خلال محاضرة بعنوان الابتكار الوقفي في عصر الذكاء الاصطناعي ضمن المحفل العلمي الدولي السابع عشر 2025
ندى مسوتي:
– الوقف الرقمي بوابة جديدة للحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة.
– الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل دور الوقف في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
– الوقف كمنصة حضارية لتمكين البحث العلمي وريادة الابتكار.
شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 22 نوفمبر 2025
ضمن أعمال المحفل العلمي الدولي السابع عشر، قدّمت الباحثة الدكتورة ندى محمد فؤاد مسوتي محاضرة علمية معمّقة بعنوان: «الابتكار الوقفي في عصر الذكاء الاصطناعي: فرص وتحديات بناء اقتصاد المعرفة»، يوم الجمعة 21 نوفمبر 2025 ضمن فعاليات المحفل العلمي الدولي السابع عشر الذي تنظمه مؤسسة أريد العلمية الدولية في أنقرة خلال الفترة 20 – 24 نوفمبر 2025، تناولت فيها التحولات البنيوية التي يشهدها مفهوم الوقف في ظل الثورة الرقمية، مؤكدة أن الوقف لم يعد مجرد إطار تقليدي للعطاء، بل بات منصة استراتيجية لصناعة المعرفة واستدامتها وإدارتها بذكاء، بما يعزز دوره كرافعة تنموية عابرة للأجيال.
وأوضحت المحاضرة أن الوقف، منذ فجر الإسلام، أسهم في بناء المدارس والمستشفيات والمكتبات وصناعة منظومة حضارية متكاملة ربطت التنمية بالمعرفة والإحسان والعطاء المستدام، بينما تفرض تحديات العصر الراهن إعادة صياغته وفق مقاربات معرفية ورقمية تستوعب التحول نحو الاقتصاد القائم على الابتكار والبيانات. وفي هذا السياق، عرّفت الباحثة الابتكار الوقفي بأنه منظومة من الحلول الإبداعية التي تُطبَّق على تصميم الوقف ومصادر تمويله ونماذج تشغيله وخدماته، بهدف تعزيز الكفاءة والاستدامة وتوسيع دائرة الانتفاع وتحقيق أكبر منفعة ممكنة بصورة مستدامة.
واستعرضت الدكتورة مسوتي المراحل التاريخية لتطور الوقف، بدءًا من الوقف التقليدي القائم على الأعيان الثابتة والعوائد المحدودة والإدارة اليدوية، مرورًا بالوقف التنموي الذي شهد بداية التحول المؤسسي واستخدام التخطيط الاستراتيجي والحوكمة الحديثة، وصولًا إلى الوقف المعرفي والرقمي الذي يستثمر في المعرفة ويعتمد على المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي لإدارة الأصول وتحليل الأثر وتقليل الهدر. واعتبرت أن هذا التحول يمثل “ثورة مفاهيم جديدة” تُعيد تعريف الوقف كقطاع تنموي فعّال متجاوب مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية.
وسلطت المحاضرة الضوء على عناصر الابتكار الوقفي الأربعة، المتمثلة في الإبداع في الفكرة، والتمويل، والإدارة، والأثر، موضحة نماذج تطبيقية مثل الوقف التعليمي الرقمي الذي يموّل الطلبة عبر عوائد استثمارية لمنصة إلكترونية، مع متابعة الأداء باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يضمن شفافية القياس وتعظيم الأثر التنموي طويل المدى. كما أكدت أن الوقف الرقمي أحدث أكبر قفزة في تاريخ الوقف منذ نشأته، عبر اعتماد الصكوك الوقفية الرقمية، والمنصات الجماعية، وقواعد البيانات الذكية لإدارة الأصول والحوكمة.
وفي تناولها لعصر الذكاء الاصطناعي وتحولات المعرفة، بيّنت الباحثة أن العالم يشهد انتقالًا نوعيًا من عصر المعلومات إلى عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المعرفة منظومة حيّة تُدار بالخوارزميات والتحليل العميق والتعلّم الآلي، ولم تعد مجرد مخزون من البيانات. هذا التحول غيّر بنية المعرفة من النقل إلى التحليل، ومن الثبات إلى التكيّف المستمر، ومن المعلومة إلى الرؤية الاستباقية، ومن الخبرة الفردية إلى الذكاء الجمعي المدعوم بالأنظمة الذكية. كما أشارت إلى أن المعرفة اليوم تُقاس بقدرتها على الاستنباط وصناعة الرؤى والتنبؤات، لا بمجرد تخزينها.
وأبرزت المحاضرة التكامل بين العقل البشري والآلة في صنع القرار، حيث تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة إلى شريك معرفي، ودور الإنسان إلى عقل أخلاقي يحكمه الحدس والقيم والرؤية الإنسانية للنتائج، مقابل الآلة التي تتولى التحليل العميق ومعالجة البيانات الهائلة، وهو ما أسهم في نشوء مفهوم “القرار الذكي” القائم على التوازن بين التقنية والأخلاق.
وفي ختام عرضها، دعت الدكتورة مسوتي إلى تبني رؤية مستقبلية للوقف الذكي، تقوم على تحديث التشريعات، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات الوقفية، وتطوير أدوات الحوكمة الرقمية، وربط الوقف بمشروعات الاقتصاد المعرفي والتعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال، بما يحوّله إلى محرك رئيسي للتنمية المستدامة وبناء الإنسان القادر على مواكبة تحولات العصر.

قراءة بفكر الدكتورة ندى مسوتي:
في عالم تتسارع فيه وتيرة التحولات الرقمية، لم يعد الوقف مجرد أداة للبر والإحسان، بل أصبح ركيزة استراتيجية لإعادة تشكيل منظومة المعرفة ودعم اقتصاد المستقبل. وتأتي محاضرة الدكتورة ندى مسوتي لترسم ملامح هذا التحول، عبر مقاربة عميقة تمزج بين أصالة المفهوم الوقفي وحداثة الذكاء الاصطناعي، في رؤية تتجاوز حدود التقليد إلى آفاق الابتكار المستدام.
تنطلق الورقة العلمية من فرضية مركزية مفادها أن المعرفة أصبحت المورد الأثمن في القرن الحادي والعشرين، وأن إدارة هذا المورد لم تعد ممكنة دون أدوات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، تُعيد الباحثة صياغة العلاقة بين الوقف والمعرفة باعتبارها علاقة تكاملية، يتحول فيها الوقف من ممول تقليدي إلى فاعل معرفي ينتج ويستثمر ويُحدث فرقاً حقيقياً في حياة المجتمعات.
وتكشف القراءة الفكرية أن جوهر المحاضرة لا يكمن في التقنية بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها أخلاقياً لخدمة الإنسان، من خلال توجيه العوائد الوقفية نحو التعليم النوعي، والبحث العلمي، وتنمية القدرات البشرية. كما تبرز أهمية الانتقال من “الوقف الورقي” إلى “الوقف الذكي”، حيث تُدار الموارد بشفافية، وتُقاس الآثار بمنهجيات علمية دقيقة، بما يعزز الثقة ويؤسس لاستدامة طويلة الأمد.
رسالة المحاضرة
تتمحور رسالة المحاضرة حول دعوة صريحة لإعادة إحياء روح الوقف ضمن سياق معاصر قائم على الابتكار والمعرفة، بحيث يصبح الوقف جسراً بين القيم الإنسانية والتقنيات الحديثة، وأداة استراتيجية لتحقيق العدالة المعرفية والتنمية الشاملة. فالرهان الحقيقي، كما تؤكد الباحثة، ليس في امتلاك التكنولوجيا، بل في توجيهها بما يخدم الإنسان، ويحفظ كرامته، ويعزز قدرته على الإسهام في بناء مستقبل قائم على العلم، والمسؤولية، والاستدامة.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز