الزراعة في زمن التغير المناخي… معركة البقاء الخضراء

سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (09)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 20 نوفمبر 2025م
لم تعد الزراعة اليوم مجرد نشاط اقتصادي أو مهنة تقليدية، بل أصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة التغير المناخي، ومعركة البقاء الكبرى التي يخوضها الإنسان للحفاظ على توازنه مع الطبيعة. ففي الوقت الذي تتسارع فيه مؤشرات الاحتباس الحراري، وتختل فيه أنماط المطر، وتتصاعد درجات الحرارة، نجد أن أول من يدفع الثمن هو الفلاح، وأول ما يتأثر هو النبات، وأول ما يُختبر هو علم الإنسان وقدرته على التكيّف والإبداع.

الطبيعة التي تغيّرت ملامحها
لم يكن الفلاح المصري – منذ آلاف السنين – يحتاج إلى نشرات جوية ولا خرائط مناخية ليعرف موعد الفيضان أو موسم الزراعة. كان النيل هو الساعة البيئية التي تضبط إيقاع الحياة، وكانت الفصول الأربعة أكثر انتظامًا، وكانت النباتات تحفظ جدولها الوراثي في تناغم مع الشمس والهواء والماء. لكن اليوم، تغيّر كل شيء. تأخّر المطر في مناطق، وأغرق فيضانه مناطق أخرى. امتدت الصحراء على حساب الوادي، وبدأت محاصيل لم تكن تعرف العطش من قبل تتأوّه تحت شمس أكثر قسوة. صار الفلاح يزرع وهو يتساءل: هل سيكفي الماء؟ هل ستنجو البذور من موجة الحر؟ وهل سيأتي موسم الحصاد كما كان؟

مناخ جديد… يفرض علمًا جديدًا
التغير المناخي ليس مجرد ارتفاع في درجة الحرارة بمقدار درجة أو درجتين؛ إنه زلزال بيئي يعيد تشكيل الخرائط الزراعية، ويُبدّل جغرافيا الحياة. فالمناخ هو المخرج الخفي الذي يوزّع الأدوار بين الكائنات الحية، وحين يختلّ، تتغيّر القصة كلها. تبدأ الأمراض النباتية في الانتشار حيث لم تكن من قبل، وتغزو الآفات المناطق الباردة التي لم تكن تعرفها، وتهاجر الطيور والحشرات فتفقد المنظومات البيئية توازنها الدقيق.

لقد دفعت هذه التغيرات العلماء إلى ابتكار علوم جديدة:
• الزراعة الذكية مناخيًا (Climate-Smart Agriculture).
• النمذجة الحيوية للتربة والمياه.
• تحسين المحاصيل بالهندسة الوراثية لتحمّل الجفاف والملوحة والحرارة.
إنها ليست رفاهية علمية، بل ضرورة للبقاء. ففي المختبرات تُصنع اليوم سلالات قادرة على أن تحيا في ظروف لم تكن ممكنة قبل عقود، وفي الحقول تُختبر نماذج ريّ بالتنقيط تُوفّر كل قطرة، وتُزرع أشجار تتحمّل الملوحة في أراضٍ كانت تُعدّ قاحلة.

الفلاح… الجندي المجهول في حرب المناخ
حين يُذكر التغير المناخي، يتحدث السياسيون عن المؤتمرات، والاقتصاديون عن الكربون، والعلماء عن الانبعاثات، لكن قلّما يُذكر اسم الفلاح الذي يقف في الميدان، يواجه الواقع لا النظريات. هو الذي يجرّب أولًا آثار هذا الخلل الكوني، حين يذبل محصوله أو تتغير دورة نموه. ولذلك، فإن العدالة المناخية الحقيقية تبدأ من حق الفلاح في المعرفة والدعم والتكنولوجيا. إن تحويل الزراعة إلى منظومة ذكية لا يعني فقط أجهزة استشعار وطائرات مسيّرة، بل يعني تعليمًا زراعيًا جديدًا، وإرشادًا ميدانيًا حديثًا، وشراكة حقيقية بين العلم والحقل.

مصر… من فيضان النيل إلى فيضان الحرارة
تعيش مصر تجربة معقّدة في هذا السياق، فهي دولة زراعية تاريخيًا، لكنها تواجه تحديًا مزدوجًا: ندرة المياه من جهة، وتزايد الحرارة والملوحة من جهة أخرى.
ومن هنا، فإن مشروعات مثل تبنّي أصناف قمح مقاومة للجفاف، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي المعالجة، والتوسع في الزراعة المحمية (الصوب)، ليست مجرد حلول جزئية، بل هي ملامح لزراعة المستقبل. لقد بدأ التحول الحقيقي حين أدركت الدولة أن الزراعة لم تعد مسألة “فدان يُروى”، بل “نظام بيئي يُدار”. وأن الزراعة الحديثة ليست في زيادة الأرض فقط، بل في زيادة الذكاء في إدارتها.

التكنولوجيا الخضراء… أمل في الأفق
يُعَدّ توظيف التكنولوجيا في خدمة الزراعة أحد أبرز مظاهر الأمل. فمن الذكاء الاصطناعي الذي يتنبأ بالمناخ قبل حدوثه، إلى الأقمار الصناعية التي ترصد نمو المحاصيل لحظة بلحظة، ومن الروبوتات الزراعية التي تقلّل استخدام المبيدات، إلى أنظمة الإنذار المبكر ضد الجفاف والحرائق، تتغير صورة الحقل كما لم يحدث من قبل. وفي قلب هذا التحول، يظل الإنسان هو المحور، والعلم هو الأداة، والطبيعة هي الحكم.

بين الخوف والرجاء
ربما يبدو المشهد قاتمًا حين نسمع عن ذوبان الجليد أو تصحّر الأراضي أو تراجع المحاصيل، لكن التاريخ يُعلّمنا أن الإنسان دائمًا ينهض حين يقترب الخطر. لقد مرّت البشرية بعصور جليدية، وبمواسم جفاف، وبكوارث بيئية كبرى، ومع ذلك لم تتوقف الحياة، بل ازداد الإنسان فهمًا واحترامًا للطبيعة. اليوم، نحن أمام فرصة جديدة لإعادة صياغة علاقتنا بالأرض، لنجعل الزراعة أكثر حكمة ورحمة، ولنعيد للتربة والنبات والماء مكانتهم في منظومة الحياة.

نحو زراعة أكثر وعيًا
الزراعة في زمن التغير المناخي ليست مجرد تحدٍ علمي، بل تحوّل ثقافي وأخلاقي. فحين يزرع الإنسان شجرة، فهو لا يفعل ذلك ليأكل ثمارها فقط، بل ليمنح الكوكب نَفَسًا جديدًا.
إن كل بذرة تُزرع في تربة سليمة هي مقاومة ضد الفناء، وكل قطرة ماء تُوفّر هي موقف أخلاقي قبل أن تكون إنجازًا تقنيًا. لذلك، يجب أن تتحول الزراعة إلى قضية وعي، تُدرَّس في المدارس، وتُناقش في الإعلام، وتُحمى بالقوانين.
خاتمة
في النهاية، تبقى الزراعة مرآة لضمير الإنسان على الأرض. فإن حافظ عليها، حافظ على نفسه. وإن أهملها، فَقَدَ توازنه. في زمن التغير المناخي، ليست المعركة بين الإنسان والطبيعة، بل بين الجهل والمعرفة، الأنانية والمسؤولية. وحين تنتصر الزراعة، ينتصر الإنسان، لأن البقاء الأخضر هو البقاء الأجمل والأكثر إنسانية.

(*) د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا، الرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، بالقاهر الرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، عضو المجلس العالمي للنبات (GPC)، عضو اتحاد كتاب مصر

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

زراعة الأمل في أنبوب اختبار

سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (10) شبكة بيئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *