أصوات عربية تواكب التحولات المناخية العالمية 28

العالم يترقّب مؤتمر المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل:

المستشارة فرح الأسعد: منظمات المجتمع المدني ليست ديكوراً للمؤتمرات، بل شريكاً حقيقياً في صون العدالة المناخية وتمكين الفئات الأكثر ضعفاً وصناعة مستقبل يعتمد على المعرفة والإنصاف والابتكار.

شبكة بيئة أبوظبي، بيليم، البرازيل، 20 نوفمبر 2025
بينما تستضيف مدينة بيليم البرازيلية، بوابة الأمازون، الدورة الثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP30) خلال الفترة من 10 إلى 22 نوفمبر 2025، تتجه أنظار العالم نحو هذا الحدث التاريخي الذي يُنتظر أن يحدّد ملامح العقد القادم من العمل المناخي، ويرسم الطريق نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في هذا السياق، أطلقت شبكة بيئة أبوظبي سلسلة من الحوارات المتخصصة مع نخبة من الخبراء والباحثين وصنّاع القرار في المنطقة العربية، لاستطلاع رؤاهم وتوقّعاتهم حيال هذا المؤتمر المفصلي، الذي يأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الكوكب بين التزامات الدول الكبرى ومطالب العالم النامي.
تهدف هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على وجهة النظر العربية في القضايا المناخية الراهنة، وتعزيز الحضور العلمي والإعلامي للخبراء العرب في المحافل الدولية. كما تسعى إلى مناقشة ملفات حيوية مثل العدالة المناخية، وتمويل الخسائر والأضرار، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي، ودور المجتمعات المحلية في التكيف المناخي.

المستشارة فرح السعد:
خبيرة بالمناخ، رئيسة جمعية رياديو المناخ السوري، الجمهورية العربية السورية

كيف يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تجعل حضورها في مؤتمر بيليم أكثر تأثيرًا وليس مجرد حضور رمزي؟
الحضور المؤثر يبدأ من التحضير الجيد، لا من القاعة التي تُعقد فيها الجلسات. يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تكون قوة حقيقية في مؤتمر بيليم إذا انتقلت من دور “المشارك” إلى دور “الفاعل”. وهذا يتطلب ثلاث خطوات جوهرية:
أولًا: الدخول إلى المؤتمر بأوراق موقف واضحة ومبنية على بيانات، وليس بشعارات عامة. صوت المجتمع المدني يصبح أقوى عندما يُقدّم حلولًا عملية قابلة للتطبيق.
ثانيًا: بناء تحالفات داخل المؤتمر وخارجه — تحالفات عربية، إقليمية، ومبادرات عابرة للحدود — لأن القوة في المفاوضات تأتي من العمل الجماعي لا من الجهود الفردية.
ثالثًا: متابعة ما بعد المؤتمر. الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد المداخلات داخل القاعة، بل بما يتحقق من تغيير في السياسات الوطنية بعد العودة.
إذا استطعنا الانتقال من “تمثيل المجتمع المدني” إلى “التأثير في مخرجات المؤتمر”، سنصبح جزءًا أصيلًا من صنع القرار المناخي.

هل يمتلك المجتمع المدني العربي الأدوات والموارد للتأثير؟ وما الذي ينقصه؟
أستطيع القول إن المجتمع المدني العربي يمتلك الرغبة والقدر الكبير من الخبرة الميدانية، لكنه لا يزال يفتقد إلى ثلاثة عناصر حاسمة لزيادة تأثيره:
1. التمويل المستدام: معظم المبادرات العربية تعتمد على منح قصيرة الأجل، وهذا يُضعف الاستمرارية وبناء القدرات على المدى الطويل.
2. الوصول إلى البيانات: كثير من المنظمات العاملة في المناخ تفتقر إلى بيانات موثوقة ومحدثة حول الانبعاثات والمخاطر والسيناريوهات، مما يقلل من قوة حججها في المفاوضات.
3. مهارات الترافع والتواصل: التأثير في المفاوضات يحتاج لغة سياسية وإعلامية متخصصة. نحن بحاجة إلى تدريب أكبر في كتابة أوراق السياسات، وإدارة الحملات، والتواصل مع الإعلام الدولي.
فالمجتمع المدني العربي لديه الأساس لكنه يحتاج إلى الأدوات؛ ولديه الرؤية لكنه يحتاج إلى إمكانات أكثر لاستثمارها.

ما الدور الرقابي الذي يمكن أن يمارسه المجتمع المدني في ظل فجوة الالتزامات المناخية؟
المجتمع المدني هو عين الجمهور على القرارات المناخية. ومع اتساع الفجوة بين تعهدات الدول وارتفاع الانبعاثات، يصبح دوره الرقابي أكثر أهمية من أي وقت مضى. ويمكنه القيام بثلاث مهمات مركزية:
أولًا: مراقبة تنفيذ التعهدات الوطنية (NDCs) وتحليل التقارير الوطنية، وفضح الفجوات بين الخطط والتطبيق.
ثانيًا: إنتاج تقارير ظل (Shadow Reports) تُقدّم رؤية مستقلة عن أداء الحكومات والشركات في الانتقال الطاقي وخفض الانبعاثات.
ثالثًا: مكافحة التضليل المناخي الذي تنتجه بعض الشركات أو الجهات، عبر حملات توعية تعتمد على العلم والمعلومة الدقيقة.
المساءلة ليست صدامًا مع الحكومات، بل شراكة ناضجة لضمان الشفافية وتحسين جودة القرارات المناخية.

كيف يمكن للمجتمع المدني تمكين الفئات الأكثر هشاشة من التكيف مع التغير المناخي؟
التكيف لا ينجح إلا إذا استهدف الأكثر تضررًا. والمجتمع المدني قادر على لعب دور محوري في هذا المسار من خلال:
▪ تمكين النساء عبر التدريب على سبل العيش الخضراء، وتسهيل وصولهن إلى التمويل الصغير، وتعزيز مشاركتهن في تخطيط مشاريع التكيف الريفية.
▪ دعم الشباب من خلال المبادرات الريادية، والبرامج التدريبية على الزراعة الذكية، وتقنيات الطاقة المتجددة، وريادة الأعمال المناخية.
▪ تعزيز قدرة المجتمعات الريفية على إدارة الموارد الطبيعية، وتطوير خطط إنذار مبكر مجتمعية، وحملات توعية ميدانية بلغة بسيطة ومباشرة.
إن قوة المجتمع المدني تكمن في قربه من الأرض و الناس؛ وهذه ميزة لا تملكها المؤسسات الحكومية أو الدولية بنفس الدرجة.

هل أصبح المجتمع المدني جزءًا من الحل في قضية التمويل المناخي؟
نعم، وبشكل متزايد. المجتمع المدني اليوم لم يعد مجرد “مطالب بالتمويل”، بل أصبح شريكًا مبتكرًا في تصميم أدوات تمويل بديلة. نرى اليوم مبادرات جديدة مثل: الصناديق المجتمعية الصغيرة لدعم مشروعات الطاقة المتجددة المحلية. حملات التمويل الجماعي لمشاريع الزراعة المقاومة للمناخ. الشراكات مع القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع منخفضة الكربون تُدار من قبل المجتمعات المحلية. ونماذج الاستثمار الدائري التي تربط إعادة التدوير بالتمويل الذاتي للمبادرات البيئية.
التمويل المناخي لم يعد حكرًا على الحكومات والمؤسسات الكبرى. المجتمع المدني، بمرونته وقدرته على الابتكار، أصبح اليوم جزءًا أساسيًا من معادلة الحل وليس مجرد جهة مستفيدة.

قراءة بفكر المستشارة فرح الأسعد
تكشف إجابات المهندسة فرح الأسعد، رئيسة جمعية رياديو المناخ السوري، عن عقلية قيادية تجمع بين التجربة الميدانية والوعي السياسي والقدرة على قراءة المشهد المناخي الدولي بعمق ومسؤولية. فهي لا تتعامل مع منظمات المجتمع المدني باعتبارها أطرافًا هامشية في مؤتمرات المناخ، بل كقوة قادرة على التأثير، وصناعة القرار، والرقابة، والمساءلة.
وتُظهر رؤيتها وضوحًا في التشخيص، وشجاعة في تحديد الفجوات، وإرادة في اقتراح أدوات عملية تجعل المجتمع المدني العربي لاعبًا أساسيًا في المفاوضات المناخية العالمية، لا مجرد متفرّج.

تكشف أجوبة المستشارة فرح الأسعد عن رؤية ناضجة ومسؤولة لدور المجتمع المدني في العمل المناخي، رؤية تتجاوز المألوف، وتضع منظمات المجتمع المدني في قلب صناعة القرار بدل أن تبقيها على هامش الفعل. فهي تنظر إلى مؤتمر بيليم بوصفه ساحة للتأثير الحقيقي، لا مناسبة بروتوكولية للحضور الرمزي. ومن خلال حديثها، يتضح أن الحضور المؤثر يبدأ قبل انعقاد المؤتمر عبر إعداد أوراق موقف قائمة على البيانات والتحليل، ويستمر بعده عبر المتابعة والنقد البنّاء وتقييم أثر القرارات على المستوى الوطني والمجتمعي.

وتؤمن المستشارة فرح بأن المجتمع المدني العربي يمتلك رؤية وخبرة ميدانية كافية ليكون فاعلًا في مفاوضات المناخ، لكنه لا يزال بحاجة إلى أدوات أقوى، خصوصًا في مجالات التمويل المستدام، والوصول إلى البيانات الدقيقة، والمهارات المتخصصة في الترافع والتواصل. هذه القراءة الواقعية لا تُحبط، بل تؤسس لفهم واضح لما يجب استكماله كي يتحول هذا القطاع إلى قوة تفاوضية ذات وزن.

أما في الجانب الرقابي، فتقدّم فرح تصورًا ناضجًا مبنيًا على الشراكة لا على التصادم. فهي ترى أن دور المجتمع المدني هو مراقبة تنفيذ التعهدات المناخية، وإنتاج تقارير ظل مستقلة، وتفنيد المعلومات المضللة، بما يجعل من الرقابة عملاً مؤسسيًا منظّمًا يساهم في الشفافية ورفع جودة السياسات العامة. ويتجلّى في طرحها وعيٌ بأن المساءلة ليست مواجهة مع الحكومات، بل رافعة لتطوير الأداء المناخي الوطني.

ويبرز في فكرها اهتمامٌ خاص بالفئات الأكثر هشاشة؛ إذ تضع النساء والشباب والمجتمعات الريفية في مركز أي استراتيجية للتكيّف المناخي. ليست هذه الفئات مجرد مستفيدين من البرامج، بل شركاء في صياغة الحلول وابتكار طرق مقاومة آثار التغير المناخي. في رؤيتها، يصبح التمكين الاقتصادي للنساء، وتدريب الشباب، ودعم قدرات الريف أدوات جوهرية لبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.

كما تقدّم المستشارة فرح طرحًا متقدمًا حول التمويل المناخي، إذ تعتبر أن المجتمع المدني أصبح شريكًا في تصميم الحلول وليس جهة تنتظر التمويل فقط. فهي تشير إلى إمكانات جديدة للتمويل الجماعي، والصناديق المجتمعية، والشراكات مع القطاع الخاص، ونماذج الاستثمار الدائري، ما يعيد تعريف المجتمع المدني بوصفه عنصرًا ابتكارياً قادرًا على إنتاج طرق تمويل مستدامة وقابلة للتوسع.

إن فكر المستشارة فرح الأسعد يعكس رؤية إنسانية عميقة للمناخ باعتباره قضية تتجاوز الأرقام والانبعاثات، لتصل إلى بنية المجتمعات وكرامة الإنسان وقدرته على الصمود. وهي رؤية تنظر إلى المجتمع المدني بوصفه الفاعل الأقرب إلى الأرض، والأقدر على فهم المقاومة اليومية للتغيرات المناخية، وبالتالي الأكثر أهلية لقيادة التغيير.

الرسالة الختامية
“في منظور المهندسة فرح، المناخ ليس ملفًا تقنيًا يُناقش في غرف مغلقة، بل قضية إنسانية تعيشها المجتمعات يوميًا. ومنظمات المجتمع المدني ليست ديكورًا للمؤتمرات، بل شريكًا حقيقيًا في صون العدالة المناخية وتمكين الفئات الأكثر ضعفًا وصناعة مستقبل يعتمد على المعرفة والإنصاف والابتكار.”

تؤكد شبكة بيئة أبوظبي من خلال هذه السلسلة الحوارية أن الخبرة العربية المناخية باتت حاضرة بجدارة في المشهد العالمي، حاملةً رؤى واقعية وحلولًا مبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والمناخية والاجتماعية.
إن مؤتمر بيليم لا يمثل محطة تفاوضية فحسب، بل بداية عقد من التحول المناخي العادل، حيث يتقاطع صوت العلم والإرادة السياسية في سبيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للكوكب والإنسان.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من بيليم إلى العواصم العربية: نساء قياديات رفيعات المستوى تدعم جهود العمل المناخي بالعالم العربي

حين تتحول الرؤية إلى فعل: المرأة العربية قوة استراتيجية في العمل المناخي شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *