أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 26

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

المهندس عماد سعد: المساءلة المناخية يجب أن تتجاوز الحدود الوطنية لتصبح مسؤولية عالمية مشتركة تُدار بشفافية متعددة الأطراف.

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 17 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

المهندس عماد سعد:
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، مدير عام شركة نايا للاستشارات، الإمارات العربية المتحدة

كيف يمكن لمؤتمر بيليم أن يضع معيارًا عالميًا يسمح للمجتمع المدني بالوصول المباشر إلى بيانات MRV (القياس، الإبلاغ، التحقق) بحيث لا تبقى شفافية الانبعاثات حكرًا على الحكومات والشركات؟
لتمكين المجتمع المدني من الوصول المباشر إلى بيانات أنظمة القياس والإبلاغ والتحقّق (MRV) يجب أن يُعتمد معيار دولي للبيانات المفتوحة خاص بالمناخ: مواصفات تقنية تقرّ تنسيقات ملفات موحّدة، واجهات برمجة تطبيقات (APIs) مفتوحة، ومقاييس زمنية وحقول بيانات أساسية (مصادر الانبعاث، نطاقات الزمن، منهجيات الحساب، درجة الثقة). عند اعتماد هذا المعيار في بيليم يمكن إلزام المشاريع والهيئات الوطنية بنشر بيانات MRV الأساسية في بوابة رقمية عامة، مع مستويات وصول تحمي المعلومات الحسّاسة. إلى جانب ذلك، لا بد من وضع آلية تمويل فني لمساندة الدول ذات القدرات المحدودة في ربط سجلاتها الوطنية بهذه البوابات، وضمان تدريب منظمات المجتمع المدني على كيفية استخدام هذه البيانات وتحليلها. النتيجة: شفافية حقيقية تقلل الاحتكار المعلوماتي وتحوّل بيانات الانبعاثات إلى مورد عام يمكن للمجتمع المدني توظيفه في المساءلة والبحث.

هل يمكن اعتماد نموذج دولي جديد يُسمّى “التدقيق المناخي المجتمعي” يتيح للمنظمات المدنية مراقبة المشاريع الكربونية وتقديم تقارير موازية تُدرج ضمن آليات المراجعة الرسمية لاتفاق باريس؟
فكرة “التدقيق المناخي المجتمعي” قابلة للتنفيذ عبر إنشاء آلية رسمية معتمدة في إطار UNFCCC أو كمبادرة مشتركة بين الحكومات والجهات المانحة ومنصات المجتمع المدني. تقوم الآلية على تسجيل منظمات أهلية مؤهلة خضعت لتدريب ومعايير جودة، تمنحها صلاحية إجراء زيارات ميدانية، جمع عينات بيانات، وإصدار تقارير موازية تُرفق بتقارير الدولة. لضمان المصداقية تُطبّق معايير اعتماد تشمل شفافية التمويل، منهجيات موثوقة، وإمكانية مراجعة النتائج من طرف مدققين مستقلين. يمكن لنتائج التدقيق المجتمعي أن تُدرج في جلسات المراجعة الوطنية والدولية، وتُستخدم كمدخل لتحسين تقارير MRV الرسمية. بهذه الصيغة، يتحوّل المجتمع المدني من مراقب هامشي إلى شريك رقابي معترف به رسمياً.

كيف يمكن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر في تمكين المجتمعات المحلية — في القرى، الغابات، والواحات — من مراقبة التغيرات البيئية والإبلاغ عن أي ارتفاعات مشبوهة في الانبعاثات أو تدهور للغطاء الطبيعي؟
دمج الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر لتمكين المجتمعات المحلية يتطلب بناء أدوات سهلة الاستخدام تعمل على أجهزة منخفضة التكلفة وتصلح لمستوى مهارات متوسّط المستخدمين. يمكن تطوير تطبيقات جوال ومنصات ويب تُقلّب صور الأقمار الصناعية والبيانات المناخية إلى مؤشرات بسيطة (اختلاف الغطاء النباتي، مؤشرات الحرائق، انبعاثات ميثان مرصودة)، وتُفعّل إنذارات مبكرة. ولضمان نزاهة النتائج، توفّر هذه الأنظمة أطُر تحقق تشاركية تجمع بين ما ترصده المجتمعات ميدانيًا (صور، قياسات بسيطة) ونتائج التحليل الآلي. من المهم أيضاً أن تُبنى هذه الأدوات على خوارزميات قابلة للتدقيق (explainable AI) وأن تُطرح مكتبات برمجية مفتوحة المصدر يسمح للباحثين المدنيين بتكييفها محليًا. الاستثمار في التدريب الرقمي للمجتمعات المحلية والتمويل الأولي للأجهزة سيجعل هذه المنصات فعّالة وموثوقة.

في ظل ضعف ثقة الجمهور العالمي في بعض مشروعات الكربون، ما هي الآليات التي يمكن أن يعتمدها COP30 لإشراك المجتمع المدني في التحقق من “النزاهة البيئية” للمشاريع، بما في ذلك صحة احتساب الكربون، الإضافية، واستمرارية الأثر؟
لضمان مشاركة المجتمع المدني في التحقّق من “نزاهة” مشاريع الكربون، يمكن اعتماد مجموعة من الآليات المتكاملة: اشتراط تقارير تحقق ميدانية من مدققين مستقلين، فتح قنوات إبلاغ عامّة مدعومة بمنصات بيانات (whistleblowing + evidence upload)، وإنشاء لجنة نزاهة متعددة الأطراف تضم ممثلين عن الحكومات، الوسط الأكاديمي، ومجتمع مدني معتمد تقيّم شكاوى النزاهة وتصدر توجيهات سريعة. كما يجب أن تُطلب من مشاريع الكربون نشر سجلات زمنية عن كميات الأرصدة المصدرة والمباعة، مع ربط هذه السجلات بسجل وطني/دولي رقمي يمنع الازدواجية. تعزيز الشفافية القانونية (عقود، مؤشرات الأداء، شروط الدوام) وإرساء عقوبات واضحة لحالات التلاعب سيزيد ثقة المجتمع المدني والمشترين على حد سواء.

كيف يمكن للمؤتمر أن يدعم إنشاء “شبكة مراقبة مناخية يقودها المجتمع المدني” تعمل عبر الحدود، وتستخدم بيانات الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة لتتبع الانبعاثات وتقديم تنبيهات للجهات الدولية في حال وجود انحرافات أو تلاعب؟
تأسيس “شبكة مراقبة مناخية يقودها المجتمع المدني” عبر الحدود يتطلب إطارًا تنظيميًا ومنصّة تقنية مركزية تجمع بيانات الأقمار الصناعية، المصادر المفتوحة، ومرصدات محليّة. يمكن لبيليم أن يدعو لإنشاء مثل هذه الشبكة ويمدّها بمحرّكات تحليل معيارية ونماذج تنبيهات آلية، إضافةً إلى بروتوكولات عمل مشمولة بالتدريب والتأهيل. لضمان العمل العابر للحدود يجب تصميم آليات تمويل مشتركة (صناديق صغيرة لدعم المراقبة المحلية)، وإبرام اتفاقيات مشاركة بيانات تحترم الخصوصية وحقوق المجتمعات المحلية. تزويد الشبكة بآليات شفافية وبلدنة نتائجها (تقارير مُعتمدة تُعرض للدول والجهات المانحة) سيجعلها أداة فعّالة للانكشاف المبكر عن انحرافات، ورافعة ضغط دولية للامتثال والمساءلة.

قراءة بفكر المهندس عماد سعد
تعكس إجابات المهندس عماد سعد رؤية متقدمة تعتبر أن مستقبل العمل المناخي لن يتحقق عبر الحكومات وحدها، بل من خلال فتح أنظمة الشفافية أمام المجتمع المدني، وتوسيع دور المجتمعات المحلية، وتوظيف التكنولوجيا — خصوصًا الذكاء الاصطناعي — لخلق رقابة مناخية حقيقية تتجاوز الشعارات. ينطلق فكره من مبدأ أساسي مفاده أن المساءلة المناخية لا تكتمل إلا عندما يصبح كل فرد وجماعة قادرين على رؤية البيانات ومراقبة أثرها، وأن مؤتمر بيليم يجب أن يشكل نقطة انتقال نحو “ديمقراطية البيانات المناخية”.

تُظهر إجابات المهندس عماد سعد منظومة فكرية ناضجة تنطلق من قناعة راسخة بأن مستقبل العمل المناخي العادل والمستدام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإعادة توزيع القوة المعرفية، بحيث لا يبقى التحكم في بيانات الانبعاثات، أو تقييم المشاريع، أو مراقبة الأثر المناخي، حكرًا على الحكومات والمؤسسات الكبرى. بل إن جوهر فكره يقوم على أن المجتمع المدني يجب أن يصبح جزءًا من بنية الحوكمة المناخية نفسها، لا مجرد متابع أو ناقد خارجي.
وهذا التوجه يعكس تحولًا عالميًا جديدًا في الفهم، يجعل من الشفافية والمشاركة المجتمعية امتدادًا طبيعيًا لآليات اتفاق باريس، خاصة في سياق مؤتمر بيليم.

يرى المهندس عماد أن بناء معيار عالمي لبيانات MRV هو نقطة البداية لكل إصلاح مؤسسي لاحق، لأن البيانات هي “أصل” المعرفة المناخية وأساس أي مساءلة. لذلك يدعو إلى فتح البيانات عبر تنسيقات موحّدة، بوابات رقمية عامة، وروابط تقنية تسمح حتى للدول محدودة القدرات بالدخول في المنظومة. ففكره هنا ليس فقط تنظيمياً، بل “ديمقراطياً” بالمعنى البيئي: أن يكون الحق في المعرفة المناخية حقًا عالميًا.

ويضيف بُعدًا جديدًا للعمل المناخي: إدراج المجتمع المدني رسميًا ضمن آليات التحقق المناخي عبر نموذج “التدقيق المناخي المجتمعي”. هذا الفكر يضع المجتمع المدني في قلب عملية التقييم وليس على هامشها، ويمنح جهوده صفة مؤسسية داخل منظومة UNFCCC، وهو طرح تقدمي يتجاوز الممارسات التقليدية التي غالبًا ما تجعل حضور المنظمات الأهلية رمزيًا أو احتجاجيًا فقط.

أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فيبرز جانب مهم من رؤيته: أن التكنولوجيا لا يجب أن تكون نخبوية. فهو يطرح نموذجًا واقعيًا لكيفية جعل الذكاء الاصطناعي أداة في يد المجتمعات الريفية، سكان الغابات، وسكان الواحات، من خلال أدوات بسيطة قابلة للتدقيق ومفتوحة المصدر. إنها دعوة لتفكيك احتكار التكنولوجيا وتمكين المجتمعات من مراقبة بيئتها بنفسها، وهو تحول جذري في أدوات الرصد التقليدية.

ويأتي تركيزه على النزاهة البيئية ليكشف حساسية عالية تجاه موثوقية أسواق الكربون. فهو لا يرى أن المشكلة في المفهوم، بل في غياب الحوكمة المتكاملة: لجان نزاهة، قنوات تبليغ، سجلات رقمية تمنع الازدواجية، ومساءلة قانونية للمتلاعبين. هذا الفكر يضع الأساس لأسواق كربون نزيهة تُبنى على الثقة، ويجعل المجتمع المدني جزءًا من ضمانات الجودة.
وأخيرًا، يتسع أفقه إلى مستوى عالمي من خلال الدعوة إلى إنشاء شبكة مراقبة مناخية يقودها المجتمع المدني عبر الحدود. هذه الرؤية تمنح المجتمع المدني دورًا عابراً للدول، متصلًا بالأقمار الصناعية والبيانات المفتوحة، ليصبح صوتًا قادرًا على كشف الانحرافات أينما حدثت، وإرسال إشارات إنذار مبكر للهيئات الدولية.
هكذا تتحول المشاركة المدنية من مبادرات حسنة النية إلى منظومة مراقبة عالمية ذات نفوذ وتأثير.

النتائج المستخلصة من منظوره
1. ترسيخ الشفافية المناخية كمبدأ عالمي
يرى أن مؤتمر بيليم يجب أن يطلق معيارًا للبيانات المفتوحة يجعل الشفافية حقًا عالميًا وليس امتيازًا حكوميًا.
2. اعتراف رسمي بدور المجتمع المدني كجهة رقابية
يدعو إلى الانتقال من “المجتمع المدني المشارك” إلى “المجتمع المدني المدقق”، بما يعزز المصداقية والعدالة في منظومة المناخ.
3. الذكاء الاصطناعي كأداة تمكين اجتماعي
يعتبر أن أدوات الذكاء الاصطناعي يجب أن تصل إلى القرى والغابات والواحات وليس فقط للخبراء والمؤسسات الكبرى.
4. النزاهة البيئية شرط لبقاء أسواق الكربون
يركز على أهمية وضع آليات صارمة تمنع التلاعب بالأرصدة، وتجعل التحقق المجتمعي جزءًا من الحوكمة.
5. شبكات مراقبة عابرة للحدود
يؤمن بأن المساءلة المناخية يجب أن تتجاوز الحدود الوطنية لتصبح مسؤولية عالمية مشتركة تُدار بشفافية متعددة الأطراف.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *