أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 13

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

بروفسور ليلى ماندي: صوت المرأة في المناخ ليس صرخة ألم، بل قوة اقتراح وقيادة.

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 15 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

بروفسور ليلى ماندي.
الأمينة العامة وعضو مؤسس للمعهد الدولي الانتقال المستدام في أفريقي

كيف يمكن إدماج صوت النساء والفتيات في صنع القرار المناخي — ليس فقط كضحايا، بل كقائدات وصانعات حلول خضراء؟
أولاً، من الضروري أن نغيّر الصورة النمطية التي تحصر النساء والفتيات في خانة “الضحايا” في مواجهة تغيّر المناخ. في الواقع، النساء يُظهرن يوميًا قدرة هائلة على الابتكار والمقاومة، خاصة في المجتمعات المحلية الريفية حيث تُدار الموارد الطبيعية أساسًا من قِبلهنّ.
لقد أثبتت التجارب التي عُرضت في مؤتمرات الأطراف السابقة — مثل منصة “Gender Day” في COP27 بشرم الشيخ — أن إدماج النساء كقائدات يضاعف من فعالية الاستراتيجيات المناخية. هناك مبادرات ملموسة مثل مشروع “Solar Sister” في إفريقيا الشرقية، حيث تقود النساء شبكات توزيع الطاقة الشمسية في القرى، مما وفر آلاف الوظائف الخضراء وخفّض الانبعاثات.
كذلك، برنامج “Women for Results” ضمن مبادرة Momentum for Change التابعة للأمم المتحدة أبرز أكثر من 80 تجربة نسائية ناجحة في الطاقة والزراعة المستدامة.
إدماج صوت النساء يتطلب أيضًا تخصيص حصص تمثيلية في وفود التفاوض الوطنية، وضمان مشاركتهنّ في اللجان التقنية، مع بناء قدرات حقيقية في مجالات مثل إدارة الكربون، الاقتصاد الأخضر، وتمويل المشاريع المناخية. بمعنى آخر، الحل ليس رمزيًا بل مؤسساتيًّا وهيكليًّا.

هل تَعتبرين أنّ التمويل المناخي القائم حاليًا عادل من منظور النوع الاجتماعي؟ وكيف يمكن ضمان أن تصل التمويلات إلى المشاريع التي تقودها النساء في المجتمعات المحلية؟
بصراحة، لا. التمويل المناخي القائم حاليًا غير عادل من منظور النوع الاجتماعي. التقارير الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وعن صندوق المناخ الأخضر (GCF) تؤكد أن أقل من 10% من التمويل المناخي العالمي يصل إلى المبادرات التي تقودها النساء. وغالبًا ما تُقصى الجمعيات النسائية الصغيرة بسبب التعقيدات الإدارية والمتطلبات التقنية الصارمة. الحل يكمن في تبسيط مسارات التمويل وإنشاء نوافذ تمويل جندرية (Gender-responsive funding windows) داخل الصناديق الوطنية والإقليمية.
هناك تجارب مشجعة مثل تحالف GAGGA (Global Alliance for Green and Gender Action)، الذي يموّل مشاريع نسائية محلية صغيرة من خلال منح مباشرة، وأثبت أن المشاريع المجتمعية الصغيرة تحقق أثرًا ملموسًا بتكاليف أقل. كذلك، في COP28 بدبي، تم إطلاق مبادرة “Women in Climate Entrepreneurship” لتمويل رائدات الأعمال في الطاقة المتجددة والزراعة الذكية.
هذا النموذج يمكن نسخه وتعميمه على المستوى العربي عبر صناديق وطنية مصغّرة، وبرامج دعم فني لمساعدة النساء على إعداد مقترحات مشاريع مطابقة لمعايير المانحين.

إلى أي مدى يمكن أن يشكل مؤتمر بيليم فرصة لتأسيس “ميثاق عالمي للمساواة المناخية بين الجنسين” يربط بين حقوق المرأة وحقوق الأرض؟
أعتقد أن مؤتمر بيليم يشكل لحظة تاريخية حقيقية يمكن أن تدفع نحو ميثاق عالمي للمساواة المناخية بين الجنسين.
بيليم تقع في قلب الأمازون، رمز الأرض الأم، وموطن لمجتمعات نسائية أصلية لطالما حمت الغابات والتنوع البيولوجي. الربط بين حقوق المرأة وحقوق الأرض ليس شعارًا بل هو اعتراف بأن العدالة المناخية لا يمكن أن تتحقق بدون عدالة اجتماعية وجندرية.
لدينا سوابق مهمة يمكن البناء عليها:
في COP25 بمدريد، تم اعتماد خطة العمل المعززة للجندر (Gender Action Plan). وفي COP27، تم الاعتراف لأول مرة رسميًا بـ“الخسائر والأضرار” كقضية عدالة مناخية. الآن، يجب أن يكون COP30 في بيليم هو المؤتمر الذي يربط بين الاثنين: أن نقرّ بأن فقدان الأراضي، والمياه، والغابات يعني أيضًا فقدان النساء لحقوقهن الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن للميثاق أن يتضمن التزامات دولية واضحة: تمثيل نسائي في هيئات القرار، تمويل مشاريع تقودها النساء، وحماية حقوقهن في الأرض والموارد.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الإعلاميات البيئيات في نقل قصص النساء المتأثرات بالمناخ من الميدان إلى قاعات التفاوض؟
الإعلاميات البيئيات يلعبن دورًا أساسيًا في تحويل الصوت المحلي إلى قوة سياسية عالمية.
من خلال الصحافة الميدانية والسرد القصصي الإنساني، يتم نقل تجارب النساء من القرى والمزارع والمناطق الساحلية إلى فضاءات التفاوض الدولية. هذا ما رأيناه مثلًا مع شبكة “Climate Tracker” التي دعمت صحفيات شابات لتغطية COP27 وCOP28، وقد أنتجن تقارير أثّرت فعلاً في مسارات الحوار حول العدالة المناخية.
كذلك، منصة “UN Women Climate Voices” تسلط الضوء على قصص نساء من مناطق منكوبة بالجفاف أو الفيضانات، وقد أصبحت هذه الشهادات تُستخدم كدلائل في المرافعات الدولية حول حقوق الإنسان والمناخ.
الإعلاميات يمكن أن يكنّ جسرًا بين الميدان والسياسة: يوثّقن، يقدّمن الأدلة، وينقلن الصورة الواقعية بعيدًا عن الخطابات الرسمية.
أعتقد أن إنشاء شبكة عربية للصحفيات البيئيات سيُحدث فرقًا كبيرًا في إيصال صوت نساء المنطقة، خاصة من المناطق الهشة بيئيًا مثل الساحل الإفريقي والمغرب العربي والشرق الأوسط.

كيف يمكن للسياسات الوطنية في العالم العربي أن تتبنى مفهوم “التمكين المناخي للمرأة” ضمن استراتيجيات التكيف والتخفيف؟
في نظري، التمكين المناخي للمرأة يجب أن يُصبح عنصرًا مدمجًا بشكل منهجي داخل السياسات الوطنية وليس مجرد مبادرة جانبية.
لدينا فرصة لأن نُعيد صياغة المساهمات المحددة وطنياً (NDCs) لتتضمّن أهدافًا ومؤشرات واضحة تراعي الجندر، مثل نسبة مشاركة النساء في المشاريع الخضراء، وعدد المشاريع بقيادة نسائية الممولة من الصناديق الوطنية.
بعض الدول العربية بدأت في هذا الاتجاه:
 المغرب مثلاً دمج مقاربة النوع في استراتيجيته الوطنية للمناخ، وهناك مشاريع بقيادة نسائية في مجال إعادة استخدام المياه والاقتصاد الدائري.
 الأردن أطلق برنامج “المرأة والمناخ” ضمن خطط وزارة البيئة لتمكين رائدات الأعمال في الطاقة الشمسية.
 مصر خلال رئاستها لـCOP27 أطلقت منصة “African Women Climate Adaptation Initiative”.
في المرحلة القادمة، أرى ضرورة إنشاء مرصد عربي للتمكين المناخي للمرأة لتتبع الإنجازات والتمويلات وتبادل الخبرات، وكذلك تخصيص برامج تدريب إقليمية لإعداد “خبيرات المناخ العربيات” في مجالات التفاوض، التمويل، والتحليل العلمي.

في الختام رأيي، النساء لسن هامشاً في العمل المناخي، بل هنّ العمود الفقري للحلول المستدامة.
من القرى الإفريقية إلى المدن العربية، ومن الأمازون إلى الواحات، النساء هنّ من يحفظن الموارد، ويبدعن في الزراعة، والطاقة، والمياه.
مؤتمر بيليم يجب أن يكون نقطة تحوّل حقيقية نحو مناخ أكثر عدلاً ومساواة، حيث يُسمع صوت المرأة لا كصرخة ألم، بل كقوة اقتراح وقيادة.

قراءة بفكر الدكتورة ليلى ماندي:
فكر الدكتورة ليلى ماندي يعكس رؤية نسوية تقدمية تنتمي إلى مدرسة “العدالة الجندرية المناخية”، وتجمع بين التحليل البنيوي والسياسي والتمكين المجتمعي العملي. يمكن تلخيصه وتحليله على النحو الآتي:

من الضحية إلى القائدة
ترفض الدكتورة ليلى الصورة النمطية للمرأة كـ“ضحية للمناخ”، وتطرح بديلًا يقوم على المرأة كصانعة حل ومبتكرة خضراء. تربط بين التمكين المعرفي والاقتصادي للنساء وبين فعالية السياسات المناخية، مستشهدة بنماذج حقيقية مثل (Solar Sister) و (Women for Results)، ما يدل على توجهها التطبيقي القائم على الأدلة (Evidence-based Feminism).

العدالة التمويلية الجندرية
تنتقد بوضوح هيمنة النمط الذكوري على تمويل المناخ، مشيرة إلى أن أقل من 10% من التمويلات تصل إلى النساء، وتدعو لإنشاء نوافذ تمويل جندرية محلية وإقليمية. منهجها هنا يجمع بين الواقعية المالية والعدالة الاجتماعية، وتستشهد بتجارب مثل (GAGGA) و(Women in Climate Entrepreneurship) لتوضيح فعالية التمويل الموجَّه مباشرة إلى القواعد المجتمعية النسائية.

الميثاق العالمي للمساواة المناخية
تتبنى ليلى ماندي طرحًا طموحًا يدعو إلى إنشاء “ميثاق عالمي للمساواة المناخية بين الجنسين” في مؤتمر بيليم، يربط بين حقوق المرأة وحقوق الأرض. هذا الربط الفلسفي والسياسي بين “الأنثوي والبيئي” يعكس انتماءها لتيار الإيكوفيمينزم (Ecofeminism) الذي يرى أن استغلال البيئة والتمييز ضد المرأة ينبعان من نفس المنظومة الاقتصادية الذكورية غير العادلة.

الإعلاميات البيئيات كقوة تغيير
تمنح أهمية كبيرة للإعلاميات البيئيات باعتبارهن صوت الميدان في المفاوضات الدولية، وتشيد بتجارب (Climate Tracker وUN Women Climate Voices.) وتقترح تأسيس شبكة عربية للصحفيات البيئيات لنقل قصص النساء المتأثرات بالمناخ، وهو تصور استراتيجي لتوطين السرد المناخي العربي من منظور النوع الاجتماعي.

إدماج الجندر في السياسات الوطنية
تركّز على دمج التمكين المناخي للمرأة داخل الاستراتيجيات الوطنية للتكيف والتخفيف، لا كبرامج هامشية بل كمؤشرات إلزامية ضمن الـNDCs.، تدعو إلى مرصد عربي للتمكين المناخي للمرأة لمتابعة التمويلات والإنجازات، ما يعكس مقاربة مؤسسية ممنهجة بعيدة عن الرمزية.

الخلاصة الفكرية
• فكر ليلى ماندي يجمع بين النسوية البيئية، والتمويل العادل، والمشاركة السياسية.
• تنظر إلى المرأة كفاعل في التنمية البيئية لا كموضوع دعم.
• تربط العدالة الجندرية بالحوكمة البيئية، وتحوّلها من شعار أخلاقي إلى إطار سياسات متكامل.
• وتلخّص رؤيتها في عبارتها الختامية:
• صوت المرأة في المناخ ليس صرخة ألم، بل قوة اقتراح وقيادة.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *