العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
الدكتور قاسم زكي: التنوع الحيوي ليس ترفًا بيئيًا، بل شرطًا لبقاء الإنسان على الأرض
شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 14 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
الدكتور قاسم زكي:
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في حماية الغابات وإدارة مواردها على نحو مستدام؟
تلعب الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية دورًا محوريًا في حماية الغابات وإدارتها المستدامة، نظرًا لارتباطها التاريخي والروحي والمعيشي بهذه النظم البيئية. تمتلك هذه المجتمعات معرفة بيئية متوارثة عبر الأجيال حول النباتات والحيوانات، ودورات المطر، وأساليب الزراعة والرعي والصيد المتوازنة مع الطبيعة. هذه المعرفة تُعد أساسًا مهمًا لإدارة الموارد بشكل لا يؤدي إلى استنزافها.
كما تقوم المجتمعات المحلية بدور الحارس المباشر للغابات، فهي أول من يلاحظ أي تغيرات مثل القطع الجائر، أو الحرائق، أو التعديات الصناعية. مشاركتها في مراقبة الغابات واتخاذ قرارات الإدارة يعزز الحماية ويقلل من النزاعات. وتُظهر التجارب العالمية أن الغابات التي تُدار من قبل السكان الأصليين غالبًا ما تكون أقل تدهورًا وأكثر استقرارًا من الغابات المحمية إداريًا فقط.
إضافة إلى ذلك، تساهم هذه المجتمعات في تطوير نماذج اقتصادية قائمة على الاستخدام المستدام مثل جمع المنتجات غير الخشبية (كالراتنجات والعسل والألياف)، والسياحة البيئية، والحرف التقليدية، مما يحقق عائدًا اقتصاديًا دون الإضرار بالغابات. ومن ثم، فإن دعم حقوق هذه الشعوب في الأرض والموارد، وتعزيز مشاركتها في صنع القرار، يعد خطوة حاسمة لضمان استدامة الغابات وحماية التنوع الحيوي.
كيف يمكن لآليات التمويل المناخي أن تدعم مشاريع استعادة الغابات، لا سيما في المناطق الجافة وشبه الجافة في العالم العربي؟
يمكن لآليات التمويل المناخي أن تلعب دورًا أساسيًا في دعم مشاريع استعادة الغابات في المناطق الجافة وشبه الجافة بالعالم العربي، حيث تتعرض هذه النظم البيئية للتدهور بسبب الجفاف، والاحتطاب، والرعي الجائر. أولًا، يتيح التمويل المناخي الوصول إلى موارد مالية من صناديق دولية مثل *الصندوق الأخضر للمناخ (GCF)* و*آلية التنمية النظيفة*، مما يساعد الحكومات والمجتمعات على تنفيذ مشروعات التشجير وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة.
ثانيًا، يمكن توجيه التمويل إلى *تطوير تقنيات ري مقتصدة للمياه* (كالري بالتنقيط واستغلال مياه الصرف المعالجة) واستخدام *أنواع نباتية محلية مقاومة للملوحة والجفاف، بما يضمن استدامة الغطاء النباتي وعدم فقدانه عند تغيّر الظروف المناخية. كما يمكن للتمويل دعم برامج **إدارة المراعي* وتنظيم الرعي لضمان نمو الغطاء النباتي الطبيعي.
ثالثًا، يمكن للآليات المناخية تشجيع المجتمعات المحلية على المشاركة، من خلال *نظم الحوافز* مثل الدفع مقابل خدمات النظام البيئي (PES)، حيث تحصل المجتمعات على مقابل مالي نظير حماية الغابات والحد من تدهورها.
وأخيرًا، يساعد التمويل المناخي في بناء القدرات الوطنية عبر التدريب، وإعداد الخرائط البيئية، وتطوير نظم المتابعة والاستشعار عن بُعد، ما يضمن استعادة الغابات بطريقة علمية ومستدامة طويلة الأجل.
إلى أي مدى تعتبر حماية الغابات والتنوع الحيوي جزءًا لا يتجزأ من أمننا الغذائي والمائي؟ وكيف يمكن لمؤتمر بيليم إبراز هذا الترابط؟
تُعد حماية الغابات والتنوع الحيوي ركنًا أساسيًا من أركان الأمن الغذائي والمائي، إذ تعمل الغابات كنظم بيئية تنظم دورة المياه، وتُسهم في زيادة الأمطار، وحماية التربة من التعرية، والحفاظ على خصوبتها. فكلما تدهورت الغابات تراجعت قدرة الأرض على إنتاج الغذاء، وازدادت مخاطر الجفاف والفيضانات. كما تمثل الغابات خزانًا وراثيًا ضخمًا للنباتات البرية القريبة من المحاصيل الزراعية، وهي مصدر أساسي لاستنباط أصناف جديدة مقاومة للأمراض والجفاف، مما يجعل التنوع الحيوي ضروريًا لاستدامة الإنتاج الزراعي في ظل تغير المناخ.
أما من حيث الأمن المائي، فالغابات تعمل كـ«مصافي طبيعية»، حيث تنقّي المياه الجوفية وتحد من التبخر، وتحافظ على تدفق الأنهار والينابيع. ولذلك فإن تدهور الغابات يؤدي مباشرة إلى ندرة المياه وتدهور جودتها.
يمكن لمؤتمر *بيليم* إبراز هذا الترابط من خلال تركيزه على:
* دمج سياسات الغابات في استراتيجيات الأمن الغذائي والمائي.
* عرض تجارب ناجحة لبرامج إعادة التشجير المرتبطة بتحسين الزراعة.
* تعزيز دور الشعوب المحلية في إدارة الموارد الطبيعية.
* ربط التمويل المناخي بمشروعات حماية التنوع البيولوجي التي تخدم إنتاج الغذاء والمياه.
وبذلك يتحول الحديث من حماية الغابات كقيمة بيئية مجردة إلى كونها *ضرورة وجودية لأمن الإنسان ومعيشته*.
وأخيرًا، ما الرسالة البيئية الأهم التي يجب أن يخرج بها مؤتمر بيليم للعالم: حماية الأمازون، أم إطلاق اتفاق عالمي جديد للتنوع البيولوجي؟
الرسالة البيئية الأهم التي يجب أن يخرج بها *مؤتمر بيليم* ليست مفاضلة بين حماية غابة الأمازون أو إطلاق اتفاق عالمي جديد للتنوع البيولوجي، بل الجمع بينهما في رؤية واحدة تُؤكد أن *الأمازون رمزٌ كوني للتنوع الحيوي ومسؤولية مشتركة للبشرية جمعاء*. فحماية الأمازون تعني حماية رئة الكوكب ومصدر ثلث الأوكسجين العالَمي، وهي أيضًا نموذج حيّ لما يجب أن يشمله أي اتفاق عالمي جديد للتنوع البيولوجي من التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ.
لكن الأهم من الشعار هو *التحرك الفعلي نحو عدالة بيئية شاملة*، تعترف بدور الدول النامية في حفظ التنوع الطبيعي رغم محدودية مواردها، وتُلزم الدول الصناعية بتمويل الانتقال الأخضر وحماية الغابات المدارية من التدمير التجاري.
وعليه، يجب أن يخرج مؤتمر بيليم برسالة تقول:
“إن حماية الأمازون هي البداية العملية لاتفاق عالمي جديد من أجل الحياة على الأرض.”
فالمطلوب ليس وثيقة إضافية، بل *عهد بيئي عالمي* يُجدد التزام الإنسانية بحماية التنوع الحيوي، باعتباره الأساس لاستقرار المناخ، والأمن الغذائي، والمستقبل المشترك لجميع الكائنات.
قراءة بفكر الدكتور قاسم زكي
يقدّم الدكتور قاسم زكي رؤية علمية واقعية وإنسانية ترى أن حماية التنوع الحيوي والغابات ليست مجرد قضية بيئية، بل أساس وجودي لاستقرار المناخ والأمنين الغذائي والمائي. فكره يجمع بين المنظور الإيكولوجي والبعد التنموي، ويؤكد أن استدامة الموارد الطبيعية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية وحقوق المجتمعات المحلية. محاور التحليل تشمل:
1. تمكين المجتمعات المحلية: يُبرز بوضوح دور الشعوب الأصلية والمجتمعات الريفية كـ “حراس طبيعيين للغابات”، مستندًا إلى المعرفة التقليدية المتوارثة، ويرى أن مشاركتهم في صنع القرار والإدارة الميدانية تقلل التدهور وتحقق استدامة حقيقية. حيث يربط هذا النهج بمفاهيم الاقتصاد الأخضر المحلي مثل المنتجات غير الخشبية والسياحة البيئية.
2. التمويل المناخي واستعادة الغابات: يقدّم تصورًا عمليًا لتوظيف آليات التمويل الدولية (GCF، CDM) لدعم استعادة الغابات العربية، عبر: الري الذكي والمياه المعالجة، الأنواع المحلية المقاومة للجفاف، برامج الدفع مقابل الخدمات البيئية (PES). ويركّز على إشراك المجتمعات المحلية ضمن هذه البرامج كوسيلة لربط التمويل بالعدالة والمشاركة.
3. الترابط بين التنوع الحيوي والأمنين الغذائي والمائي: يرى أن الغابات هي العمود الفقري للأمن الغذائي والمائي، لأنها تنظّم دورة المياه، وتمنع تآكل التربة، وتحافظ على الخصوبة الوراثية للنباتات. ويدعو إلى دمج سياسات الغابات ضمن استراتيجيات الأمن الغذائي والمائي الوطنية – طرح متقدّم يربط البيئة بالسياسات الاقتصادية والزراعية.
4. رسالة مؤتمر بيليم (COP30): يطرح رؤية شمولية تعتبر أن حماية الأمازون يجب أن تكون بداية لعهد بيئي عالمي جديد يجمع بين حماية التنوع الحيوي والعدالة المناخية. ويدعو إلى اتفاق دولي أكثر إلزامية يعترف بدور الجنوب العالمي ويمكّنه من التمويل للحفاظ على موارده.
خلاصة فكره “التنوع الحيوي ليس ترفًا بيئيًا، بل شرطًا لبقاء الإنسان على الأرض؛ فالغابات تحمي المناخ، والمناخ يحمي الغذاء والماء، والمجتمعات هي صمام الأمان لاستدامتها.” والانطباع العام أن أسلوب الدكتور قاسم علمي متين، يجمع بين التحليل الوراثي البيئي والرؤية السياسية العادلة، ويقدّم نموذجًا متوازنًا يجسر بين العلم، المجتمع، والسياسات الدولية.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز