أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 14

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

الدكتور صابر عثمان: المستقبل مرهون بقدرتنا على تحويل المعرفة إلى التزام، والالتزام إلى أثر، والأثر إلى عدالة

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 15 نوفمبر 2025
بينما تستعد مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، لاستضافة الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

الدكتور صابر محمود عثمان:
رئيس مجلس أمناء مؤسسة مناخ أرضنا للتنمية المستدامة

ما أبرز الرهانات العالمية المطروحة أمام مؤتمر COP30، وهل يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل بعد مرور عقد على اتفاق باريس؟
يشكّل مؤتمر COP30 لحظة استثنائية في مسار العمل المناخي العالمي، ليس فقط لأنه يأتي بعد عشر سنوات على اتفاق باريس، بل لأنه يُعدّ محطة يترقّبها المجتمع الدولي لإعادة تقييم جدوى الاتفاق ذاته في ظل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق للمرة الثانية، والأوضاع الاقتصادية العالمية، خاصة تراكم المديونية على الدول النامية. ولهذا يعد الرهان الأكبر في هذه الجولة الجديدة متمثلًا في المساهمات الوطنية المحدَّثة التي ستقدمها الدول بنهاية عام 2025 أو ما يعرف بNDCs 3.0، والتي يُفترض أن تشهد مستوى أعلى من الطموح بما يتسق مع هدف الحد من الاحترار العالمي عند ٢ درجة مئوية ويفضل 1.5 درجة مئوية. فبعد الجرد العالمي الأول، بات واضحًا أن الهوة بين ما التزمت به الدول وما يحتاجه العالم ما زالت واسعة، وأن المسار الحالي يقود إلى ارتفاع يتجاوز الأهداف المتفق عليها. ولهذا، يُنظر إلى COP30 باعتباره مؤتمر «التصحيح» الذي يجب أن يترجم فيه المجتمع الدولي خطاب الطموح إلى واقع قابل للقياس والتنفيذ.

كما أن إطلاق ما يعرف بـ “المهمة 1.5″ التي تقودها الترويكا (رئاسات الإمارات وأذربيجان والبرازيل) يمنح المؤتمر طبيعة خاصة، ويجعله اختبارًا لمدى قدرة النظام المناخي الدولي على صياغة جيل جديد من الالتزامات التي لا تقتصر على النصوص، بل تمتد إلى آليات التنفيذ والدعم والمتابعة. وإذا استطاعت الدول التوصل إلى حزمة مترابطة تضم التخفيف والتكيّف وتمويل المناخ، فقد يشكّل COP30 بالفعل نقطة تحوّل تعيد الاتفاق إلى مساره الصحيح. أمّا إذا بقيت الانقسامات على حالها، فسيكون مجرد محطة أخرى في سلسلة المؤتمرات التي تُبقي الأهداف حيّة نظريًا ونتحدث عنها في الكلمات الرسمية التي تلقيها الدول، بينما يتدهور المناخ بوتيرة أسرع.

كيف يمكن لموقع انعقاد COP30 في غابات الأمازون أن يُترجم إلى التزامات واقعية لحماية الغابات والتنوع البيولوجي؟
إن انعقاد المؤتمر في قلب الأمازون، أحد أكبر مخازن الكربون وأغنى مناطق العالم بالتنوع البيولوجي، يضع حماية الغابات على رأس أولويات الأجندة السياسية. فوجود آلاف المفاوضين وممثلي الدول والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في مدينة داخل غابات الأمازون يمنح القضايا البيئية المتصلة بالغابات زخمًا غير مسبوق، ويحوّل الرمز إلى التزام. وفي هذا السياق، يمكن للمؤتمر أن يذهب أبعد من مجرد الاعتراف بأهمية الغابات، ليضع أهدافًا زمنية واضحة لوقف إزالة الغابات المدارية، وربط هذه الأهداف بخطط وطنية تُعنى بتنظيم استخدام الأراضي، وتقوية إنفاذ القانون، وضبط سلاسل التوريد المرتبطة بالزراعة والتعدين.

كما أن الرئاسة البرازيلية للمؤتمر تسعى إلى إطلاق مسار تمويلي ضخم لحماية الغابات من خلال مبادرات دولية جديدة تُوجّه موارد مالية مباشرة نحو جهود الحماية، بما في ذلك تمكين المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية التي لعبت تاريخيًا دورًا محوريًا في صون هذه النظم البيئية. ويمثل حضور هذه المجتمعات في بليم رسالة قوية للمفاوضين حول ضرورة دمج حقوق الفئات المهددة والأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ في القرارات المُناخية، وذلك عبر ضمان وصولهم المباشر للتمويل والتقنيات الداعمة لمعيشتهم. ومن شأن هذا الموقع الفريد للمؤتمر أن يفرض على الدول الصناعية تحديد التزامات أكثر وضوحًا فيما يتعلق بدعم حماية الغابات، لا باعتبارها مجرد آلية للتعويض الكربوني، بل كجزء أساسي من حفظ الاستقرار المُناخي العالمي.

ما الذي يُنتظر من الدول النامية، خصوصًا في المنطقة العربية، لتعزيز مساهماتها الوطنية في العمل المناخي خلال COP30؟
تواجه الدول النامية، ومن بينها الدول العربية، لحظة حاسمة في صياغة الجيل الجديد من المساهمات الوطنية التي يجب أن تكون أكثر طموحًا ووضوحًا، وأن تعبّر عن تقدّم ملموس مقارنة بالإصدارات السابقة. المطلوب اليوم ليس فقط الإعلان عن أهداف كمية لخفض الانبعاثات، بل تقديم مسارات واقعية ومستندة إلى سياسات واضحة، مع توضيح الركائز الاقتصادية والاجتماعية الداعمة لهذه المسارات. وفي المنطقة العربية تحديدًا، تبرز أهمية الربط بين التخفيف من الانبعاثات وتعزيز القدرة على التكيف مع موجات الجفاف وندرة المياه وارتفاع الحرارة، وزيادة موجات الطقس المتطرف، وهي تحديات أصبحت ملموسة في المدن والقطاعات الزراعية والمائية.

كما يُنتظر من الدول العربية تطوير خطط تكيّف وطنية متكاملة، والانتقال من مرحلة «الاستراتيجيات» إلى مرحلة «البرامج» القابلة للتنفيذ، بالإضافة إلى تحسين شفافية بيانات الانبعاثات، وتطوير قدرات إعداد الجرد الوطني وفق الأنظمة الجديدة للشفافية الدولية. وفي الوقت نفسه، من حق هذه الدول أن تربط رفع طموحها بتوفير آليات التنفيذ من تمويل ونقل للتكنولوجيا وبناء للقدرات، خصوصًا أن تحقيق أهداف الطاقة المتجددة والنقل المستدام وتحلية المياه منخفضة الانبعاثات يتطلب استثمارات ضخمة لا يمكن للدول النامية تحملها بمفردها.

هل يمكن لـ COP30 أن يحقق اختراقًا حقيقيًا في ملف التمويل المناخي لصالح المجتمعات الأكثر تضررًا؟
يبقى التمويل المناخي الملف الأكثر حساسية في المفاوضات، وهو الاختبار الحقيقي لقدرة العالم على تحقيق العدالة المُناخية. فبعد الإعلان عن هدف مالي جديد للفترة المقبلة، يتطلع الجميع إلى أن يتحوّل هذا الهدف إلى خريطة طريق تنفيذية تضمن التزامًا سنويًا ثابتًا وشفافًا، وأن تُعاد هيكلة التمويل بحيث يصل فعلًا إلى الدول والمجتمعات الهشّة دون المرور بأعباء الديون أو تعقيدات الوصول. ومن المتوقع أن يشهد مؤتمر COP30 نقاشات واسعة حول كيفية مضاعفة التمويل المتاح لمشروعات التكيّف، وتقليل الاعتماد على القروض، وزيادة حجم المنح والدعم الموجّه للمجتمعات المحلية، لا سيما في البلدان التي تواجه ارتفاعًا في مستوى سطح البحر أو موجات حرّ شديدة أو شحًّا مائيًا متفاقمًا.

ورغم أن التوصل إلى «اختراق كامل» يظل صعبًا في ظل التباينات السياسية والاقتصادية بين الشمال والجنوب، إلا أن المؤتمر قد يحقق تقدمًا مهمًا إذا نجح في تثبيت آليات واضحة للغاية، مثل معايير توزيع التمويل، وتحديد الفئات الأكثر أولوية، وتبسيط إجراءات صندوق الخسائر والأضرار كي يصل إلى المستفيدين بسرعة وفعالية. وإذا تمكنت الدول من الاتفاق على هذه الخطوات، فسنكون أمام بداية مسار جديد يمنح الأمل للمجتمعات التي تحمّلت العبء الأكبر من التغيرات المناخية دون أن تكون مسؤولة عن أسبابها.

قراءة بفكر الدكتور صابر محمود عثمان
كما يتضح من إجاباته، يعكس رؤية تحليلية متقدمة تستند إلى منهج علمي واقعي يوازن بين الطموح المناخي والقدرة المؤسسية للدول النامية. يمكن تلخيص وتحليل رؤيته في أربعة محاور رئيسية:

. قراءة استراتيجية لمسار اتفاق باريس (من الطموح إلى التصحيح)
يرى الدكتور عثمان أن COP30 يمثل لحظة “تصحيح المسار” بعد عشر سنوات من اتفاق باريس، في ظل إخفاق العالم في سد فجوة الطموح المناخي. تحليله يقوم على منطق المراجعة الهيكلية: أي أن المؤتمر يجب ألا يكتفي بتجديد الالتزامات، بل أن يربطها بآليات التنفيذ والمتابعة الفعلية. ويُبرز أهمية النسخة الثالثة من المساهمات الوطنية المحدّثة (NDCs 3.0) بوصفها الاختبار الحقيقي لقدرة الدول على التحول من الوعود إلى النتائج القابلة للقياس. دكتور عثمان يتبنّى موقفًا نقديًا بنّاءً تجاه النظام المناخي الدولي، معتبرًا أن الخطاب السياسي لم يعد كافيًا، وأن المطلوب هو “حوكمة الالتزام”، أي أن يصبح كل وعد من الدول مصحوبًا بخطة تنفيذ زمنية ومؤشرات متابعة.

الأمازون كمنبر للالتزام البيئي لا كرمز جغرافي
يربط الدكتور عثمان موقع المؤتمر في غابات الأمازون بضرورة تحويل الرمزية البيئية إلى التزام مؤسسي وتمويلي.
فهو يرى أن انعقاد المؤتمر في قلب الغابات يجب أن ينتج عنه خطة عالمية محددة زمنياً لوقف إزالة الغابات المدارية وربطها بسياسات استخدام الأراضي والرقابة على سلاسل الإمداد الزراعية.
هذا الطرح يتجاوز “الاحتفاء بالغابات” إلى دمجها في الاقتصاد العالمي كعنصر من عناصر استقرار المناخ، ويُعيد الاعتبار للمجتمعات الأصلية بوصفها شريكًا في الحماية لا مجرد مستفيد من الدعم. فكر الدكتور عثمان هنا ينتمي إلى مدرسة “البيئة الاجتماعية” التي تربط التنوع البيولوجي بالعدالة المجتمعية.

المساهمات الوطنية العربية: من التصريحات إلى السياسات
يرى أن الدول العربية أمام منعطف حاسم: لم تعد المرحلة تتطلب إعداد “استراتيجيات” بل برامج تنفيذية قابلة للقياس.
يشير إلى ضرورة الدمج بين التخفيف (mitigation) والتكيّف (adaptation) ضمن إطار اقتصادي واقعي،
ويركّز على أهمية تحسين شفافية البيانات وتطوير القدرات الوطنية لإعداد الجرد الكربوني.
عثمان يتبنى رؤية “التحول الهيكلي في إدارة المناخ” وليس مجرد التزامات شكلية. كما يربط رفع الطموح المناخي في الدول العربية بشرط موضوعي هو توفير التمويل ونقل التكنولوجيا، ما يعكس فهمه العميق لعدم تكافؤ الشمال والجنوب في القدرات التنفيذية.

التمويل المناخي كمعيار العدالة لا كأداة تفاوض
يعتبر الدكتور عثمان أن ملف التمويل هو المعيار الحقيقي لصدقية العدالة المناخية. فهو لا يطالب بزيادته فقط، بل بإعادة هيكلته بحيث يصل مباشرة إلى المجتمعات المحلية دون أن يتحول إلى ديون جديدة. ويرى أن تبسيط آليات صندوق الخسائر والأضرار يمثل خطوة محورية، إذ لا يمكن تحقيق العدالة المناخية ما لم تُترجم الأموال إلى مشاريع واقعية تُحسّن حياة الفئات الأكثر هشاشة. رؤيته هنا تجمع بين العمق الاقتصادي والبعد الأخلاقي، إذ يطرح مفهومًا قريبًا من “التمويل الإنساني للمناخ”، الذي لا يقيس النجاح بحجم المبالغ المرصودة، بل بمدى وصولها إلى الميدان.

خلاصة فكر الدكتور صابر عثمان
• مؤتمر بيليم ليس مؤتمراً للبيئة فحسب، بل اختبارًا للحوكمة العالمية.
• العدالة المناخية لديه ليست شعاراً، بل معيارًا لتوازن النظام الدولي.
• الحلول يجب أن تكون شاملة ومترابطة: تخفيف + تكيّف + تمويل + إشراك المجتمعات المحلية.
• يقدّم نموذج تفكير عربي ناضج يمزج بين المعرفة العلمية والدبلوماسية المناخية الواقعية،
• ويرى أن المستقبل مرهون بقدرتنا على تحويل المعرفة إلى التزام، والالتزام إلى أثر، والأثر إلى عدالة.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *