شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، مقيم معتمد في التميز المؤسسي (EFQM)، خبير استراتيجيات القوة الناعمة، خبير ادارة مركز اسعاد المتعاملين، (7 STAR)، خبير حوكمة معتمد، خبير صناعة سيناريوهات المستقبل، مدرب محترف، خبير الجودة والتميز من الأكاديمية البريطانية، خبير استشراف المستقبل، 17 نوفمبر 2025.
التميز: فلسفة قيادة أم مهمة تشغيلية؟
في عالم تتسارع فيه التحوّلات وتشتدّ فيه المنافسة، تبحث المؤسسات عن أدوات تمنحها قدرة أعلى على الاستمرارية والتقدم، وتساعدها على بناء حضور مستدام في بيئة عمل تتغيّر باستمرار، وهنا يأتي أهمية التميّز باعتباره من أهم الركائز التي تعيد تشكيل طريقة إدارة المؤسسات لذاتها، وطريقة تفكيرها في المستقبل، إلا أنّ الحديث عن التميّز يقودنا دائماً إلى سؤال جوهري: ما الذي يجعل بعض المؤسسات قادرة على تحويل التميّز إلى جزء طبيعي من هويتها، بينما تكتفي مؤسسات أخرى باستخدامه كبرنامج تحسين محدود الأثر؟
عند الوقوف على هذا السؤال يظهر لنا فروق دقيقة وحاسمة، بين مسارين كثيراً ما يختلطان في المفهوم وخاصة في التطبيق العملي وهما: القيادة بالتميّز، والتركيز على التميّز، ورغم أن المصطلحين يبدوان متقاربين، فإن المنطق الذي يقف خلف كل منهما مختلف تماماً، وكذلك طبيعة الدور الذي يؤديه داخل المؤسسة، والنتائج التي يقود إليها على المدى القصير والطويل.
القيادة بالتميّز هي رؤية متكاملة وشاملة، فهي ليست مبادرة ولا برنامجاً مؤقتاً، بل طريقة تفكير شاملة تقود المؤسسة من لحظة اتخاذ القرار إلى كيفية تصميم العمليات وتوجيه العاملين وصياغة المستقبل، وهنا يبرز دور القائد وكيفية تعامله مع هذا النهج، فهل يتعامل معه كأداة؟ ، أم كمنظومة قيم وسلوكيات ترسم طريقة عمل المؤسسة ككل؟، بمجرد يقوم بربط بين الرؤية والواقع، ويحوّل القيم إلى ممارسات، ويبني ثقافة تستبق المشكلات قبل ظهورها، فنستطيع القول بأنه يتعامل معها كمنظومة شاملة ومتكاملة، وفي هذه الحالة يصبح التميّز إطاراً يحرك الأداء وينظّم الموارد ويعطي معنى أوضح للنتائج، لذا لا يمكن للقيادة بالتميّز أن تنجح إلا إذا كانت جزءاً من هوية المؤسسة واستراتيجيتها، وليست مجرد نشاط يُمارس عند الحاجة.
أما التركيز على التميّز فهو مستوى آخر من الفهم للفكرة، إنه خطوة مهمة وايجابية حكماً، لكنه يظل خطوة أولى، يحدث حين يتم استخدام فرق العمل أو الوحدات التنظيمية نماذج ومعايير معينة لتطوير عمل محدد أو رفع مؤشر معيّن أو حل مشكلة تواجه المؤسسة، أو فرق هنا وهناك، وي هذه الحالة يتم تحقيق نتائج ملموسة وسريعة، إلا أنه يبقى محصوراً في نطاق محدود، ومدة زمنية محددة مثل العمل بمشروع له بداية ونهاية، وفي هذه الحالة يتحرك التميّز كمجموعة أدوات، لا كمنهج قيادة، وتبقى نتائجه محكومة بحدود المشروع أو الفريق، ولا تمتد إلى التحوّل المؤسسي الشامل.
هناك فروق متعددة ومتباينة بين المنهجين، إلا أن أبرزها والأكثر وضوحاً يظهر في طبيعة الأثر، فالمؤسسة التي تقود بالتميّز تنمو بوعي، وتتعلم من داخلها، وتعيد اكتشاف قدراتها بطريقة مستمرة، أما المؤسسة التي تركز على التميّز فقط، فغالباً ما تتقدّم بخطوات متقطعة، ترتبط بوجود مبادرة أو مشروع، وتنتهي بانتهاء الحاجة إليه.
لهذا فإنّ فهم الفرق بين المفهومين خطوة أساسية لتحديد مستقبل المؤسسة، وأين تتجه، فاعتماد القيادة بالتميّز يعني بناء ثقافة قوية قادرة على التطور الذاتي، بينما يعني التركيز على التميّز استخدام الأدوات الصحيحة في الوقت الصحيح دون الوصول إلى مستوى التحوّل العميق على مستوى المؤسسة ككل.
المؤسسات التي تتبنى القيادة بالتميّز تعرف أن النجاح الحقيقي لا يتحقق من خلال مشاريع منفصلة، بل من خلال بناء منظومة متكاملة تجعل التميّز جزءاً من الهوية المؤسسية، وتغرس قيمه في ثقافة العمل، وتربط بين الأثر والتوجيه الاستراتيجي، وتحوّل كل جهد تطويري إلى قيمة مضافة تستمر ولا تتوقف، ومع اتساع التحولات المستقبلية، يصبح هذا النهج هو الخيار الأكثر قدرة على حماية المؤسسة وتعزيز جاهزيتها وإطلاق طاقاتها.
فالتميّز، في جوهره، ليس هدفاً تشغيلياً، بل أسلوب قيادة، والقيادة في أعلى صورها، ليست مجرد إدارة موارد، بل القدرة على تحويل الفكرة إلى واقع، والرؤية إلى أثر، والمؤسسة إلى نموذج يُحتذى.
القيادة بالتميز، التميز المؤسسي، التركيز على التميز، الإدارة الاستراتيجية، الثقافة المؤسسية، التحسين المستمر، (EFQM)، القيادة الفعّالة، التحول المؤسسي، الأداء المؤسسي، اتخاذ القرار، رؤية المؤسسة، القيمة المضافة، الاستدامة المؤسسية، الجاهزية المستقبلية، القيادة الاستراتيجية.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز