خميس العجيمي يفتح نافذة جديدة على فلسفة الوقف المعرفي في المحفل العلمي الدولي السابع عشر، خلال محاضرة بعنوان “الصندوق الوقفي لتمكين التعليم العربي المستدام” خلال افتتاح فعاليات المحفل العلمي الدولي السابع عشر 2025
خميس العجمي:
• إعادة تعريف دور الأوقاف في دعم البحث العلمي وبناء اقتصاد المعرفة.
• دعوة لإنشاء منظومة عربية للوقف المعرفي تربط الجامعات بالمؤسسات الوقفية في إطار شراكات مستدامة.
• ضرورة ترسيخ الوقف المعرفي كرافعة لنهضة تعليمية عربية مستدامة.
• اقتصاد العطاء المستدام يجعل المعرفة استثماراً دائماً في الإنسان والمستقبل.
شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 21 فبراير 2025
في أجواء علمية رفيعة احتضنها المحفل العلمي الدولي السابع عشر لعام 2025، قدّم الدكتور خميس بن عبيد بن مبارك العجيمي محاضرة محورية بعنوان “فلسفة الوقف المعرفي: من اقتصاد التملك إلى اقتصاد العطاء الدائم”، استعرض خلالها رؤية فكرية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والوقف والتنمية، وتضع التعليم في صميم المعادلة الحضارية للأمم.
وجاءت هذه المحاضرة ضمن فعاليات اليوم الأول لافتتاح المحلي العلمي الدولي السابع عشر الذي تنظمه مؤسسة أريد العلمية الدولية بنسخته الحضورية والافتراضية انطلاقاً من العاصمة التركية أنقرة خلال الفترة من 20 – 24 نوفمبر 2025 تحت شعار “اقتصاد المعرفة في ضوء الدراسات البينية: قراءة متكاملة بين الجامعات والمؤسسات الوقفية”، بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين من مختلف الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى ممثلين عن مؤسسات وقفية وجامعات ومنصات بحثية.
الوقف المعرفي… من مفهوم خيري إلى مشروع حضاري
انطلقت أطروحة الدكتور العجيمي من تأكيد أن الوقف لم يعد مجرد أداة تقليدية لدعم الفقراء أو إنشاء المساجد والمدارس، بل أصبح ضرورة استراتيجية لمواكبة تحولات القرن الحادي والعشرين، مشيرًا إلى أن الوقف المعرفي يمثل أحد أهم الأدوات لضمان استدامة التعليم والبحث العلمي وبناء الأجيال القادرة على الابتكار وصناعة المستقبل.
وأوضح أن التحول الحقيقي في المجتمعات لا يتحقق بتكديس الثروات، بل بتوجيهها نحو الاستثمار في العقول، مؤكداً أن مفهوم “اقتصاد العطاء” يقوم على فكرة أن المعرفة حين تُوقَف تصبح طاقة متجددة تصنع الأثر وتديمه عبر الزمن، بعكس اقتصاد التملك الذي يقيس النجاح بما يُختزن لا بما يُمنح.
مقاربة نقدية للنموذج الاقتصادي السائد
وسلط العجيمي الضوء على التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية في العالم العربي، في ظل تحويل المعرفة إلى سلعة، وتهميش البحث العلمي لصالح النزعة الاستهلاكية، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للوقف بوصفه آلية تحررية تمنح المؤسسات الأكاديمية استقلالها وتضمن لها الاستدامة المالية والبحثية.
وأشار إلى أن النماذج العالمية الناجحة، مثل تجارب الجامعات الأمريكية الرائدة، اعتمدت بشكل كبير على الصناديق الوقفية لبناء منظومة تعليمية قوية ومتقدمة، فيما لا تزال التجربة العربية تحتاج إلى تأطير تشريعي ومؤسسي يعيد للوقف مكانته كرافعة للتنمية المعرفية.
دعوة إلى تأسيس منظومة عربية للوقف المعرفي
وفي سياق الانتقال من النظرية إلى التطبيق، اقترح الدكتور العجيمي مجموعة من المبادرات الاستراتيجية، أبرزها إنشاء “صندوق عربي للوقف المعرفي”، يهدف إلى دعم المشاريع البحثية، ورعاية الموهوبين، وتمويل الابتكار العلمي، وربط الجامعات بالمؤسسات الوقفية في إطار شراكات مستدامة تقوم على الشفافية والحوكمة الرشيدة.
كما دعا إلى إدماج مفهوم الوقف المعرفي في السياسات التعليمية الوطنية، وتضمينه في المناهج التربوية، وتنمية ثقافة العطاء المؤسسي لدى رجال الأعمال وصناع القرار، باعتبارها استثمارًا طويل الأمد في استقرار المجتمعات ونهضتها.
تفاعل واسع وإشادة بمضمون المحاضرة
وقد لقيت المحاضرة تفاعلاً كبيرًا من قبل المشاركين، الذين أشادوا بعمق الطرح ووضوح الرؤية، مؤكدين أن الخطاب الذي قدمه الدكتور العجيمي أعاد فتح النقاش حول دور الوقف في بناء اقتصاد المعرفة وتحقيق العدالة التعليمية، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المجتمعات العربية على المستويين التعليمي والاجتماعي.
واعتبر عدد من الحضور أن هذه المحاضرة شكلت إحدى المحطات الفكرية البارزة في أعمال المحفل، لما تضمنته من دعوة صريحة لإعادة هندسة العلاقة بين المال والمعرفة، وتحويل العطاء إلى استراتيجية تنموية لا مجرد فعل خيري عابر.
نحو نهضة معرفية مستدامة
وفي ختام محاضرته، شدد الدكتور خميس العجيمي على أن مستقبل الأمة لن يُبنى إلا إذا تحولت المعرفة إلى حق متاح للجميع، لا امتيازًا للنخب، داعيًا إلى توسيع مظلة الوقف لتشمل البحث العلمي، والتكنولوجيا، والتعليم الرقمي، بوصفها مفاتيح أساسية لنهضة إنسانية شاملة.
وأكد أن الوقف المعرفي يمثل أفقًا أخلاقيًا وتنمويًا يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية، ويحوّل التعليم إلى مشروع جماعي تتقاطع فيه المسؤولية المجتمعية مع الرؤية الحضارية.

قراءة تحليلية لفكر الدكتور خميس العجيمي
يكشف خطاب الدكتور خميس العجيمي عن منظومة فكرية متكاملة تنطلق من قناعة راسخة بأن التعليم ليس قطاعًا خدماتيًا، بل هو معركة وجودية وحضارية، وأن الوقف المعرفي هو الأداة الأكثر نبلًا وفعالية لخوض هذه المعركة. فهو لا يتحدث عن الوقف من زاوية فقهية أو مالية ضيقة، بل يقدمه كفلسفة شاملة تعيد صياغة مفهوم الإنسان ذاته، من كائن مستهلك إلى صانع أثر، ومن متلقٍ إلى منتج للمعرفة.
يمزج العجيمي بين الخطاب القيمي واللغة الواقعية، ليؤسس لمنطق جديد يرى أن النهضة لا تُبنى على المباني الشاهقة، بل على العقول الحرة، وأن رأس المال الحقيقي هو الإنسان الذي يتسلح بالعلم والوعي والأخلاق. ويعكس خطابه حسًا نقديًا تجاه النموذج الرأسمالي الجاف الذي حوّل التعليم إلى سلعة، مقابل دعوته لنموذج إنساني يجعل من الوقف المعرفي ثورة حضارية تحفظ هوية الأمة وتعيد لها دورها الريادي.
كما يتسم فكره بوضوح الرؤية الاستشرافية، إذ لا يقف عند توصيف الأزمات، بل يطرح حلولًا قابلة للتطبيق عبر مبادرات استراتيجية مثل “صندوق تمكين للوقف المعرفي العربي”، التي تُجسد الانتقال من التنظير إلى الفعل، ومن الحلم إلى المشروع.
المقدمة الإنسانية لخطابه
في صوت الدكتور خميس العجيمي يتجسد قلق المفكر ومسؤولية المربي، وحرقة الإنسان الذي يرى في كل طفل محروم من التعليم جرحًا في ضمير الأمة. محاضرته ليست مجرد خطاب أكاديمي، بل نداء أخلاقي عميق يستنهض الضمائر ويوقظ الإحساس الجمعي بضرورة إنقاذ أجيالنا من الظلام المعرفي، وتحويل المعرفة إلى حق أصيل لا امتياز نخبوي.
رسالة ختامية إلى الدكتور خميس العجيمي
إن ما قدمتموه في هذه المحاضرة يشكل دعوة صادقة لإعادة بناء الوعي العربي على أسس المعرفة والوقف المسؤول، ويؤكد أن الطريق إلى النهضة يبدأ من فكرة صادقة، ورؤية شجاعة، وإرادة، واعية. لقد وضعتم بأطروحتكم حجرًا جديدًا في صرح الفكر التربوي العربي، وربطتم بين الأخلاق والاقتصاد، بين الإيمان والمعرفة، وبين الحلم والمشروع.
رسالتكم تتجاوز حدود المحفل، لتصل إلى كل من يؤمن بأن التعليم هو جسر العبور إلى المستقبل، وبأن الوقف المعرفي هو الضمانة الأسمى لبقاء الحضارة واستمرار العطاء.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز