أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 23

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

الدكتور أحمد الشهبوني: ضرورة انتقال المجتمع المدني من الحضور الرمزي إلى الفعل الاحترافي، عبر خبراء مستقلين، وتمويل نزيه، ورقابة صارمة.

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 16 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

الدكتور أحمد الشهبوني
أستاذ جامعي والرئيس المؤسس لمركز التنمية لجهة تانسيفت، مراكش، المملكة المغربية.

كيف يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تجعل حضورها في مؤتمر بيليم أكثر تأثيرًا في صياغة القرارات المناخية، وليس مجرد حضور رمزي أو شكلي؟
لقد سبق لي أن حضرت عدة مؤتمرات للمناخ ولاحظت عن كتب أن هنالك فجوة كبيرة بين الخطاب والإجراءات العملية؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع، سواء قادة البلدان المسؤولة عن ارتفاع درجة الحرارة أو مسؤولي البلدان ضحايا التحولات المناخية خصوصا في أفريقيا وفي الجزر، عن ضرورة التدخل السريع للحد من إنتاج ثاني أوكسيد الكاربون حفاظا على الحياة في الأرض خصوصا بالنسبة للأجيال القادمة. في نفس الوقت نجد أن وتيرة استعمال الوقود الأحفوري في تزايد وبعض مناجم الفحم يعاد فتحها من جديد، زيادة على عدم الالتزام المالي المتفق عليه في باريس وما بعدها لتعويض الأضرار والتكيف بالنسبة للبلدان ضحايا التحولات المناخية. وينبغي الإشارة أن بلدان العالم الغنية والملوثة لا تجد حرجا في تمويل الحروب وصرف الملايين في إنتاج أسلحة الدمار.

عودة للمجتمع المدني:
لاحظت سابقا أن العديد من جمعيات المجتمع المدني في بلدان العالم الثالث يكون حضورها رمزيا اللهم بعض الوقفات الإحتجاجية ورفع شعارات التنديد وأعتقد أنه إذا أرادت منظمات المجتمع المدني في وطننا أن يكون لها تأثيرا أكبر في صياغة القرارات المناخية عليها أن تعزز الخطوات التي اتخذتها في السنوات الأخيرة حيث شكلت عدة شبكات قارية وجهوية وأن تعمل بشكل احترافي ومؤسساتي باستقطاب خبراء مختصين يعملون ليس كمتطوعين، بل بشكل دائم ومتواصل حتى يتمكنوا من رصد كل الاختلالات ودراسة كل الوثائق وإعداد التقارير. وهذا يتطلب تعبئة موارد مالية كبيرة ومستقلة عن البلدان والمؤسسات الكبرى المسؤولة عن الثلوث. كما أن خبراء المجتمع المدني مطالبين بتحضير أوراقا دقيقة مبنية على دراسات ميدانية دقيقة وتتقدم باقتراحات واقعية ومحرجة للدول الملوثة.

⁠هل يمتلك المجتمع المدني في المنطقة العربية ما يكفي من الأدوات والموارد للتأثير في مسار المفاوضات الدولية للمناخ؟ وما الذي ينقصه؟
مقارنة مع منظمات المجتمع المدني في الغرب المهتمة بقضايا المناخ أرى أن جمعياتنا في المنطقة العربية لا تتوفر على نفس الأطر العاملة ونفس الإمكانيات المادية، والسبب ليس هو غياب الكفاءات العربية، بل ضعف دعم جل الدول العربية للمجتمع المدني، بل أحيانا التضييق عليه
الشيء الذي يعرقل وجود فرق عمل كفؤة ومختصة تتابع بشكل دائمً كل الإجراءات والتفاصيل المتعلقة بقرارات الهيآت المحلية والدولية المعنية بالمناخ.

⁠في ظل تزايد الفجوة بين التزامات الدول وواقع الانبعاثات، ما الدور الرقابي الذي يمكن أن تضطلع به منظمات المجتمع المدني لضمان المساءلة والشفافية المناخية؟
الدور الرقابي الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني هو تعبئة الفئات المتضررة في بلدانها ضد كل من يساهم في تلوث البيئة، وفضح المؤسسات الصناعية الكبرى التي لا تحترم المواثيق الدولية لاحترام البيئة، وهذا يتطلب تعاون وتنسيق وعمل احترافي. كما عليها أن تطالب بالعدالة المناخية ورفع الضرر الناتج عن ارتفاع درجة الحرارة، وعليها الانخراط في إعداد مساهمات بلدانها في تقارير المناخ. الخلاصة هو انه على جمعيات المجتمع المدني أن تضطلع بدورها الرقابي وتساهم بشكل فعال بالضغط على البلدان الملوثة لكي تلتزم بقرارات مؤتمرات المناخ، سواء المتعلقة منها بخفض إنتاج ثاني أوكسيد الكاربون باعتماد الطاقات النظيفة أو صرف التمويل المتفق عليه لفائدة البلدان ضحايا التحولات المناخية، كما عليها القيام بتتبع الإنجازات ورصد الخروقات.
أما على الصعيد الداخلي فعلى جمعيات المجتمع المدني أن تعبئ الساكنة على كيفية التأقلم مع الكوارث الطبيعية وتضغط على صانع القرار في بلدانها بهدف إشراكها في برامج التنمية وجزر الملوثين في نفس الوقت تشجيع الاقتصاد الأخضر وتحفيز ضريبي لاستعمال الطاقات المتجددة.

كيف يمكن للمجتمع المدني أن يسهم في تمكين الفئات الأكثر هشاشة – النساء، الشباب، المجتمعات الريفية – من التكيف مع آثار التغير المناخي؟
على جمعيات المجتمع المدني أن تعبئ الساكنة على كيفية التأقلم مع الكوارث الطبيعية وتضغط على صانع القرار في بلدانها بهدف إشراكها في برامج التنمية وجزر الملوثين في نفس الوقت تشجيع الاقتصاد الأخضر وتحفيز ضريبي لاستعمال الطاقات المتجددة. كما يمكنها الضغط على الحكومات لإيلاء عناية خاصة للمناطق المعرضة للأخطار بوضع تجهيزات الإنذار المبكر وفرق التدخل السريع لإنقاذ ضحايا الكوارث، ثم العمل على إجلاء سكان المناطق المعرضة للأخطار وإسكانها في مناطق آمنة.

هل تعتقدون أن المجتمع المدني بات جزءًا من الحل في قضية التمويل المناخي، عبر شراكات مبتكرة ومبادرات مجتمعية لتمويل المشاريع الخضراء؟
قضية التمويل تتحملها الدول الصناعية الكبرى المسؤولة عن هذه الكوارث الطبيعية والمجتمع المدني طبعا هو جزء من الحل بتعاون جميع مكوناته وتبادل الخبرات يمكنه إبداع نماذج محلية للتكيف مع المناخ في الفلاحة والطاقة النظيفة على أساس الضغط والعمل على توسيع هاته التجارب الناجحة على صعيد أكبر. كما أن عليه الضغط على حكومات الدول الصناعية الكبرى للالتزام بتنفيذ واجباتها المالية تجاه الدول المتضررة من التحولات المناخية.

قراءة بفكر الدكتور أحمد الشهبوني
يكشف الدكتور أحمد الشهبوني، من خلال إجاباته حول دور المجتمع المدني في مؤتمر بيليم (COP30)، عن رؤية نقدية وعميقة للمنظومة المناخية الدولية، مقرونة بفهم واقعي للتحديات البنيوية التي تواجه منظمات المجتمع المدني في العالم العربي. وتعكس مداخلاته فكرًا يدعو إلى الانتقال من الحضور الرمزي إلى التأثير الفعلي، عبر الاحترافية، والاستقلالية المالية، والقدرة على الرقابة والمساءلة. في هذا التحليل المختصر، نستعرض أبرز الملامح الفكرية التي تقدمها رؤيته للمجتمع المدني كفاعل أساسي في مواجهة التغير المناخي.

نقد فجوة الخطاب والتنفيذ في العمل المناخي العالمي
يرى الشهبوني أن المؤتمرات المناخية، ومنها COP30، تعاني من فجوة كبيرة بين الشعارات والواقع؛ فبينما تتحدّث الدول عن الحد من الانبعاثات، يستمر استهلاك الوقود الأحفوري وتُعاد فتح مناجم الفحم، ولا يتم الالتزام بالتمويل المناخي المتفق عليه. هذا يُظهر فكرًا نقديًا يرفض “الدبلوماسية المناخية الشكلية”، ويطالب بمواءمة الأقوال مع الأفعال.

الدعوة إلى مجتمع مدني محترف وغير تابع
يقدّم الشهبوني رؤية واضحة لرفع دور المجتمع المدني من “حضور رمزي” إلى “حضور مؤثر”، من خلال: بناء شبكات إقليمية وقارية فعّالة. واستقطاب خبراء يعملون بدوام كامل وليس متطوعين فقط. وإعداد تقارير مبنية على دراسات ميدانية دقيقة. وضمان استقلالية مالية عن الجهات الملوِّثة. فكره هنا يدعو إلى احترافية مؤسساتية بدل الناشطية العاطفية.

تشخيص ضعف المجتمع المدني العربي
يشير إلى أن جمعيات المنطقة العربية تفتقر للأدوات مقارنةً بنظيراتها الغربية، ليس بسبب نقص الكفاءات، بل بسبب: ضعف الدعم الحكومي. أحيانًا التضييق على المجتمع المدني. غياب فرق عمل متخصصة تتابع السياسات المناخية باستمرار، هذا يعكس رؤية واقعية للتحديات البنيوية التي يجب معالجتها.

المجتمع المدني كجهة رقابية وضاغطة
يرى الشهبوني أن المجتمع المدني قادر على لعب دور محوري في: فضح الملوِّثين والمؤسسات الصناعية غير الملتزمة. تعبئة الفئات المتضررة للدفاع عن حقوقها البيئية. المطالبة بالعدالة المناخية وتمويل التكيف. متابعة تنفيذ الدول لالتزاماتها المناخية، يطرح بذلك مفهوم الرقابة الشعبية للمناخ كجزء من منظومة الشفافية والمساءلة.

تمكين الفئات الهشّة وتقديم حلول عملية
يربط الشهبوني العمل المناخي بقضايا العدالة الاجتماعية، من خلال: تعليم المجتمعات كيفية التكيف مع الكوارث. الضغط لإقامة أنظمة إنذار مبكر وتجهيزات تدخل سريع. إعادة إسكان سكان المناطق المعرضة للخطر. دعم الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر. فكره هنا يتجه نحو مناخ يخدم الإنسان قبل السياسة.

موقفه من التمويل المناخي: المسؤولية على الدول الصناعية
يرى أن التمويل المناخي واجب على الدول الصناعية المسببة للأزمة، بينما دور المجتمع المدني: ابتكار نماذج محلية للتكيف. وتعزيز الشراكات بين مكونات المجتمع. والضغط على الدول الغنية للوفاء بالتزاماتها المالية. إنه طرح يجمع بين الواقعية الحقوقية والضغط السياسي المنظم.

الخلاصة يتبلور فكر الدكتور أحمد الشهبوني في أربعة مبادئ رئيسية: نقد صريح لعدم التزام الدول، تمكين مجتمع مدني محترف، تعزيز الرقابة والمساءلة، ربط العدالة المناخية بتمكين الفئات الهشّة.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *