العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
الدكتور داني جورج العبيد: الذكاء الاصطناعي وتحالفات الجامعات، مع القطاع الخاص، والمجتمع المدني في صميم مستقبل العمل المناخي في المنطقة.
شبكة بيئة أبوظبي ، بيليم، البرازيل، 15 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
الدكتور داني جورج العبيد:
أستاذ جامعي وخبير بيئي، جمهورية لبنان
هل تعتقدون أن المجتمع المدني بات جزءًا من الحل في قضية التمويل المناخي، عبر شراكات مبتكرة ومبادرات مجتمعية لتمويل المشاريع الخضراء؟
لطالما اضطلع المجتمع المدني بدور محوري في رفع الوعي، والمناصرة، ومراقبة السياسات العامة، لكنه لم يكن في العادة جهة تمويل أو مصدرًا مباشرًا للموارد المالية. ومع ذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة تفرض على هذا القطاع أدوارًا جديدة أكثر جرأة وابتكارًا، خصوصًا في ظل فجوة التمويل المناخي بين الشمال والجنوب، وتأخر تدفق الأموال إلى المشاريع الصغيرة والمجتمعية.
إنّ على منظمات المجتمع المدني اليوم أن تستكشف آليات تمويل بديلة وغير تقليدية (non-mainstream)، كاستخدام التمويل الجماعي (Crowdfunding)، والشراكات المحلية المصغّرة، وآليات “التمويل القائم على النتائج”، أو حتى برامج المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات.
وربما يكون الأهم هو أن يتحول المجتمع المدني إلى جسر ثقة بين الممولين والجهات المحلية، بحيث يضمن أن الأموال تُستخدم في مشاريع واقعية وشفافة تساهم في تحسين سبل العيش وتخفيف الانبعاثات وتعزيز الصمود أمام التغير المناخي. هذا التحول يتطلب بناء قدرات مؤسساتية، ومهارات مالية، وإطارًا تنظيميًا يسمح بتجربة أدوات تمويل مبتكرة تليق بحجم التحدي المناخي العالمي.
كيف يمكن للمنظمات البيئية العربية أن توحّد خطابها ومواقفها داخل مؤتمر بيليم لتشكيل “صوت عربي واحد” في مواجهة التحديات المناخية العالمية؟
من الصعب الحديث عن «منظمات بيئية عربية» ككتلة واحدة، نظرًا لتنوّع السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. لكن هذا التنوع يمكن أن يشكّل مصدر قوة إذا ما أُدير بطريقة صحيحة. المطلوب اليوم ليس وحدة مطلقة في الرأي، بل تناغم في الاتجاه العام، أي القدرة على صياغة موقف عربي مشترك يعبّر عن أولويات المنطقة: الأمن المائي والغذائي، التصحر، تدهور الأراضي، وغياب العدالة في التمويل المناخي.
لكي يتحقق هذا الهدف، ينبغي على المنظمات العربية أن تتجاوز العمل القطري الضيق نحو منصات إقليمية تنسيقية، تتيح تبادل المعلومات وتوحيد الخطاب الإعلامي وتنسيق المداخلات داخل مؤتمرات الأطراف (COP). كما يجب إعداد أوراق موقف مشتركة قبل مؤتمر بيليم تعبّر عن الرؤية العربية الموحدة، مع توثيق قصص النجاح المحلية التي تُظهر كيف يمكن للمجتمعات العربية أن تكون جزءًا من الحل لا من المشكلة.
بكلمة أخرى، نحتاج إلى دبلوماسية مدنية عربية في الميدان المناخي، قادرة على إيصال الصوت العربي إلى العالم بلغة علمية ومقنعة، تستند إلى المعرفة والحقائق لا إلى الشعارات.
ما أهمية بناء التحالفات بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات لتسريع الابتكار المناخي المحلي؟ وهل يمكن لمؤتمر بيليم أن يعزز هذه الشراكات؟
يشكل التعاون بين هذه الجهات الثلاث ما يمكن تسميته بـ «المثلث الذهبي للابتكار المناخي». فكل طرف يمتلك عنصرًا حيويًا في منظومة الحل:
•القطاع الخاص يمتلك الموارد المادية والقدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات وحلول عملية قابلة للتوسع.
•الجامعات ومراكز الأبحاث تملك المعرفة العلمية والتقنيات الحديثة والقدرة على تحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات المناخية.
•المجتمع المدني يمثل البعد الإنساني والميداني، فهو الأقرب إلى الناس وإلى واقع المجتمعات المحلية التي تتأثر مباشرة بالتغير المناخي.
عندما تتقاطع هذه القوى، يمكننا تحقيق نتائج مضاعفة: مشاريع ريادية، حلول تكنولوجية خضراء، تدريب للشباب، وتطبيق فعلي للعلوم على الأرض.
مؤتمر بيليم يمكن أن يشكّل منصة مثالية لإطلاق هذه الشراكات العربية – من خلال جلسات جانبية، مذكرات تفاهم، أو منصات تمويل مشتركة – شرط أن نذهب إليه برؤية واضحة لما نريد تحقيقه، لا بمجرد رغبة في الحضور الرمزي.
كيف يمكن للمجتمع المدني أن يستفيد من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي لتعزيز حملاته في التوعية والمناصرة المناخية؟
لقد غيّرت التكنولوجيا الرقمية شكل العمل المناخي في العالم، والمجتمع المدني العربي أمام فرصة حقيقية للاستفادة منها بطرق متعددة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح عين المجتمع المدني لرصد الالتزامات المناخية ومراقبة الانتهاكات البيئية، من خلال تحليل صور الأقمار الاصطناعية، ورصد إزالة الغابات، وتتبع الانبعاثات أو مشاريع الطاقة غير النظيفة.
كذلك، تتيح الأدوات الرقمية الحديثة للمجتمع المدني الانتقال من “التوعية العامة” إلى “المناصرة الدقيقة”، أي استخدام البيانات الضخمة لتوجيه الرسائل نحو صُنّاع القرار، وأعضاء البرلمانات، والشركات الكبرى، والجمهور المستهدف، وفق اهتماماتهم، ومواقعهم.
ومن المهم أيضًا تطوير أدوات عربية تفاعلية – مثل الخرائط المناخية المحلية، أو التطبيقات التعليمية للشباب – تُسهم في تعزيز الفهم الشعبي للتغير المناخي بطريقة مبسطة وعصرية.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتمكين المجتمع المدني العربي من أن يكون أكثر تأثيرًا، وأقدر على إيصال صوته في معركة الوعي والمساءلة المناخية التي تتطلب دقة وسرعة وشفافية في الوقت نفسه.
قراءة بفكر الدكتور داني العبيد
يعبّر فكر الدكتور داني العبيد عن مقاربة حداثية مبتكرة للعمل المناخي العربي، تنظر إلى المجتمع المدني لا كفاعل تقليدي في التوعية فقط، بل كـ شريك مؤسسي في التمويل، الابتكار، والتحالفات العابرة للقطاعات.
نهجه يجمع بين التفكير الاستراتيجي والتقني، ويركز على بناء جسور بين المعرفة، التمويل، والمجتمع، مع إيمان عميق بدور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تمكين العمل المناخي.
يرى أن منظمات المجتمع المدني يجب أن تتجاوز دورها الكلاسيكي لتصبح جزءًا من الحل المالي، عبر التمويل الجماعي، الشراكات المحلية، والمسؤولية الاجتماعية للشركات، لتقليص فجوة التمويل المناخي. كما يشير إلى ضرورة بناء الثقة والشفافية بين الممولين والمجتمعات المحلية.
ويدعو الدكتور داني إلى إنشاء دبلوماسية مدنية عربية تعبّر عن أولويات المنطقة (الأمن المائي، التصحر، العدالة التمويلية) ضمن موقف موحد. ويؤكد أن المطلوب ليس التطابق، بل تناغم الاتجاهات والتنسيق الإعلامي من خلال منصات ومواقف مشتركة داخل مؤتمرات المناخ.
ويصف هذا التعاون بـ “المثلث الذهبي للابتكار المناخي”، حيث تتلاقى المعرفة، التمويل، والممارسة لإنتاج حلول خضراء قابلة للتطبيق. ويرى أن مؤتمر بيليم يمكن أن يكون منصة لتأسيس شراكات عربية في هذا الإطار.
يؤكد أن التحول الرقمي يتيح للمجتمع المدني الانتقال من “التوعية العامة” إلى “المناصرة الذكية المبنية على البيانات”، من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية، تتبع الانبعاثات، وإنشاء تطبيقات تفاعلية عربية للشباب.
كما يرى أن التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لتعزيز الشفافية والمساءلة البيئية. لأن “قوة المجتمع المدني في العصر المناخي تكمن في قدرته على الابتكار والتحالف والتقنية؛ فالمعرفة والشراكة والذكاء الاصطناعي هي أدواته الجديدة للتأثير.”
أخير يمكن القول بأن فكر الدكتور داني متجدد واستباقي، يطرح نموذجًا عمليًا لتحوّل المجتمع المدني العربي من دور المراقب إلى دور المحرك الفاعل في التمويل، الابتكار، والمناصرة المناخية الرقمية، واضعًا التكنولوجيا في خدمة العدالة البيئية والمناخية. كما يمكن استخلاص أن رسالته الجوهرية تتمحور حول: “المجتمع المدني العربي يمتلك اليوم فرصة تاريخية ليكون شريكًا حقيقيًا في الحل المناخي، عبر التحالفات الذكية، والتمويل المبتكر، والتكنولوجيا الرقمية التي تحوّل الوعي إلى تأثير فعلي على الأرض.” وأن التحول المناخي لا يتحقق بالمؤتمرات أو الحكومات وحدها، بل عبر قوة المجتمع المدني حين يتسلّح بالمعرفة، التكنولوجيا، والابتكار التمويلي. ويدعو إلى أن يصبح هذا المجتمع جسرًا بين العلم والميدان، وبين التمويل العالمي والاحتياج المحلي، وأن يتكلم بصوت عربي موحّد، مهني، علمي، وشجاع. كما يضع الذكاء الاصطناعي والتحالفات الثلاثية (جامعات–قطاع خاص–مجتمع مدني) في صميم مستقبل العمل المناخي في المنطقة.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز