العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:
الدكتور محمد يعقوبي خبيزة: لا حلول للتغيرات المناخية دون تقوية قدرات صمود الانظمة الهشة.
شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 16 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.
الدكتور محمد يعقوبي خبيزة:
أستاذ باحث في علوم البيئة، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم السملالية مراكش، المملكة المغربية
كيف يمكن لمؤتمر بيليم، وهو المنعقد في بوابة الأمازون، أن يشكل نقطة تحول عالمية في حماية الغابات المطيرة باعتبارها “رئة الأرض”؟
يمكن لمؤتمر المناخ أن يشكل نقطة تحول عالمية في حماية الغابات عبر عدة آليات رئيسية، نذكر مها تعزيز الالتزامات الدولية لخفض الانبعاثات التي تسبب تدهور المساحات الغابوية، وتخصيص تمويل مستدام لحماية الغابات عبر مبادرات مثل صندوق حماية الغابات الاستوائية. كما يمكنه التركيز على رفع الوعي العالمي بأهمية الحفاظ على الغابات وربطها بأهداف المناخ وتضمين الحماية في استراتيجيات التنمية المستدامة على مستوى الأطراف الموقعة لإنفاقية المناخ، ووضع اتفاقيات ملزمة لإنهاء إزالة الغابات وزيادة المساحات الخضراء. وايضا الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، فيمكن للمؤتمر أن يموّل الأبحاث التي تهدف إلى فهم النظم البيئية الغابوية بشكل أعمق، مما يسهم في تطوير استراتيجيات حماية أكثر فعالية.
هل ترون أن اتفاق باريس قد حقق تقدمًا حقيقيًا في الحد من إزالة الغابات؟ وما الذي يجب أن يتغير في بيليم لضمان التزامات أكثر صرامة؟
للأسف الشديد، لا، لم يحقق اتفاق باريس تقدمًا حقيقيًا وملموسًا في الحد من تدهور الغابات حتى الآن، بل تركز أهدافه الرئيسية على خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكل عام. يرى بعض الخبراء أن الاتفاق يفتقر إلى آليات فعالة لوقف إزالة الغابات، وأن مبادرات مثل “خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها” (REDD+) يمكن أن تشكل عامل قلق لأنها قد نعفي مسؤولية الشركات الكبرى المسببة للإزالة نحو المجتمعات المحلية وتُسهل استمرار بعض الممارسات غير المسرولة تجاه الغابات.
إذا كان مفاوضو المناخ المجتمعون في بيليم، البرازيل مهتمين حقا بوقف خسارة الغابات ووضع تغير المناخ تحت السيطرة فإنه ينبغي لهم أن يوقفوا العمل بمبادرة “خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها”، وأن يعكفوا على معالجة الأسباب الأساسية لهذه المشاكل.
كيف يمكن للدول النامية التي تمتلك ثروات غابية ضخمة أن توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على التنوع البيولوجي؟
يمثل تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والتنوع البيولوجي تحديًا كبيرًا للدول النامية بسبب ارتباطهما الوثيق. بحيث يعتمد النمو الاقتصادي على الموارد الطبيعية ومكونات النظم البيئية، والإخلال بهذه الموارد وهذه النظم له انعكاسات سلبية على التنمية، بينما يمكن أن توفر حماية التنوع البيولوجي فرصًا للتنمية المستدامة، لا سيما في قطاعات مثل “الاقتصاد الأزرق” و”الاقتصاد الأخضر”. ويتطلب هذا التوازن تحولًا نحو سياسات مبتكرة تعتمد على التقنيات النظيفة، وتخفيض استهلاك الموارد، ووضع تشريعات بيئية قوية، وتعزيز التعاون الدولي، وتحقيق التنمية المستدامة التي تفك الارتباط بين النمو والضرر البيئي.
في ضوء تسارع فقدان الأنواع بمعدل غير مسبوق، ما هي الآليات الواقعية التي يمكن أن يعتمدها COP30 لحماية الأنظمة البيئية الهشة؟
تتضمن الآليات الواقعية لحماية النظم البيئية الهشة مزيجًا من الإجراءات القانونية والتشريعية، مثل تقوية القوانين البيئية وإبرام الاتفاقيات الدولية؛ والتقنية، كإجراء دراسات تأثير البيئة على المشاريع؛ والاجتماعية والاقتصادية، مثل توعية المجتمعات المحلية وتعزيز الوعي البيئي وزيادة المساحات الخضراء.
هل تعتقدون أن مبادرات “صافي الصفر إزالة الغابات” قابلة للتحقق دون تغيير جذري في أنماط الاستهلاك العالمية؟
في اعتقادي الشخصي، وانطلاقاُ من التجارب الميدانية، لا، فمبادرات صافي الصفر لإزالة الغابات لا يمكن التحقق منها دون تغيير جذري في أنماط الاستهلاك العالمية، لأن هذه المبادرات تعتمد على تقليل الضغوط على الغابات الناتجة عن الاستهلاك البشري. يتطلب إيقاف إزالة الغابات تغييرات كبيرة، مثل تقليل استهلاك المنتجات المسببة لها مثل الزيوت النباتية، واستخدام الخشب المستدام، وتقليل هدر الورق.
كيف يمكن دمج الحلول القائمة على الطبيعة في سياسات الدول لتحقيق التكيف المناخي وحماية التنوع الحيوي؟
نعم، يمكن دمج الحلول القائمة على الطبيعة في سياسات الدول لتحقيق التكيف المناخي وحماية التنوع الحيوي. تعتبر هذه الحلول إجراءات لحماية النظم البيئية أو إدارتها أو استعادتها بشكل مستدام لمواجهة التحديات المجتمعية، مع تحقيق فوائد بيئية واقتصادية واجتماعية وبشرية ملموسة في الوقت نفسه. كيف ذلك؟ من خلال الاستثمار في إدارة الموارد الطبيعية، وذلك عبر تتبنى الدول سياسات لحماية الموارد الطبيعية وإدارتها بشكل مستدام، مثل الحفاظ على الغابات والمناطق الرطبة والشعاب البحرية. وإدراج هذه الحلول في خطط العمل المناخي، بحيث يمكن للحكومات دمج الحلول القائمة على الطبيعة في خططها الوطنية للتكيف مع تغير المناخ، حيث يمكنها أن تساهم في تحقيق جزء من خفض الانبعاثات المطلوب بموجب اتفاقية باريس. وايضا تشجيع الأنشطة المستدامة: عبر تشجيع الأنشطة مثل الزراعة المستدامة، و”المسارات الخضراء” في المدن، وإعادة تأهيل السواحل لحماية المجتمعات والموائل الطبيعية. واخيرا توفير التمويل اللازم، من خلال تخصيص الحكومات للموارد المالية من أجل دعم تنفيذ هذه الحلول على نطاق أوسع، خاصة في المناطق التي تعاني من تدهور المساحات الخضراء.
قراءة بفكر الدكتور محمد يعقوبي خبيزة:
تكشف إجابات الدكتور محمد يعقوبي عن رؤية بيئية نقدية وعميقة تتعامل مع قضايا الغابات والتنوع الحيوي والمناخ بمنظور شامل يجمع بين السياسة الدولية والتنمية المستدامة والعدالة البيئية. ومن خلال تحليله لاتفاق باريس، وتقييمه لدور مؤتمر بيليم، وطرحه لخيارات حماية الأنظمة البيئية، يبرز توجه فكري واعٍ بجذور المشكلات البيئية العالمية وبالحلول الواقعية التي تتطلب إصلاحًا في السياسات والاستهلاك والتنمية. وفي هذا التحليل المختصر، نعرض أهم ملامح هذا الفكر كما تعكسها إجاباته.
رؤية نقدية للحوكمة المناخية الدولية
يتبنى الدكتور يعقوبي موقفًا نقديًا تجاه أداء الاتفاقيات الدولية مثل اتفاق باريس، حيث يرى أنها لم تحقق تقدمًا حقيقيًا في وقف إزالة الغابات، وأن بعض الآليات مثل REDD+ قد تخدم الشركات الكبرى أكثر مما تخدم المجتمعات.
هذا يكشف عن فكر واعٍ بتعقيدات الحوكمة المناخية وبالعلاقات غير المتكافئة داخلها.
مركزية حماية الغابات باعتبارها ركيزة مناخية عالمية
يرى أن مؤتمر بيليم يمكن أن يكون نقطة تحول عبر: تعزيز الالتزامات العالمية، التمويل المستدام، الابتكار والبحث العلمي، اتفاقيات ملزمة لوقف إزالة الغابات. ما يعكس فكرًا استراتيجيًا يربط بين الغابات والاستقرار المناخي العالمي.
التنمية البيئية المتوازنة
يطرح رؤية متقدمة للدول النامية قائمة على: الاقتصاد الأخضر والأزرق، التقنيات النظيفة، خفض استهلاك الموارد، تشريعات بيئية قوية. وذلك لتجاوز النمو التقليدي الذي يعتمد على استنزاف الموارد.
حماية التنوع البيولوجي عبر آليات متعددة الأبعاد
يعقوبي لا يختزل حماية الأنظمة البيئية في القوانين فقط، بل يعتبرها عملية تشريعية–تقنية–اجتماعية تتطلب: قوانين حازمة، تقييمات بيئية، وعي مجتمعي، زيادة المساحات الخضراء. ما يدل على رؤية شاملة تتعامل مع البيئة كنظام مترابط.
نقد أنماط الاستهلاك العالمي
يؤكد أن “صافي الصفر إزالة الغابات” غير واقعي دون تغيير جذري في أنماط الاستهلاك، خصوصًا: الزيوت النباتية، منتجات الخشب، الورق. فكره هنا بنيوي، يرى المشكلة في نمط الحياة العالمي لا فقط في السياسات.
إيمان قوي بالحلول القائمة على الطبيعة
يعتبرها ركيزة للتكيف وحماية التنوع الحيوي، ويدعو إلى: استعادة النظم البيئية، دمج الحلول الطبيعية في خطط المناخ الوطنية، تشجيع الزراعة المستدامة، توفير التمويل الحكومي. هذا يعكس توجهًا عمليًا يعترف بقوة الطبيعة كأداة للمرونة المناخية.
خلاصة فكر الدكتور محمد يعقوبي يتسم بـ:
نقد للآليات الدولية – دفاع قوي عن الغابات – رؤية متوازنة للتنمية – توجه شامل لحماية التنوع – إدراك لدور الاستهلاك العالمي – إيمان بالحلول الطبيعية.
تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز