خلال محاضرة بعنوان من الكتاتيب إلى الجامعات ضمن المحفل العلمي الدولي السابع عشر 2025
عيسى القدومي:
• الوقف التعليمي: حين تحوّلت الصدقة إلى منظومة تصنع العقول وتحمي الهوية.
• من الحفظ إلى الحضارة: كيف أسست الأوقاف جامعات سبقت عصرها بقرون.
• حين كان العلم وقفاً للأمة: قراءة في النموذج المعرفي الذي صنع مجد الحضارة الإسلامية.
شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 20 فبراير 2025
في لحظة استثنائية استحضرت فيها الذاكرة العلمية روح الحضارة الإسلامية في أبهى تجلياتها، قدّم الدكتور عيسى القدومي رئيس جمعية الدراسات والتنمية الوقفية في اسطنبول، مستشار ومدرب ومؤلف في شؤون القطاع الثالث (الخيري والوقفي والمجتمعي) محاضرته المعمّقة بعنوان «من الكتاتيب إلى الجامعات: دور الأوقاف في ترسيخ التعليم في العهود الإسلامية»، والتي تجاوزت حدود السرد التاريخي لتغدو قراءة حضارية شاملة في كيفية تشكّل منظومة التعليم الإسلامي، ودورها في صناعة الإنسان، وحماية الهوية، وضمان استدامة المعرفة. وتأتي هذه المحاضرة في إطار المحفل العلمي الدولي السابع عشر الذي تنظمه مؤسسة اريد العلمية الدولية بنسخته الحضورية والافتراضية انطلاقاً من العاصمة التركية أنقرة خلال الفترة من 20 – 24 نوفمبر 2025.
حيث أوضح الدكتور القدومي أن الوقف لم يكن في التاريخ الإسلامي مجرد فعل إحساني أو مبادرة خيرية عابرة، بل شكّل بنية اقتصادية – معرفية متكاملة موّلت التعليم، ورعت العلماء، وأسست لمؤسسات علمية ذات استقلالية كاملة عن تقلبات السلطة والصراعات السياسية، وهو ما منح العلم حرية فكرية نادرة مكّنته من الازدهار عبر القرون.
وبيّن أن مسيرة التعليم الإسلامي انطلقت من الكتاتيب والمساجد، حيث بدأ الطفل المسلم أولى خطاه في حفظ كتاب الله وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة والفقه، قبل أن ينتقل إلى المدارس الوقفية الكبرى التي كانت تقوم فعلياً بدور الجامعات الحديثة في تنظيم التعليم العالي، وتخريج العلماء في مختلف التخصصات من فقه ولغة، وطب وفلك ورياضيات.
وأكد القدومي أن الوقف التعليمي أسهم في تحقيق مفهوم “مجانية التعليم” قبل أن تتبنّاه النظم المعاصرة بقرون طويلة، إذ تكفّل بتوفير السكن، والكتب، وأجور المعلمين، ونفقات المعيشة للطلبة، مما أتاح لأبناء الفقراء الوصول إلى المعرفة دون حواجز طبقية، وخلق نموذجًا متقدمًا للعدالة الاجتماعية قائمًا على تكافؤ الفرص.
وسلطت المحاضرة الضوء على نماذج رائدة للأوقاف العلمية التي شكّلت علامات مضيئة في تاريخ التعليم الإسلامي، من بينها المدرسة المستنصرية في بغداد، التي احتضنت المذاهب الفقهية الأربعة وجمعت بين التعليم والمستشفى ودار القرآن والمكتبة الضخمة، وكذلك المدرسة الحلّاوية في حلب التي خصصت أوقافاً لرعاية الطلبة صحيًا وغذائيًا ومعيشيًا، في نموذج إنساني متكامل سابق لعصره.
وفي بعده الثقافي، أشار الدكتور القدومي إلى أن الوقف أسهم في صيانة المخطوطات، ونسخ الكتب، وتوفير الحبر والأقلام ووسائل الكتابة للعلماء، بل وصل الأمر إلى تخصيص أوقاف للحبر وورق النسخ، وهو ما يعكس تقديرًا استثنائيًا لمكانة العلم والمعرفة في البناء الحضاري الإسلامي.
كما تناولت المحاضرة الدور المحوري للأوقاف في صون الثوابت الدينية وحماية العقيدة من الشبهات، حيث تحولت المدارس الوقفية إلى حصون فكرية حافظت على نقاء الهوية الإسلامية، وربطت التعليم بالرسالة الأخلاقية والروحية للأمة.
وفي قراءة واقعية للحاضر، ربط الدكتور القدومي بين التجربة الإسلامية التاريخية والنماذج العالمية المعاصرة، مستشهدًا بتجارب جامعات كبرى مثل هارفارد وييل وكامبريدج، التي تعتمد في تمويلها بشكل أساسي على الأوقاف الاستثمارية لضمان الاستقلال المالي واستدامة البحث العلمي، مؤكدًا أن الوقف لا يزال أداة استراتيجية قادرة على معالجة أزمات التعليم في العالم العربي، في ظل تحديات التمويل وتزايد أعداد الطلاب وارتفاع نسب الأمية.
وفي خاتمة رؤيوية، شدد الدكتور القدومي على أن استعادة روح الوقف التعليمي اليوم ليست استذكارًا نوستالجيًا للماضي، بل مشروعًا إصلاحيًا معاصرًا لإعادة بناء منظومات تعليمية مستقلة، داعيًا إلى تحديث التشريعات الوقفية، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات الوقفية، وتأسيس مراكز دراسات تُعنى بإحياء الفكر الوقفي وربطه باحتياجات العصر.
وأكد أن الأمة التي تملك منظومة وقف معرفي حيّ هي أمة تملك قرارها التعليمي، وتصوغ هويتها الفكرية بإرادتها، وتؤسس لأجيال قادرة على الجمع بين الأصالة والحداثة، بين الرسالة والقيم، وبين العلم والإنسان.

قراءة بفكر الدكتور عيسى القدومي:
قدّم الدكتور عيسى القدومي في محاضرته المعنونة «من الكتاتيب إلى الجامعات: دور الأوقاف في ترسيخ التعليم في العهود الإسلامية» قراءة تاريخية موثقة تُبرز كيف تحوّل الوقف من عمل تعبّدي فردي إلى منظومة تنموية متكاملة شكّلت العمود الفقري للتعليم في الحضارة الإسلامية.
يُركز الطرح على أن الوقف لم يكن مجرد مورد مالي، بل نظام حضاري أرسى دعائم التعليم المجاني، وصان استقلال العلماء، وضمن استدامة المؤسسات العلمية بعيدًا عن تقلبات السلطة والسياسة، وهو ما تؤكده الأمثلة التاريخية من المدارس الوقفية الكبرى مثل المدرسة المستنصرية ببغداد والمدرسة الحلّاوية بحلب، ومدارس مكة، ودمشق، والقاهرة.
كما يعالج المحاضر بعمق الأبعاد الاجتماعية والثقافية للوقف التعليمي، موضحًا دوره في تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص التعليمية، وإتاحة العلم لأبناء الفقراء قبل أبناء الطبقات الميسورة، بما جعل التعليم قناة حقيقية للحراك الاجتماعي وبناء النخب العلمية.
وتميّزت المحاضرة بربطها بين الماضي والحاضر، إذ ناقشت نماذج حديثة لإدارة الأوقاف التعليمية في جامعات عالمية مثل هارفارد وييل وكامبريدج، مؤكدة أن روح الوقف ما زالت قادرة على الإسهام في حل أزمات التعليم الراهنة، ولا سيما في مجتمعات تعاني من ضعف التمويل وارتفاع معدلات الأمية.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز