أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 25

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

أ.د. علي آل ابراهيم: إنّ العدالة المناخية لن تتحقق إلا بربط المسؤولية المجتمعية بالحوكمة المناخية، وتحويلها من مبادرة أخلاقية إلى أداة استراتيجية للتمويل والابتكار، تُسهم في بناء اقتصاد عربي أخضر وعادل يوازن بين الربح والاستدامة، وبين الإنسان والكوكب.

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 17 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

أ.د. علي آل ابراهيم:
خبير دولي في المسؤولية المجتمعية والتنمية المستدامة،
نائب رئيس مجلس إدارة الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، دولة قطر.

كيف يمكن للقطاعين العام والخاص في الدول العربية تحويل المسؤولية المجتمعية من مبادرات تطوعية إلى التزامات مناخية قابلة للقياس ومربوطة مباشرة بآليات الشفافية العالمية التي سيعتمدها مؤتمر بيليم؟
تحويل المسؤولية المجتمعية من نشاط تطوعي إلى التزامات قابلة للقياس: لتحقيق هذا التحوّل يجب أن تُقدّم الحكومات إطاراً تنظيمياً واضحاً يربط بين تقارير الاستدامة للشركات ومتطلبات الشفافية في المخرجات الدولية، بحيث لا تبقى مبادرات الشركات مجرد صور حميدة بل عناصر منضبطة ضمن منظومة وطنية. بمعنى عملي، يمكن للبلدان اعتماد “معايير وطنية للالتزام المناخي المؤسسي” تُلزِم الشركات الكبرى بالإفصاح الدوري عن انبعاثاتها المباشرة وغير المباشرة، وخططها للتخفيض، ومؤشرات أداء مرتبطة بالأهداف الوطنية، مع تدرّج تحفيزي يتضمن حوافز ضريبية أو تفضيلاً في العقود الحكومية للشركات الملتزمة. أما دور بيليم فيمكن أن يكون إطلاق إعلان دولي يدعو لربط CSR بمقاييس MRV المعتمدة دولياً، ما يعطي هذه الالتزامات صفة قبول دولي ويشجّع المستثمرين الدوليين على استخدام الامتثال للمسؤولية المجتمعية كمؤشر ائتماني واستثماري. هذا يغيّر المشهد: المسؤولية لا تُقاس بشعاراتٍ أو ساعات تطوع، بل بنتائج قابلة للقياس تُترجم إلى امتيازات تنظيمية وتمويلية للشركات الجادة.

مع تسارع تأثيرات المناخ على سلاسل الإمداد، هل ينبغي على الشركات أن تُدرج “بصمتها المناخية الخارجية” — أي الانبعاثات الناتجة عن مورديها أو عملياتها في دول أخرى — ضمن مسؤوليتها المجتمعية، استنادًا إلى ما سيناقشه مؤتمر بيليم حول النزاهة المناخية؟
إدراج البصمة المناخية الخارجية للمورّدين ضمن مسؤولية الشركات: الشق الأخلاقي والبيئي لهذه الفكرة قوي، ولكن تحويلها إلى سياسة عملية يتطلب آليات محاسبية واضحة ومرنة. على الشركات أن تتبنّى منهجيات سلسلة القيمة الكربونية (supply-chain carbon accounting) وتدخل هذه التكاليف ضمن تقاريرها وموازناتها البيئية، مع توجيه سياسات الشراء لتعزيز مورّدين ذوي بصمة منخفضة. الحكومات يمكن أن تسرّع هذا التوجه عبر شروط في مناقصاتها وبتقديم حوافز للمشتريات الخضراء، كما يمكن لبيليم أن يروج لإطار دولي يضغط على المشتري الدولي ليسأل عن “البصمة المدمجة” لكل منتج، وبالتالي تشجيع الشركات العربية على إعادة تصميم سلاسل التوريد بصورة تقلل الانبعاثات في الدول الأخرى. عمليًا، هذا يتطلب قدرات تحقق ومراجعة طرف ثالث، وبرامج تمويل للموردين الصغار لتحديث ممارساتهم، وإلا ستؤدي المتطلبات إلى إقصاء الموردين الأضعف اقتصادياً — لذا يجب أن تُرفق السياسات برامج دعم وانتقال عادل.

كيف يمكن للمجتمع المدني تطوير نموذج جديد للمساءلة المناخية يقيّم دور الشركات والحكومات ليس فقط في خفض الانبعاثات، بل أيضًا في دعم الفئات الأكثر هشاشة، خاصة أن بيليم يركز على العدالة المناخية وتوزيع التمويل بشكل عادل؟
نموذج مسائلة جديد يقيس الأداء الاجتماعي والبيئي للشركات والحكومات مع التركيز على الفئات الهشة: المساءلة هنا لا تقتصر على حساب الأطنان من الكربون، بل تشمل فحص تأثير السياسات والمشروعات على الناس الأكثر عرضة للخطر. لبناء هذا النموذج، ينبغي للدول والجهات المانحة والمجتمع المدني الاتفاق على مؤشرات مزدوجة تقيس كلاً من “خفض الانبعاثات” و”تحسين قدرة التكيّف” لدى الفئات الضعيفة، ومن ثم ربط تمويل المشاريع وسمعة الشركات بهذه المؤشرات. كما أن المجتمع المدني يمكن أن يُنشئ منصات تقييم مجتمعية مستقلة تنشر تقارير تأثير دورية تتضمن شهادات ميدانية وأدلة رقمية، ما يجعل المساءلة متعددة الأبعاد: الشفافية التقنية والتتبع الاجتماعي. يتيح هذا النموذج توجيه جزء من مسؤولية الشركات نحو تمويل برامج الحماية الاجتماعية، التدريب، والبنى التحتية المقاومة للمناخ، وبالتالي تضطلع المسؤولية المجتمعية بدور تكاملي بين الحد من الانبعاثات وتعزيز العدالة المناخية.

هل يمكن أن يطلق مؤتمر بيليم إطارًا عالميًا يربط المسؤولية المجتمعية للشركات بآليات أسواق الكربون، بحيث تتحول CSR من نشاط اجتماعي إلى أداة تمويل مناخي مباشر تطور مشاريع خفض الانبعاثات أو التكيف في المجتمعات المحلية؟
ربط CSR بأسواق الكربون كأداة تمويل مباشر للمشاريع المحلية: لتحويل CSR إلى آلية تمويل مناخي عملية، يمكن تصميم آليات تسمح للشركات بالتزامات مسبقة عبر عقود شراء للنتائج المناخية (Results-Based Contracts) أو عبر إنشاء صناديق استثمارية محلية تشارك فيها الشركات لتمويل مشاريع خفض الانبعاثات أو التكيّف في المجتمعات. على سبيل المثال، بدلاً من دفع تبرعات عامة، تُقفل الاتفاقات على تمويل مشاريع تولّد أرصدة كربونية أو فوائد اجتماعية محددة تُقاس بمعايير معتمدة، ويمكن إدراج هذه الأرصدة ضمن محفظة الشركة كمكون من التزامها البيئي أو حتى استبدالها جزئياً بالتزامات تنظيمية. دور بيليم يمكن أن يكون في اقتراح مبادئ توجيهية تربط بين CSR، جودة الأرصدة، وحوكمة المشاريع المجتمعية، بحيث تُحفظ حقوق المجتمعات المحلية وتُضمن النزاهة. هذا الإطار يحول CSR من نفقات علاقات عامة إلى استثمار مناخي منتج للعوائد البيئية والاجتماعية.

إلى أي مدى يمكن للقطاع الخاص العربي أن يتحول من “مستهلك لحلول المناخ” إلى “منتج للابتكار المناخي”، وما هي المسؤولية المجتمعية الجديدة التي يجب أن يتبناها لإطلاق تكنولوجيا نظيفة، نماذج أعمال خضراء، أو منصات بيانات داعمة للحوكمة المناخية في ضوء مخرجات بيليم؟
تحول القطاع الخاص العربي من مستهلك لحلول المناخ إلى منتج للابتكار المناخي ومسؤولية جديدة تجاه نشر التكنولوجيا: لكي ينتقل القطاع الخاص إلى موقع المنتج والراعي للابتكار، يحتاج إلى رؤية صناعية واضحة مدعومة بسياسات حكومية تسرّع البحث والتطوير، حماية الملكية الفكرية المشجعة للشراكات، وحوافز للتجريب في الأسواق المحلية قبل التصدير. المسؤولية المجتمعية هنا تتعدى التبرعات إلى تبني سياسات “نقل التكنولوجيا المشروطة” التي تلتزم فيها الشركات الكبرى ببناء قدرات محلية عبر شراكات مع جامعات ومصنعين محليين، وتمويل حاضنات تكنولوجية، وتوفير برامج تدريبية تسمح لروّاد الأعمال المحليين بتطوير حلول منخفضة الانبعاثات. كما يجب أن تتضمن هذه المسؤولية التزامًا بقياس أثر هذه التكنولوجيات على المجتمعات والبيئة قبل نشرها على نطاق واسع. بهذا الشكل، يصبح للقطاع الخاص دور محوري في خلق سوق إقليمي للابتكار الأخضر، ويصير الالتزام الاجتماعي مؤشراً تنافسياً للسمعة والقدرة على النمو في اقتصاد ما بعد الكربون.

قراءة بفكر الدكتور علي آل إبراهيم:
يقدّم الدكتور علي آل إبراهيم رؤية فكرية رفيعة تُمثّل تحولًا نوعيًا في فهم العلاقة بين المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR) والالتزامات المناخية العالمية. ففكره ينطلق من قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلّب تجاوز “العمل الطوعي” نحو حوكمة مؤسسية تربط المسؤولية المجتمعية بمؤشرات أداء مناخية قابلة للقياس والتمويل، في إطار من الشفافية الدولية التي يكرّسها مؤتمر بيليم (COP30).

الملخص التحليلي المختصر:
يرى الدكتور آل إبراهيم أن المسؤولية المجتمعية في العالم العربي يجب أن تتحول من مبادرات دعائية إلى التزام مناخي قابل للمساءلة، يندمج ضمن منظومة وطنية ودولية للإفصاح عن الانبعاثات وخطط التكيّف. ويؤكد أن النزاهة المناخية تقتضي أن تشمل الشركات بصمتها الكربونية الخارجية عبر سلاسل الإمداد، مع مراعاة العدالة في انتقال الموردين الصغار نحو ممارسات أكثر استدامة.
كما يدعو إلى نموذج جديد للمساءلة المناخية لا يكتفي بقياس الأطنان المخفَّضة من الكربون، بل يقيّم أثر السياسات على الفئات الأكثر هشاشة، من خلال مؤشرات مزدوجة تجمع بين التخفيف والتكيّف. ويقترح تحويل CSR إلى أداة تمويل مناخي مباشر عبر آليات سوق الكربون وصناديق المشاريع المجتمعية، بحيث تصبح الشركات شريكًا فعليًا في تمويل الحلول المناخية.
وفي رؤيته للقطاع الخاص العربي، يطرح مفهوم “المسؤولية المجتمعية الجديدة” التي تقوم على الابتكار ونقل التكنولوجيا الخضراء، وتمكين رواد الأعمال المحليين لتطوير حلول منخفضة الانبعاثات.

الرسالة التي يوجّهها لمؤتمر بيليم:
إنّ العدالة المناخية لن تتحقق إلا بربط المسؤولية المجتمعية بالحوكمة المناخية، وتحويلها من مبادرة أخلاقية إلى أداة استراتيجية للتمويل والابتكار، تُسهم في بناء اقتصاد عربي أخضر وعادل يوازن بين الربح والاستدامة، وبين الإنسان والكوكب.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *