أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 27

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

المستشارة حبيبة المرعشي: التغيير البيئي يبدأ من الإنسان، ويَكبُر بالشراكات، ويتجذر بالعدالة.

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 19 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

المستشارة خبيبة المرعشي:
خبير الاستدامة، الرئيس التنفيذي لمجموعة عمل الإمارات للبيئة، الإمارات العربية المتحدة

كيف يمكن لمؤتمر بيليم أن يُترجم العدالة المناخية إلى سياسات عملية تُنصف النساء في الجنوب العالمي؟
أرى أن العدالة المناخية لن تتحقق في بيليم ما لم ننتقل من لغة التعاطف إلى لغة الحقوق والسياسات الملزِمة، خصوصًا تجاه النساء في الجنوب العالمي. النساء اليوم يشكّلن النسبة الأكبر من المتأثرين بالنزوح والتدهور البيئي، ويواجهن مخاطر أعلى على سبل العيش والصحة والسلامة الشخصية نتيجة الكوارث المناخية المتزايدة.
في بيليم، ينبغي أن تنعكس العدالة المناخية في ثلاث مستويات عملية:

• أولًا: إدماج منظور النوع الاجتماعي في خطط التكيّف والتمويل المناخي بشكل صريح، مع مؤشرات واضحة لقياس ما تحصل عليه النساء والفتيات من حماية وفرص وتمويل.
• ثانيًا: دعم برامج سبل العيش الخضراء للنساء في المجتمعات الريفية والهشّة، من خلال التدريب، والوصول إلى التمويل، وتمكين المبادرات النسائية في الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة والاقتصاد الدائري.
• ثالثًا: ضمان مشاركة النساء من الخطوط الأمامية – من المزارعات، ونساء المجتمعات المحلية، والشعوب الأصلية، في صياغة قرارات COP30، لا كـ”قصص مؤثرة” فقط، بل كصاحبات قرار. إذا نجح مؤتمر بيليم في تحويل هذه المبادئ إلى تعهدات ملموسة وخطط تنفيذ وطنية، فسنكون أقرب إلى عدالة مناخية حقيقية تُنصِف النساء بدل أن تضعهن في الصفوف الأمامية للأزمة فقط.

بعد عقد على اتفاق باريس، هل أصبحت “الجندرة المناخية” محورًا فعليًا أم ما تزال قضية هامشية؟
يمكن القول إن الجندرة المناخية انتقلت من الهامش إلى النص، لكنها لم تنتقل بعد بالقدر الكافي إلى التنفيذ. لدينا اليوم برنامج عمل ليما المعزَّز بشأن النوع الاجتماعي وخطة عمل الجندر تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، مع التزامات واضحة لدمج البعد الجندري في السياسات المناخية، وتم تمديد هذا الإطار في مؤتمرات لاحقة حتى COP30 ، لكن حين ننظر إلى الواقع، نرى فجوة بين النصوص والتطبيق:
• النساء ما زلن ممثَّلات تمثيلًا ناقصًا في وفود التفاوض وفي مواقع صنع القرار.
• الكثير من خطط التكيّف والتخفيف ما زالت “محايدة ظاهريًا” جندريًا، لكنها في الحقيقة تعيد إنتاج الهشاشة القائمة.
• التمويل المناخي الموجّه لمبادرات تقودها النساء ما يزال محدودًا جدًا مقارنة بحجم الحاجة.
• لذلك أقول: نعم، الجندرة المناخية أصبحت بندًا معترفًا به ومذكورًا في الوثائق الرسمية، لكن التحدي في بيليم هو أن تصبح معيارًا حقيقيًا لتقييم جودة السياسات المناخية، لا مجرد فقرة جميلة في مقدمة القرارات.

ما أبرز التحديات التي تواجه النساء في مناطق الجفاف والفيضانات والنزوح البيئي؟ وكيف يمكن إدراجها ضمن أجندة COP30؟
النساء في مناطق الجفاف، والفيضانات، والنزوح البيئي يواجهن “أزمة داخل الأزمة”:
• في مناطق الجفاف: النساء يتحمّلن عبء توفير الماء والغذاء للأسرة، مع زيادة المسافات التي يقطعنها يوميًا، مما ينعكس على صحتهن، وتعليم الفتيات، وأمنهن الشخصي.
• في مناطق الفيضانات والعواصف: ترتفع معدلات الوفيات والإصابات في صفوف النساء بسبب القيود الاجتماعية على الحركة، وضعف الوصول لمعلومات الإنذار المبكر، وغياب تمكينهن في خطط الطوارئ.
• في حالات النزوح البيئي: تتعرض النساء والفتيات لمخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفقدان سبل العيش، وتراجع الخدمات الأساسية، وغالبًا بلا اعتراف قانوني بوضعهن أو بحقوقهن.
إدراج هذه القضايا في أجندة COP30 يتطلب:
1. تضمين حماية النساء والفتيات في حالات الكوارث والنزوح كبند صريح في التزامات التكيّف والتمويل.
2. تطوير مؤشرات جندرية للكشف المبكر عن المخاطر وتعزيز خطط الاستجابة المجتمعية بقيادة نسائية.
3. دعم برامج تمكين اقتصادي للنساء المتضررات (مشاريع زراعية مقاومة للمناخ، ريادة اجتماعية خضراء، تدريب مهني أخضر).
4. الاعتراف بالنزوح المرتبط بالمناخ كقضية عدالة مناخية وجندرية في آن واحد، مع تعزيز أطر الحماية على المستويين الوطني والإقليمي.

كيف يمكن للمنظمات البيئية العربية أن توحّد خطابها داخل مؤتمر بيليم لتشكيل “صوت عربي واحد”؟
كمنظمات عربية، نحن متنوعون في السياقات الوطنية، لكننا متشابهون في التحديات: ندرة المياه، التصحّر، موجات الحر، والنزوح البيئي، إضافة إلى فجوات كبيرة في العدالة المناخية والتمويل. توحيد الخطاب لا يعني توحيد كل التفاصيل، بل الاتفاق على أولويات مشتركة:
• الاعتراف بمنطقتنا كـ”منطقة هشاشة مناخية عالية” تحتاج إلى تمويل عادل وميسّر، وليس قروضًا تثقل كاهل الأجيال القادمة.
• جعل العدالة المناخية والجندرية جزءًا من أي بيان عربي مشترك في بيليم، وليس ملحقًا اختياريًا.
• المطالبة بأن يذهب جزء واضح من التمويل المناخي إلى المجتمعات المحلية، لا أن يبقى حبيس المشاريع الكبرى فقط.
• الدفاع عن حقوق الشعوب المتضررة – من صغار المزارعين والصيادين وأحياء الهامش – في المشاركة وصنع القرار.
مجموعة عمل الإمارات للبيئة، بحكم خبرتها في بناء الشراكات الإقليمية من خلال شبكة المسؤولية الاجتماعية العربية، يمكن أن تلعب دور “جسر” بين منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات، لصياغة أوراق موقف مشتركة، وتنظيم فعاليات جانبية، وتقديم رسائل موحدة في قضايا التمويل، التكيّف، وتمكين النساء والشباب.

ما أهمية بناء التحالفات بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات لتسريع الابتكار المناخي المحلي؟ وهل يمكن لبيليم أن يعزز هذه الشراكات؟
لا يمكننا الحديث عن انتقال عادل ومنخفض الكربون في عالمنا العربي دون تحالفات حقيقية بين ثلاثة أطراف: المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والجامعات.
• المجتمع المدني يقدّم صوت الناس واحتياجاتهم ويضمن ألا تُهمَّش الفئات الضعيفة.
• الجامعات تقدّم العلم، والبيانات، والحلول المعتمدة على البحث.
• القطاع الخاص يمتلك القدرة الاستثمارية والتكنولوجية لتوسيع نطاق الحلول وتحويلها إلى نماذج أعمال مستدامة. بيليم يمكن أن يكون منصة لتسريع هذه الشراكات من خلال:
1. إبراز قصص نجاح عربية في الابتكار المناخي المشترك بين هذه الأطراف، كنماذج قابلة للتكرار.
2. الدعوة إلى إنشاء حاضنات ومسرّعات ابتكار مناخي في المنطقة، ترتبط بأجندة COP30 وتستفيد من التمويل المناخي الدولي.
3. تشجيع القطاع الخاص على تبنّي معايير المسؤولية المجتمعية والاستثمار المستدام (ESG وCSR) ليس كالتزام طوعي فقط، بل كجزء من نموذج الأعمال، وهو مسار ندفع نحوه منذ سنوات عبر “الشبكة العربية للمسؤولية الاجتماعية”. من موقعنا في مجموعة عمل الإمارات للبيئة، نؤمن أن بيليم يمكن أن يفتح فصلاً جديدًا في الابتكار المناخي القائم على الشراكة، إذا استثمرنا وجودنا هناك في بناء منصات تعاون عملية لا تتوقف بانتهاء المؤتمر.

كيف يمكن للمجتمع المدني أن يستفيد من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي لتعزيز حملاته في التوعية والمناصرة المناخية؟
التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لم تعد ترفًا للمجتمع المدني، بل أصبحت أدوات أساسية في العمل المناخي. يمكننا الاستفادة منها في عدة مسارات:
• تحليل البيانات: استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المناخ، وجودة الهواء، واستهلاك الموارد، وتحويلها إلى قصص ورسوم بيانية يفهمها الجمهور وصنّاع القرار.
• الاستشعار المجتمعي: تمكين الشباب من استخدام الهواتف الذكية وتطبيقات بسيطة لرصد التغيرات البيئية المحلية، وربط هذه البيانات بمنصات تُدار من قبل المنظمات.
• تصميم حملات موجهة: الاستفادة من تحليلات المنصات الرقمية لاستهداف فئات محددة برسائل مناسبة – مثل النساء في المناطق الريفية، أو طلاب الجامعات، أو صناع القرار المحليين.
• مكافحة المعلومات المضلِّلة: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في رصد الأخبار الزائفة المتعلقة بالمناخ وتصحيحها بسرعة، عبر أدوات تدقيق محتوى واستجابة سريعة، في مجموعة عمل الإمارات للبيئة، بدأنا بالفعل في توظيف المنصات الرقمية لتعزيز مشاركة الطلبة والقطاع الخاص في مبادرات إعادة التدوير وغرس الأشجار، ونرى أن الخطوة القادمة هي تطوير أدوات رقمية عربية تستند إلى الذكاء الاصطناعي لدعم التعليم البيئي، وتتبع الأثر، وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في العمل المناخي.

قراءة بفكر السيدة حبيبة المرعشي:
تكشف إجابات السيدة حبيبة المرعشي، رئيسة مجموعة عمل الإمارات للبيئة، عن رؤية متقدمة تتجاوز الخطاب التقليدي في قضايا المناخ والتنمية المستدامة. فهي تتعامل مع أزمة المناخ كقضية عدالة وحقوق، وليست مجرد قضية علمية أو بيئية. وتضع المرأة، والمجتمعات الهشّة، والمجتمع المدني في قلب معادلة الحلول. ومن خلال مقاربتها، يظهر بوضوح إيمانها بالدور الحيوي للمعرفة، والتشبيك، وتكامل القطاعات في مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة—خصوصًا مع اقتراب مؤتمر المناخ في بيليم 2026.

أولاً: العدالة المناخية ليست شعارًا… بل حقوق وسياسات ملزمة
ترى السيدة المرعشي أن العدالة المناخية لا تتحقق إلا إذا حُوّلت إلى سياسات قابلة للقياس، تُنصف النساء في الجنوب العالمي وتضمن لهن صوتًا في صنع القرار. فالقضية في جوهرها ليست “مساندة” بل إنصاف وحماية وتمكين.

ثانيًا: الجندرة المناخية انتقلت من النص إلى الطاولة… لكنها لم تنتقل بعد إلى التنفيذ
برأيها، تطور الخطاب الدولي للجندر في المفاوضات، لكنه ما يزال يعاني فجوة كبيرة في التطبيق، خاصة في التمويل وتمثيل النساء في الوفود والقرارات.

ثالثًا: النساء في الخطوط الأمامية… وأزماتهن مركّبة
الجفاف، الفيضانات، والنزوح البيئي تخلق دوائر هشاشة مضاعفة على النساء والفتيات. وهي ترى أن COP30 يجب أن يضع هذه الحقائق على رأس جدول أعماله عبر حماية اجتماعية، تمكين اقتصادي، وأطر قانونية شاملة.

رابعًا: نحو “صوت عربي واحد” في بيليم
تدعو السيدة المرعشي إلى اصطفاف عربي موحّد يركز على الهشاشة المناخية للمنطقة، والعدالة الجندرية، وتمويل حلول محلية تقودها المجتمعات، وترى أن دور الشبكات البيئية العربية جوهري في هذا المسار.

خامسًا: الشراكات الثلاثية هي مفتاح الابتكار المناخي
منظورها واضح: لا حلول دون تعاون حقيقي بين المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والجامعات، مع نماذج محلية قابلة للتطبيق والاستدامة.
سادسًا: الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية… بل ضرورة للمناصرة المناخية
تؤمن أن التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة عبر تحليل البيانات، مكافحة التضليل، تمكين المجتمعات، وتصميم حملات مناصرة ذكية وموجهة.

الرسالة التي تخرج بها هذه القراءة
“المناخ قضية إنسانية قبل أن تكون بيئية. وتمكين المرأة والمجتمع المدني والشباب، وبناء تحالفات عابرة للقطاعات، هو الطريق الوحيد لحلول عادلة ومستدامة. وفي مؤتمر بيليم، يجب أن يكون الصوت العربي موحدًا، جريئًا، وقائمًا على المعرفة والحقوق.”
هذه هي روح الخطاب التي تحملها السيدة حبيبة المرعشي، خطاب يؤمن بأن التغيير البيئي يبدأ من الإنسان، ويكبر بالشراكات، ويتجذر بالعدالة.

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *