوتيرة أسرع من قدرة السياسات على مواكبتها.
في هذا السياق يدخل العالم الى كوب ثلاثين مثقلا بأسئلة كبرى اولها كيفية جعل المساهمات الوطنية الجديدة اكثر من تحديثات شكلية بل خططا تحولية تمس البنية الاقتصادية والاجتماعية وتعيد الاعتبار لمفهوم العدالة المناخية وثانيها كيفية معالجة معضلة التمويل فبرغم تجاوز الدول المتقدمة حاجز المئة مليار دولار ووصول التمويل المناخي للدول النامية الى نحو مئة وخمسة عشر مليار وتسعمئة مليون دولار بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تبقى المشكلة في النوعية لا في الكمية اذ يذهب الجزء الاكبر على شكل قروض ولا يصل الا القليل الى التكيف والى المجتمعات الاكثر هشاشة اما الرهان الثالث فهو الانتقال من مشاريع متناثرة الى تغييرات جذرية في انظمة الطاقة والنقل والزراعة والغابات.
يبقى السؤال هل يمكن ان يتحول كوب ثلاثين الى نقطة تحول حقيقية الجواب نعم اذا نجح في نقل الوعود الى التنفيذ عبر اليات واضحة وربط المخرجات بمعايير العدالة وحقوق الانسان واصحاب الحق وإذا فشل فسيظل محطة رمزية اخرى في مسار عالمي يتقدم ببطء بينما تتسارع الازمات المناخية من حولنا مثل نهر يفيض ولا ينتظر من يتفاوض على اتجاهه
كيف يمكن لموقع المؤتمر في غابات الأمازون أن يُترجم إلى التزامات واقعية لحماية الغابات والتنوع البيولوجي؟
تنظيم كوب ثلاثين في قلب غابات الامازون يمنح المؤتمر قوة رمزية هائلة لكنه يضعه ايضا امام امتحان عسير فالغابة ليست خلفية طبيعية للمشهد، بل قضية سياسية وحقوقية تعيش يوميا بين التوسع الزراعي والتعدين وحماية اراضي الشعوب الاصلية والمجتمعات المحلية التي تشكل خط الدفاع الاول عن التنوع الحيوي هذه الرمزية لن يكون لها معنى اذا لم تتحول الى التزام واضح يعيد الاعتبار لحقوق الارض ويضع تمويلا مباشرا في يد من يعيشون داخل الغابة وحولها لا في مكاتب المؤسسات الدولية
الايام الاولى من المؤتمر في بيلم حملت اشارة عميقة على ما يجري تحت السطح فقد شهد اليوم الثالث احتجاجات غاضبة تطالب بالاعتراف بالحقوق الاقليمية والبيئية ورفض دفع قضايا الشعوب الاصلية والمجتمعات الريفية الى هوامش التفاوض هذه المشاهد ليست مجرد توتر عابر بل تنبيه مبكر الى ان تغييب اصحاب الحق يحول المطالبات الحقوقية الى موجات غضب شعبية قد تأخذ اشكالا ثورية إذا استمرت السياسات في تجاهل من يتحملون الكلفة على الارض بينما تتقدم القرارات في قاعات مغلقة.
المعادلة تتكرر في مناطق كثيرة من العالم وفي منطقتنا العربية تحديدا حيث يتقاطع انهيار الطبيعة مع تراجع الامن المائي والانتاج الزراعي فالاعتماد على الزراعة التقليدية المكشوفة جعل المجتمعات الريفية في الصفوف الامامية لاثار التغير المناخي وفي الاردن تحديدا اظهرت بيانات حديثة ان ستة وستين فاصلة اربعة بالمئة من النساء العاملات في الزراعة اشرن الى ان نقص المياه او ندرتها أصبح التحدي الاول في عملهن وهذا مثال حي على ان حماية الطبيعة ليست ترفا بيئيا بل مسارا لحماية سبل العيش.
اذا استطاع كوب ثلاثين ان يخرج بخطة عالمية لتمويل الغابات تضمن وصول الدعم مباشرة الى الشعوب الاصلية والمجتمعات المحلية وان يحمي اراضيها من جشع الانشطة الاستخراجية فسيتحول موقع المؤتمر في الامازون من صورة جميلة الى خطوة عملية في سجل العدالة البيئية اما اذا اكتفى بالرمزية فسيبقى المشهد كاحتفال على حافة غابة تحترق بينما اصحاب الارض يصرخون دون ان يسمعهم أحد.
ما الذي يُنتظر من الدول النامية، خصوصًا في المنطقة العربية، لتعزيز مساهماتها الوطنية في العمل المناخي؟
المشهد العربي في كوب ثلاثين يطرح سؤالا بسيطا في ظاهره عميقا في جوهره كيف يمكن لدول تتأثر اكثر بكثير مما تؤثر ان تعيد صياغة مساهماتها الوطنية بطريقة تنصف واقعها ولا تقع في فخ سردية تعتبرها مقصرة اخلاقيا بينما الدول الصناعية ما تزال تفتح حقولا جديدة للغاز وتضخ مليارات في دعم الوقود الاحفوري لذلك المطلوب عربيا ليس خطاب اعتذار بل مقاربة ذكية تعترف بان التكيف بالنسبة لمنطقتنا ليس خيارا بل شرطا للبقاء وان العدالة والانصاف يجب ان تكونا محور التخطيط المناخي لا هامشا بيانيا.
في هذا السياق لا يكفي ان ترفع الدول العربية ارقام التخفيف في NDCs 3.0 بل المطلوب اعادة تصور المساهمات نفسها من منظور يعيد وصل المناخ بالتنمية والحقوق يبدأ ذلك بتحديد معنى التحول العادل في كل بلد بما يحمي العمال والنساء والمزارعين الصغار من دفع كلفة الانتقال وحدهم ثم دمج الطبيعة في صلب السياسات المناخية لا كملحق تجميلي بل كجزء من صمود المجتمعات فالزراعة في الاردن مثلا تستهلك اكثر من نصف المياه المتاحة ومع ذلك تواجه النساء العاملات في هذا القطاع تراجعا مقلقا في الموارد فقد اشارت بيانات حديثة الى ان تسعة وتسعين فاصلة واحد بالمئة منهن يعملن في زراعة المحاصيل وان اكثر من واحد وتسعين بالمئة لاحظن ارتفاع درجات الحرارة بشكل مباشر وهذه ليست ارقاما تقنية بل مؤشرات على هشاشة سبل العيش
المطلوب ايضا الانتقال من مشاريع تجريبية متناثرة الى سياسات عامة قابلة للقياس ترتكز على نظم رصد وابلاغ وتحقق شفافة تعزز الثقة بين المجتمع والدولة وبين بلداننا وشركاء التمويل مع فتح الباب لمشاركة حقيقية للبلديات والنقابات والمجتمع المدني منذ لحظة اعداد المساهمات لا بعد اتمامها بشكل شكلي
بهذا المعنى يمكن للدول العربية ان تجعل NDCs 3.0 اداة لاعادة هندسة مسارها التنموي من منظور مناخي عادل يضع الانسان في المركز بدلا من ان تتحول المساهمات الى التزام تقني هدفه ارضاء المجتمع الدولي بينما تبقى المجتمعات الاكثر تضررا خارج حسابات السياسات.
يمكن لكوب ثلاثين أن يحقق اختراقا حقيقيا في ملف التمويل المناخي لكنه اختراق مشروط لا مضمون فالتجربة السابقة مع تعهد المئة مليار دولار أثبتت ان الفجوة بين الوعد والواقع واسعة وان تدفق المال لا يعني بالضرورة وصوله الى من يحتاجه فعلا لذلك يظل السؤال الجوهري ليس كم سيُعلن من أرقام جديدة بل الى اين وكيف ولمن ستذهب هذه الاموال فالمجتمعات الاكثر تضررا في الجنوب العالمي لا تزال خارج دائرة الفائدة رغم انها تتحمل النصيب الاكبر من الخسائر والاضرار وبرغم ان التمويل المناخي للدول النامية تخطى حاجز المئة مليار عام الفين واثنين وعشرين الا ان تمويل التكيف ظل عند هامش صغير من الكعكة العالمية تشير مراجعات عدة الى ان نسبته في بعض المناطق تراجعت من نحو سبعة بالمئة الى خمسة بالمئة مع ان التكيف هو خط الدفاع الاول عن المياه والزراعة والارياف وكل ما يقوم عليه صمود المجتمعات وفي منطقتنا العربية الوضع اكثر تعقيدا فبعض دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا لم تتلق بعد اي تمويل من صناديق مناخية رئيسية بينما تستمر الديون بالاتساع وتلتهم حتى ما يمكن ان يتحول الى مشاريع صمود.
في هذا السياق يبدو الاتفاق الجاري التفاوض عليه حول هدف تمويل جديد يصل الى ثلاثمئة مليار دولار سنويا بحلول الفين وخمسة وثلاثين خطوة مهمة لكن قيمتها الفعلية تتوقف على قدرة الدول على تحويل هذا الهدف الى التزام قابل للتتبع خاصة ان الدعوات للوصول الى تريليون وثلاثمئة مليار سنويا تعكس حجم الفجوة بين حاجات التكيف وواقع التمويل ومهما ارتفعت الارقام ستظل بلا معنى ما لم تتغير بنية التمويل نفسها فالمطلوب نقلة واضحة من القروض الى المنح والادوات غير المثقلة بالديون وربط التمويل المناخي بإصلاح اوسع للنظام المالي العالمي يشمل اعادة هيكلة الديون للدول الاكثر هشاشة كما ان العدالة المناخية تقتضي تخصيص حصة مضمونة للتكيف والحلول القائمة على الطبيعة بدلا من الاتجاه السائد نحو تمويل مشاريع طاقة كبرى تستفيد منها الشركات اكثر مما تستفيد المجتمعات وايضا ضمان وصول مباشر للتمويل الى البلديات والمجتمعات المحلية والشعوب الاصلية عبر نوافذ تمويل صغيرة ومرنة لا تمر حصرا عبر الحكومات المركزية اضافة الى تعزيز تمويل الخسائر والاضرار باعتباره حقا وليس منحة خيرية خصوصا بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي ربط بين تقصير الدول في العمل المناخي والمسؤولية القانونية.
الاختراق الحقيقي في كوب ثلاثين لن يتحقق بإعلان رقم جديد بل بخارطة طريق تربط التمويل مباشرة بالمجتمعات المتضررة ضمن آليات شفافة للمساءلة عندها فقط يمكن القول ان المؤتمر تجاوز مرحلة التجميل ودخل مرحلة التصحيح الحقيقي لمسار العدالة المناخية
هل يمكن لـ COP30 أن يحقق اختراقًا حقيقيًا في ملف التمويل المناخي لصالح الفئات والمجتمعات الأكثر تضررًا؟
يمكن لكوب ثلاثين أن يحقق اختراقا حقيقيا في ملف التمويل المناخي لكنه اختراق مشروط لا مضمون فالتجربة السابقة مع تعهد المئة مليار دولار أثبتت ان الفجوة بين الوعد والواقع واسعة وان تدفق المال لا يعني بالضرورة وصوله الى من يحتاجه فعلا لذلك يظل السؤال الجوهري ليس كم سيُعلن من أرقام جديدة بل الى اين وكيف ولمن ستذهب هذه الاموال فالمجتمعات الاكثر تضررا في الجنوب العالمي لا تزال خارج دائرة الفائدة رغم انها تتحمل النصيب الاكبر من الخسائر والاضرار وبرغم ان التمويل المناخي للدول النامية تخطى حاجز المئة مليار عام الفين واثنين وعشرين الا ان تمويل التكيف ظل عند هامش صغير من الكعكة العالمية تشير مراجعات عدة الى ان نسبته في بعض المناطق تراجعت من نحو سبعة بالمئة الى خمسة بالمئة مع ان التكيف هو خط الدفاع الاول عن المياه والزراعة والارياف وكل ما يقوم عليه صمود المجتمعات وفي منطقتنا العربية الوضع اكثر تعقيدا فبعض دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا لم تتلق بعد اي تمويل من صناديق مناخية رئيسية بينما تستمر الديون بالاتساع وتلتهم حتى ما يمكن ان يتحول الى مشاريع صمود
في هذا السياق يبدو الاتفاق الجاري التفاوض عليه حول هدف تمويل جديد يصل الى ثلاثمئة مليار دولار سنويا بحلول الفين وخمسة وثلاثين خطوة مهمة لكن قيمتها الفعلية تتوقف على قدرة الدول على تحويل هذا الهدف الى التزام قابل للتتبع خاصة ان الدعوات للوصول الى تريليون وثلاثمئة مليار سنويا تعكس حجم الفجوة بين حاجات التكيف وواقع التمويل ومهما ارتفعت الارقام ستظل بلا معنى ما لم تتغير بنية التمويل نفسها فالمطلوب نقلة واضحة من القروض الى المنح والادوات غير المثقلة بالديون وربط التمويل المناخي بإصلاح اوسع للنظام المالي العالمي يشمل اعادة هيكلة الديون للدول الاكثر هشاشة كما ان العدالة المناخية تقتضي تخصيص حصة مضمونة للتكيف والحلول القائمة على الطبيعة بدلا من الاتجاه السائد نحو تمويل مشاريع طاقة كبرى تستفيد منها الشركات اكثر مما تستفيد المجتمعات وايضا ضمان وصول مباشر للتمويل الى البلديات والمجتمعات المحلية والشعوب الاصلية عبر نوافذ تمويل صغيرة ومرنة لا تمر حصرا عبر الحكومات المركزية اضافة الى تعزيز تمويل الخسائر والاضرار باعتباره حقا وليس منحة خيرية خصوصا بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي ربط بين تقصير الدول في العمل المناخي والمسؤولية القانونية
الاختراق الحقيقي في كوب ثلاثين لن يتحقق بإعلان رقم جديد بل بخارطة طريق تربط التمويل مباشرة بالمجتمعات المتضررة ضمن آليات شفافة للمساءلة عندها فقط يمكن القول ان المؤتمر تجاوز مرحلة التجميل ودخل مرحلة التصحيح الحقيقي لمسار العدالة المناخية
كيف يمكن للإعلام العلمي ومنصات المعرفة البيئية أن تسهم في تحويل مخرجات المؤتمر إلى وعي مجتمعي وفعل محلي؟
نجاح كوب ثلاثين في عيون الناس لن يتحقق اذا بقي حدثا نخبويا مغلقا بلغته التقنية التي لا تصل الى الشارع فالمؤتمر يصبح ذا معنى فقط عندما تتحول مخرجاته الى وعي وفعل محلي وهنا يبدأ الدور الحاسم للإعلام العلمي المستقل ومنصات المعرفة البيئية خصوصا تلك المبنية على مصادر مفتوحة تتيح للجمهور الاطلاع على البيانات والتحليلات بلا وسيط ولا قيود
الاعلام العلمي قادر على ترجمة لغة التفاوض الثقيلة الى اسئلة حياتية بسيطة ماذا يعني هدف تمويل جديد لأسرة مزارع تكافح الجفاف او لعاملة نظافة تواجه فيضانات المدن او لمجتمع ريفي فقد مصدر مياهه هذا يتطلب صحافة بيانات قوية ورسومات توضيحية وقصصا انسانية تربط بين ما يقال في بيلم وما يعيشه الناس في القرى والاحياء كما ان دوره لا يقتصر على نقل البيانات الختامية، بل على مراقبة الفجوة بين الخطاب والممارسة ومساءلة الحكومات والمؤسسات المالية عن التزاماتها بطريقة مبسطة وواضحة للجمهور.
اما الجسر الثالث فهو ربط المعرفة المحلية بالعلم العالمي فخبرة المزارعين والنساء في المجتمعات الريفية ليست موادا توعوية بل معرفة اصيلة يجب ان تدخل في تفسير التغير المناخي وصياغة حلول واقعية وهنا تلعب المنصات المفتوحة دورا مركزيا اذ تتيح مشاركة هذه الخبرات وتداولها بعيدا عن النخب المغلقة.
عندما تعمل الصحافة العلمية بمنهجية مستقلة وتحصل على بيانات مفتوحة وتقدمها للجمهور بلا تهويل ولا تجميل تصبح اداة مقاومة معرفية ضد التلاعب بالمفاهيم وضد غسل السمعة المناخية وتفتح فضاء عاما يناقش فيه الناس خيارات التنمية والعدالة لا فقط مؤشرات الحرارة بهذه الطريقة فقط تتحول مخرجات كوب ثلاثين من نصوص رسمية الى وعي مجتمعي وفعل محلي قابل للقياس والتراكم.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه العدالة الجندرية وتمكين المرأة في تسريع الاستجابة المناخية، خصوصًا في القطاعات الزراعية والريفية؟
الاستجابة المناخية تبدو احيانا بعيدة عن العدالة الجندرية مع ان النساء في المجتمعات الريفية والزراعية يقفن في قلب العلاقة بين الطبيعة وسبل العيش ويملكن معرفة دقيقة بتغير المواسم وندرة المياه وتقلبات المحاصيل وهي معرفة يظن المرء انها قد تشكل اساسا لأي سياسة تكيف ناجحة لو أتيحت لهن المساحة الكافية للمشاركة فخبرتهن اليومية تجعل ملاحظاتهن اقرب الى توقع مبكر للأزمات من كثير من التقارير التقنية.
على مستوى صنع القرار الوطني والدولي قد يُظن ان غياب النساء مجرد فجوة تمثيل لكنه في الواقع فجوة تأثير فالنساء غالبا يُتركن خارج لحظة تشكيل القرار سواء في تحديد ما يدخل جدول الاعمال او في عملية التفاوض ذاتها واعيان كثيرة تشير الى ان بعض النساء العاملات في الشأن البيئي يتعرضن لضغط نفسي او تهميش او حتى وصاية غير معلنة على قراراتهن ما قد يحد من استمرارهن في العمل العام ومع ذلك كلما مُنحت المرأة مساحة حقيقية لصوتها وامل في تأثيرها تثبت قدرتها على وضع بصمة كبيرة وتغيير اتجاهات السياسات وليس فقط زخرفتها.
وفي سوق العمل المهني والمجتمعي تبدو الفجوة أكثر وضوحا النساء يتأثرن بموجات الحر والجفاف والفيضانات بطريقة مختلفة بسبب اعباء الرعاية غير مدفوعة الاجر والفجوات الصحية والاجتماعية مما يجعل تصميم برامج الزراعة والمياه والطاقة دون مراعاة هذا البعد وصفة لإعادة انتاج الهشاشة لذلك يصبح فتح مسارات مهنية آمنة وعادلة للنساء في الاقتصاد الاخضر أحد شروط النجاح لا مجرد اضافة شكلية. بهذا التصور قد يصبح تمكين المرأة رافعة هادئة لكنها حاسمة لتسريع الاستجابة المناخية ويجعل مخرجات كوب ثلاثين أقرب الى حياة الناس والى العدالة التي يسعى اليها الجميع.
قراءة بفكر السيدة هلا مراد
فكر هلا مراد يتميز بعمق تحليلي وإنساني نادر، يجمع بين العدالة المناخية، والإصلاح المالي، وتمكين المرأة، والإعلام العلمي في رؤية متكاملة تسعى إلى “تصحيح المسار” العالمي لا تجميله. يمكن تلخيص فلسفتها المناخية في خمس أفكار محورية مختصرة:
من “لغة الوعود” إلى “زمن التنفيذ”
ترى هلا أن مؤتمر COP30 يمثل اختبارًا حاسمًا للعقد المناخي الذي بدأ مع اتفاق باريس، فالعالم ـ برأيها ـ يعيش فجوة بين الطموح والتنفيذ، بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي. وتعتبر أن العدالة المناخية لن تتحقق إلا بخطة تنفيذية تربط الوعود بالنتائج القابلة للقياس، وتعيد تمحور العمل المناخي حول الإنسان لا المؤشرات فقط. رسالتها: “المؤتمرات بلا التزامات عملية تصبح رمزية جميلة في عالمٍ يغرق في فيضانه.”
الأمازون رمز العدالة البيئية لا خلفيتها
في رؤيتها، انعقاد المؤتمر في غابات الأمازون يمنحه بعدًا أخلاقيًا ضاغطًا، لكنه يصبح عديم القيمة إذا لم يتحول إلى تمويل مباشر للسكان الأصليين والمجتمعات الريفية التي تحمي الغابة فعلاً. ترى أن “الأرض” ليست مشهدًا بل كيان حقوقي، وأن العدالة البيئية لا تُدار من العواصم، بل من قلب الغابة.
المشهد العربي بين الهشاشة والمسؤولية الذكية
تدعو الدول العربية إلى مقاربة عادلة وواقعية، ترفض خطاب الإدانة الأخلاقي وتؤكد أن “التكيف شرط بقاء، لا رفاهية سياسية.” وتربط المساهمات الوطنية (NDCs 3.0) بإعادة هندسة التنمية عبر: الاستثمار في الزراعة الذكية والمياه والطبيعة. وتحويل السياسات إلى خطط قابلة للقياس والمساءلة المجتمعية. وربط المناخ بالحقوق، والإنسان بالسياسة العامة.
التمويل المناخي كإصلاح للنظام المالي العالمي
تنتقد “التمويل المناخي” الحالي بوصفه هيكلاً غير عادل، يكرس الديون بدل حلّها، وتدعو إلى:
الانتقال من القروض إلى المنح. تخصيص حصة واضحة للتكيّف والحلول القائمة على الطبيعة. وصول التمويل مباشرة إلى البلديات والمجتمعات المحلية. ربط التمويل بإصلاحات جذرية في النظام المالي الدولي. العدالة المناخية في فكرها ليست شعارًا، بل إصلاح مالي عالمي يعيد توزيع الموارد والحقوق.
الإعلام العلمي وتمكين المرأة كجسر العدالة
تضع الإعلام العلمي المستقل في قلب التغيير المناخي، بوصفه أداة لتبسيط المعرفة وتحويلها إلى وعي وفعل شعبي، ومراقبة الفجوة بين الخطاب والممارسة. وترى أن تمكين المرأة الريفية والزراعية ليس “تمثيلًا شكليًا”، بل شرطًا لفعالية التكيف، إذ تمتلك النساء معرفة ميدانية قادرة على التنبؤ بالأزمات وتحسين إدارة الموارد.
خلاصة فكر هلا مراد
تمثل هلا صوتًا نقديًا عقلانيًا في النقاش المناخي العربي – صوتًا يطالب بالعدالة لا بالخطابة، وبالإصلاح البنيوي لا بالترقيع.
جوهر رسالتها: العدالة المناخية لن تتحقق بالبيانات، بل بالجرأة على إعادة توزيع القوة، والثروة، والمعرفة… من الغابة إلى القرية، ومن الإنسان إلى الكوكب.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز