العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
الأستاذ محمد التفراوتي: الصحافة المناخية هي الجسر بين القرار العالمي والفعل المحلي
شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 14 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
الأستاذ محمد التفراوتي:
ناشط بيئي ورئيس منصة آفاق بيئية بالمغرب
كيف يمكن للإعلام العلمي ومنصات المعرفة البيئية أن تسهم في تحويل مخرجات المؤتمر إلى وعي مجتمعي وفعل محلي؟
إسهام الصحافة العلمية ومنصات المعرفة في تفعيل العمل المحلي يقودنا للحديث عن الفجوة بين نتائج مؤتمرات المناخ مثل مؤتمرات الأطراف (COP) المعقدة، وبين الفعل الميداني للمجتمعات، يمكن سدها من خلال الصحافة العلمية ومنصات تبادل المعرفة عبر عدة آليات منها أولا الترجمة والتكيف المحلي وذلك عبر المقاربة التالية
أولاً: من العالمي إلى المحلي، بدل الاكتفاء بنقل المعلومة بأن “الالتزامات الحالية تقود إلى ارتفاع بمقدار 2.5 درجة مئوية”، يمكن للإعلام العلمي أن يقدم رسم توضيحي او ملصق معلوماتي او عرض بصري يظهر أثر +2.5°C على إنتاجية المحاصيل في منطقة المغرب العربي أو على مستوى البحر في دلتا النيل مثلاً: ثم تبسيط المفاهيم عبر شرح مصطلحات مثل “الخسائر والأضرار”، و“التخفيف”، و“المادة السادسة”، مع أمثلة واقعية وميدانية. وذلك لكون
المادة السادسة (Article 6)” هي من أكثر المواد تعقيدا وأهمية في اتفاق باريس للمناخ (2015)، لأنها تتعلق بآليات التعاون الدولي والتمويل الكربوني بين الدول لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات.
هي مادة تحدد كيف يمكن للدول أن تتعاون فيما بينها لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات، عبر تبادل أو تمويل أو احتساب الجهود المناخية.
ثانياً: دور المنصات الرقمية لتقاسم المعرفة عبر إنشاء قواعد بيانات يسهل الوصول إليها، تتضمن حلولا محلية في مجالات الزراعة المستدامة، وإدارة المياه، والطاقة المتجددة. و
اعتماد السرد القصصي عبر عرض قصص نجاح واقعية لمجتمعات تبنت حلولا مناخية مبتكرة. ثم استخدام أدوات تفاعلية مثل حاسبات البصمة الكربونية المخصصة للسياق العربي (تكييف، استهلاك مياه، كهرباء…) أو خرائط تفاعلية لمناطق الخطر المناخي.
ثالثاً: صحافة الحلول أي تجاوز الخطاب الكارثي، والتركيز على الحلول الممكنة. مثل تطوير النقل المستدام، والمشروعات الزراعية الذكية مناخيا….
كيف يمكن للإعلام العلمي والمناخي العربي أن يسهم في بناء وعي جماهيري مستدام تجاه قضايا المناخ بعد مرور عقد على اتفاق باريس؟
يمكن ان نحدد فترة بناء وعي مناخي مستدام عبر الإعلام العلمي العربي بعد عشر سنوات من اتفاق باريس فبعد عقد من اتفاق باريس، لم يعد التحدي هو الإقناع بوجود الأزمة، بل ترسيخ فهم عميق ومستدام يقود إلى العمل.
أولاً: من الطارئ إلى الدائم من خلال التعامل مع التغير المناخي كواقع يومي يؤثر في الاقتصاد، والصحة، والأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي.
ثانياً: مقاربة ربط المناخ بالهموم المعيشية على مستوى الصحة. الربط بين تلوث الهواء الناتج عن الوقود الأحفوري وأمراض الجهاز التنفسي. ثم جانب الاقتصاد بإبراز فرص العمل في مجالات الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر. هذا فضلاً عن الأمن المائي والغذائي عبر توضيح كيف يؤدي الإجهاد المائي إلى ارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار.
ثالثاً: مقاربة التعليم عبر البيانات المحلية باستخدام بيانات الأرصاد والبحوث العربية لإبراز تطور الظواهر المناخية محليا (موجات الحر، نقص التساقطات…).
رابعاً: توسيع دائرة المتحدثين وذلك بإشراك المهندسين، والمزارعين، والنساء، والشباب، وأصحاب المبادرات المحلية في الخطاب المناخي، إلى جانب العلماء وصانعي القرار.
هل نجح الإعلام المناخي خلال مؤتمرات المناخ السابقة في إيصال صوت الجنوب العالمي إلى صناع القرار، وما الذي يجب تغييره في بيليم؟
الحديث عن صوت بلدان الجنوب في الإعلام المناخي وتوقعات مؤتمر بيليم (COP30) وهل نجح الجنوب في إيصال صوته؟
الجواب نعم جزئيا يمكن ان نحدد جوانب التقدم مم خلال وسائل الإعلام الدولية التي باتت تبرز بشكل أكبر شهادات وتحليلات من بلدان الجنوب، خصوصا خلال الكوارث المناخية.
القصص الإنسانية حول المتضررين من المناخ أصبحت أكثر حضورا. وهذا بات واضحا من مواكبتنا للإعلام عامة. لكن هناك جوانب القصور. يمكن تناولها من كون الجنوب يقدم غالبا كـ”ضحية” أو “طالب للدعم”، وليس كشريك يمتلك حلولا أو معارف تقليدية.
ضعف التمثيل: الصحفيون والخبراء من الشمال يهيمنون على النقاشات، بينما يواجه إعلاميو الجنوب عراقيل تمويلية ولوجستية. ثم تجاهل التنوع. لا يتم التمييز بين واقع الدول الجزرية الصغيرة والدول النفطية أو الأقل نموا.
إذن ما الذي ينبغي تغييره في مؤتمر بيليم (COP30)؟
على مستوى الإعلام، يجب تشجيع الشراكات التحريرية بين إعلام الشمال والجنوب لإنتاج محتوى متوازن. وإبراز الابتكارات والحلول المناخية القادمة من الجنوب. وتمويل برامج تدريب لتمكين الصحفيين من الجنوب من تغطية المؤتمرات. ثم على منظمي المؤتمر والأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية. تسهيل وصول الإعلاميين من الجنوب. وتخصيص فضاءات تمكن المجتمعات المحلية والسكان الأصليين (خصوصا في الأمازون) من التعبير المباشر أمام الإعلام العالمي.
ما هي الرسائل الأهم التي ينبغي أن يركز عليها الصحفيون العلميون العرب في تغطية COP30 لتقريب القضايا المناخية من المواطن العربي؟
هناك عدة الرسائل الأساسية للصحفيين العلميين العرب في تغطية COP30. لتحقيق تغطية فاعلة ومؤثرة لدى الجمهور العربي، ينبغي التركيز على المحلية والملاءمة الإقليمية.. من هنا على اعتبار مؤتمر بيليم فرصة اقتصادية للعالم العربي. يجب إعادة صياغة التحول المناخي كفرصة للتنويع الاقتصادي، وخلق فرص العمل، والريادة في مجالات الطاقة الشمسية، والرياح، والهيدروجين الأخضر، وإدارة المياه.
نقطة اخرى مهمة هو أن التكيف مسألة بقاء لذلك يجب تسليط الضوء على الحلول الواقعية في المنطقة من قبيل الزراعة الذكية مناخيا، التحلية بالطاقة المتجددة، الخطط الوطنية لمواجهة موجات الحر ونقص المياه. ثم التركيز على التمويل والعدالة المناخية بشرح مفهوم “الخسائر والأضرار” وأهميته للدول العربية الهشة مناخيا (مصر، السودان، اليمن…)، ومتابعة التزامات الدول الغنية وآليات توظيفها محليا.
وبما أن العالم العربي فاعل مناخي. يجب تحليل ومساءلة خطط المساهمات المحددة وطنيا (NDCs) للدول العربية من حيث التنفيذ والتمويل والطموح. وإبراز الدول الرائدة والمتأخرة.
نقطة أخرى تتجلى في المناخ والصحة عبر إظهار العلاقة المباشرة بين ارتفاع الحرارة والأمراض، وانتشار الحشرات الناقلة، وتدهور جودة الهواء وتأثير ذلك على حياة الناس. وعليه فمن خلال هذه الزوايا، يمكن للصحافة العلمية العربية أن تحول مؤتمر الأطراف (COP30) من حدث دبلوماسي بعيد إلى قضية حياتية تمس المواطن العربي مباشرة، في معيشته اليومية، واقتصاده، ومستقبل أجياله. على أساس أن الصحافة المناخية هي جسر بين المعرفة والفعل، وبين القرار العالمي والتحرك المحلي.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز