العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
الأستاذ مصطفى بنرامل: حماية الغابات ليست خيارًا بيئيًا، بل مسؤولية حضارية لحماية الحياة نفسها.
شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 15 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
الأستاذ مصطفى بنرامل:
خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ بالقنيطرة، المملكة المغربية
كيف يمكن لمؤتمر بيليم، وهو المنعقد في بوابة الأمازون، أن يشكل نقطة تحول عالمية في حماية الغابات المطيرة باعتبارها “رئة الأرض”؟
يشكّل مؤتمر بيليم (COP30) المنعقد في قلب الأمازون لحظة تاريخية يمكن أن تُحدث تحولًا عالميًا في مسار حماية الغابات المطيرة، التي تُعد “رئة الأرض” لما توفره من توازن مناخي حيوي وتنظيم لدورة الكربون. فانعقاده في منطقة الأمازون لا يحمل رمزية جغرافية فحسب، بل يُعطي صوتًا للمجتمعات المحلية والشعوب الأصلية التي عانت طويلاً من التهميش رغم كونها الحارس الحقيقي لهذه الغابات.
إنّ مؤتمر بيليم يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتبني مقاربة أكثر عدلاً وشمولاً، ترتكز على العدالة البيئية والمناخية، وتُلزم الدول الصناعية بتحمل مسؤولياتها التاريخية في تمويل جهود الحفاظ على الغابات وتعويض الدول النامية عن الخسائر الناجمة عن إزالة الغطاء الغابوي. كما يتيح هذا المؤتمر فرصة لإرساء آلية دولية أكثر صرامة لمراقبة الانبعاثات الناتجة عن تدمير الغابات، وتحفيز الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر والبدائل المستدامة لقطع الأشجار والزراعة المدمرة.
ومن خلال توافق سياسي عالمي حقيقي في بيليم، يمكن للعالم أن ينتقل من مرحلة الوعود إلى مرحلة الالتزامات القابلة للتنفيذ، بما يعيد الاعتبار للأمازون والغابات الاستوائية الأخرى كعنصر أساسي في إنقاذ الكوكب من الاحترار والانهيار البيئي.
ينبغي للمؤتمر أن يُترجم شعارات حماية “رئة الأرض” إلى التزامات عملية وملزمة، من خلال إنشاء آلية دولية دائمة لتمويل الحفاظ على الغابات، وتعزيز مشاركة الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في صنع القرار، مع ربط السياسات الاقتصادية العالمية بمعايير صارمة تحظر المنتجات المرتبطة بإزالة الغابات. كما يُستحسن اعتماد “ميثاق بيليم للغابات” كإطار عالمي جديد لحماية النظم الإيكولوجية وتعزيز العدالة المناخية.
هل ترون أن اتفاق باريس قد حقق تقدمًا حقيقيًا في الحد من إزالة الغابات؟ وما الذي يجب أن يتغير في بيليم لضمان التزامات أكثر صرامة؟
رغم أن اتفاق باريس لعام 2015 شكّل خطوة تاريخية في توحيد الجهود الدولية لمواجهة التغير المناخي، إلا أن تقدمه في الحد من إزالة الغابات ظل محدودًا وغير كافٍ. فقد ركز الاتفاق أساسًا على خفض انبعاثات الكربون، دون أن يمنح الغابات المكانة المركزية التي تستحقها بوصفها مخزونًا طبيعيًا للكربون وحائط صد أمام الاحترار العالمي. كما أن غياب آليات إلزامية للمتابعة والمساءلة جعل الالتزامات المعلنة من قبل العديد من الدول تظل حبرًا على ورق، في ظل استمرار معدلات إزالة الغابات بوتيرة مقلقة، خاصة في الأمازون وإفريقيا الاستوائية وجنوب شرق آسيا.
ولكي يشكل مؤتمر بيليم نقطة تحول حقيقية، يجب أن يتجاوز الطابع الطوعي الذي ميّز اتفاق باريس نحو التزامات صارمة وقابلة للقياس، تُربط مباشرة بالتمويل المناخي العادل والدعم التقني للدول النامية. كما يتعين اعتماد نظام رقابة دولي شفاف لرصد إزالة الغابات ومساءلة الدول والشركات المسببة لها. إضافة إلى ذلك، ينبغي تمكين الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية من لعب دور محوري في حماية الغطاء الغابوي عبر ضمان حقوقها في الأرض والاستفادة من الموارد بشكل مستدام.
بهذه المقاربة، يمكن لبيليم أن يُعيد الثقة في العمل المناخي الجماعي، ويحول حماية الغابات من مجرد وعود سياسية إلى التزام عالمي فعلي.
كيف يمكن للدول النامية التي تمتلك ثروات غابية ضخمة أن توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على التنوع البيولوجي؟
تواجه الدول النامية التي تمتلك ثروات غابية ضخمة معادلة صعبة بين تحقيق التنمية الاقتصادية وتلبية حاجات شعوبها من جهة، والحفاظ على التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية من جهة أخرى. غير أن هذا التوازن ممكن إذا تم تبني نموذج تنموي مستدام يجعل من الغابات رافعة للتنمية بدل أن تكون ضحية لها.
يمكن لهذه الدول أن تستثمر في الاقتصاد الأخضر والسياحة الإيكولوجية وإنتاج الطاقة المتجددة بدل الاعتماد على القطاعات المدمرة للبيئة مثل قطع الأشجار الجائر والزراعة التوسعية. كما أن تثمين خدمات النظم البيئية – مثل امتصاص الكربون وتنقية المياه – عبر آليات مالية دولية كـ”دفع مقابل الخدمات البيئية” (PES) يمكن أن يوفر موارد مالية بديلة دون المساس بالغطاء الغابوي.
من جهة أخرى، يجب إدماج المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية في إدارة الغابات واستفادتها من عوائدها، ما يعزز الحماية المستدامة ويحد من الاستغلال غير القانوني. كما يتعين على المجتمع الدولي دعم هذه الدول بالتمويل والتكنولوجيا والخبرة، حتى لا تضطر للتضحية بمواردها الطبيعية في سبيل النمو الاقتصادي السريع.
بهذه الرؤية المتكاملة، يمكن للدول النامية أن تحقق تنمية شاملة تحفظ كرامة الإنسان وتوازن النظم البيئية في آن واحد مما يؤدي للحفاظ على كل مكونات كوكب الأرض وتنوعه البيولوجي.
كيف يمكن لموقع المؤتمر في غابات الأمازون أن يُترجم إلى التزامات واقعية لحماية الغابات والتنوع البيولوجي؟
إن انعقاد مؤتمر الأطراف COP30 في بيليم، على أبواب غابات الأمازون، يمنحه رمزية قوية وفرصة فريدة لتحويل الخطاب البيئي إلى التزام واقعي وملموس. فالموقع نفسه يُعد تذكيرًا حيًّا بما هو على المحك: أكبر نظام غابوي على وجه الأرض، ومصدر للحياة والتنوع البيولوجي العالمي. هذا القرب الجغرافي من “قلب الأمازون” يمكن أن يُحفّز القادة على اتخاذ قرارات أكثر جرأة ومسؤولية أمام الواقع الماثل أمام أعينهم.
لتحقيق ذلك، ينبغي أن تُترجم رمزية المكان إلى إعلانات التزام محددة، مثل إنشاء “صندوق الأمازون العالمي” لتمويل حماية الغابات وتعويض الشعوب الأصلية عن جهودها في صونها. كما يجب أن يُعتمد ميثاق بيليم للتنوع البيولوجي، يضع أهدافًا واضحة لوقف فقدان الأنواع وتدمير المواطن الطبيعية بحلول عام 2030.
إضافة إلى ذلك، يمكن للمؤتمر أن يطلق مبادرات للتعاون الإقليمي بين دول حوض الأمازون في مجال المراقبة البيئية المشتركة ومكافحة الحرائق والتصدي للأنشطة غير القانونية كقطع الأشجار والتهريب.
بهذه الطريقة، يصبح موقع بيليم أكثر من مجرد اختيار رمزي، بل منصة لإطلاق التزامات عملية تضمن أن تبقى الأمازون والغابات الأخرى إرثًا حيًا للأجيال القادمة.
توصيات ختامية:
1. اعتماد “ميثاق بيليم للغابات والمناخ” كإطار دولي ملزم يهدف إلى حماية الغابات المطيرة والتنوع البيولوجي، مع تحديد أهداف كمية ومواعيد زمنية واضحة.
2. إطلاق صندوق تمويل دائم لدعم الدول النامية الغنية بالغابات، يضمن تمويلاً عادلاً ومستدامًا لبرامج الحماية، ويعوّض المجتمعات المحلية عن الخسائر الناتجة عن القيود المفروضة على استغلال الموارد.
3. تعزيز دور الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في الحوكمة البيئية باعتبارها الفاعل الأول في الحفاظ على النظم الإيكولوجية، وضمان حقوقها في الأرض والمعيشة الكريمة.
4. إدماج الاقتصاد الأخضر والابتكار البيئي في السياسات التنموية الوطنية، بهدف تحقيق توازن حقيقي بين النمو الاقتصادي وصون البيئة.
5. إنشاء آلية مراقبة ومساءلة دولية شفافة لتتبع التزامات الدول والشركات الكبرى في ما يتعلق بإزالة الغابات والانبعاثات المرتبطة بها.
6. تعزيز التعاون بين دول الأمازون والدول الإفريقية والآسيوية التي تواجه تحديات مماثلة، لتبادل الخبرات وتوحيد المواقف في المحافل الدولية.
بهذه التوصيات، يمكن لمؤتمر بيليم أن يتحول من محطة رمزية إلى نقطة انطلاق تاريخية نحو عدالة مناخية وحماية حقيقية لرئة الأرض.
قراءة بفكر مصطفى بنرامل:
يرى مصطفى بنرامل أن مؤتمر بيليم (COP30) هو لحظة مفصلية يمكن أن تغيّر مسار العمل المناخي العالمي إذا نجح في تحويل حماية الغابات، وفي مقدمتها الأمازون، من شعار رمزي إلى التزام فعلي. فالغابات في فكره ليست مجرد منظومة بيئية، بل هي “رئة الأرض” ومصدر الحياة الذي ينظم المناخ ويوازن دورة الكربون، وبالتالي فإن الحفاظ عليها يعني حماية الكوكب والإنسان معًا.
يدعو بنرامل إلى ميثاق بيليم للغابات والمناخ كإطار دولي ملزم يربط بين العدالة البيئية والتمويل المناخي العادل، ويُلزم الدول الصناعية بتحمّل مسؤولياتها التاريخية عن الانبعاثات. كما يشدد على ضرورة تمكين الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية التي تعيش في الغابات، فهي الحارس الحقيقي للنظم الإيكولوجية وركيزة أي خطة مستدامة لحماية التنوع البيولوجي.
في رؤيته، لا تنمية اقتصادية حقيقية دون توازن بيئي، ولا عدالة مناخية دون مساءلة ومتابعة. لذا يدعو إلى نموذج تنموي أخضر يجعل من الغابات رافعة للاقتصاد، من خلال الاستثمار في السياحة الإيكولوجية، والطاقة المتجددة، وآليات الدفع مقابل الخدمات البيئية. ويؤكد أن نجاح مؤتمر بيليم لن يُقاس بما يُعلن من أرقام، بل بقدر ما يُترجم من التزامات واقعية على الأرض، تجعل من الأمازون رمزًا عالميًا للانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة الفعل المناخي العادل.
خلاصة فكره
يرى مصطفى بنرامل أن مستقبل المناخ لن يُنقذ بالخطابات ولا بالمؤشرات، بل بـتغيير جذري في العلاقة بين الإنسان والطبيعة. رسالته الجوهرية: حماية الغابات ليست خيارًا بيئيًا، بل مسؤولية حضارية لحماية الحياة نفسها — الإنسان هو الحارس، والغابة هي القلب.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز