التحول الرقمي كرافعة استراتيجية لبناء الدولة الرقمية واقتصاد المعرفة

خلال محاضرة بعنوان “أسس تطوير الاقتصاد بالدولة الرقمية” ضمن المحفل العلمي الدولي السابع عشر 2025

فكري فؤاد:
• الاقتصاد المعرفي بوابة التنمية الشاملة في عصر الثورة الصناعية الرابعة.
• محاضرة نوعية تكشف الفجوة بين الأتمتة والتحول الرقمي الحقيقي.
• دعوة لتكامل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في منظومة رقمية واحدة.
• التعليم والبحث العلمي محرك أساسي لبناء مجتمع المعرفة المستدام.

شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 22 نوفمبر 2025
في إطار فعاليات المحفل العلمي الدولي السابع عشر الذي تنظمه مؤسسة اريد العلمية الدولية بنسخته الحضورية والافتراضية انطلاقاً من العاصمة التركية أنقرة خلال الفترة من 20 – 24 نوفمبر 2025، قدّم الأستاذ الدكتور فكري فؤاد، أستاذ النظم والتحول الرقمي، محاضرة علمية متخصصة بعنوان “أسس تطوير الاقتصاد بالدولة الرقمية”، مساء يوم الجمعة 22 نوفمبر 2025 عبر المنصة الافتراضية زووم، تناول خلالها التحولات الجذرية التي تفرضها الثورة الرقمية على بنية الدولة الحديثة، وعلاقتها بإعادة صياغة المفاهيم الاقتصادية والتنموية في سياق عالمي متسارع.
واستهل الدكتور فكري فؤاد محاضرته بالتأكيد على أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا ترفيًا أو مسارًا تقنيًا معزولًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لإعادة بناء منظومة الدولة ومؤسساتها، مشيرًا إلى أن الاقتصار على الميكنة أو الرقمنة الجزئية لا يحقق سوى ما نسبته 30% فقط من جوهر التحول، ما لم يُواكب بتحديث تشريعي، وهيكلي، ومجتمعي متكامل يفضي إلى دولة رقمية شاملة

وأوضح أن التحول الحقيقي يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:
الميكنة الرقمية، والتشريعات المرنة المواكبة، والمشاركة المجتمعية الواعية، بما يضمن تحقيق العدالة الرقمية وتعزيز الشفافية وربط المواطن بمراكز صنع القرار عبر منصات إلكترونية تفاعلية، معتبرًا أن الدولة الرقمية هي تلك التي تعمل جميع سلطاتها بتكامل وظيفي وليس بمعزل بعضها عن بعض.

كما سلط الضوء على العلاقة الجوهرية بين التحول الرقمي والسيادة الوطنية، مشيرًا إلى خطورة الاعتماد على منصات أجنبية في إدارة البيانات الاستراتيجية، داعيًا إلى تبني نماذج وطنية لتوطين التكنولوجيا، وضمان الملكية السيادية للبيانات، وتحقيق التوازن بين الانفتاح الرقمي وحماية الأمن المعلوماتي.

وتطرقت المحاضرة إلى التحول من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة، حيث تصبح المعرفة موردًا استراتيجيًا، مؤكدة أن الاقتصاد المعرفي يمثل المرحلة المتقدمة للاقتصاد الحديث، والذي يقوم على البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا والتعليم العالي كمحرّكات رئيسية للنمو والتنافسية الدولية.

وفي محور التعليم، شدد الدكتور فكري فؤاد على ضرورة مواءمة المخرجات التعليمية مع احتياجات سوق العمل الرقمي، داعيًا إلى اعتماد منظومات ذكية لقياس المهارات ورصد الفجوات، بما يسهم في تقليص البطالة ورفع كفاءة الموارد البشرية، معتبراً أن الجامعات هي الحاضنة الأساسية لإنتاج المعرفة وليس مجرد ناقل لها.

كما استعرض نماذج الابتكار الوطنية عالميًا، موضحًا أن المستقبل للدول التي تمتلك منظومات بحثية قوية، وقدرة على تحويل المعرفة إلى منتج اقتصادي قابل للتسويق، وحذّر من بقاء الدول النامية في موقع المستهلك للتكنولوجيا دون امتلاك أدواتها.
واختتم محاضرته بدعوة صريحة إلى تبني رؤية عربية موحدة للتحول الرقمي، ترسي ميثاقًا عربيًا مشتركًا يعزز تكامل السياسات الرقمية ويؤسس لاقتصاد عربي قائم على المعرفة، قادر على المنافسة والاستقلال والسيادة في منظومة الاقتصاد العالمي الجديد.

قراءة بفكر الدكتور فكري فؤاد:
تنطلق رؤية الدكتور فكري فؤاد من إدراكٍ عميق بأن التحول الرقمي ليس رفاهية تقنية ولا مجرد انتقال شكلي نحو الأتمتة، بل هو مشروع حضاري متكامل يهدف إلى إعادة هيكلة الدولة والمجتمع والاقتصاد على أسس معرفية قائمة على التكامل بين التكنولوجيا والتشريعات والسياسات العامة والمشاركة المجتمعية. فهو يطرح التحول الرقمي بوصفه عملية شمولية تعيد تعريف وظيفة الدولة، وتُعيد صياغة العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبين المعرفة والتنمية، في إطار يسعى إلى تحقيق الرفاه المجتمعي والانتقال إلى مجتمع المعرفة واقتصاد الوفرة.

التحول الرقمي كتحول بنيوي لا تقني
يؤكد الدكتور فكري فؤاد أن الميكنة الرقمية، مهما بلغت نسبة إنجازها، لا تمثل سوى 30% من جوهر التحول الحقيقي، إذا لم تُرافقها منظومة تشريعية مرنة ومشاركة مجتمعية فاعلة. ويذهب إلى أن التحول الرقمي هو “ALL or NONE”، أي عملية شاملة لا تقبل التجزئة، ما يعكس فلسفة ترى في الرقمنة مشروع دولة لا مشروع قطاع.

الدولة الرقمية والسيادة الوطنية
يتعامل الدكتور فكري مع الدولة الرقمية ككيان سيادي يجب أن يمتلك قراره المعرفي وبياناته الوطنية، محذرًا من التبعية التكنولوجية ومن فقدان السيطرة على قواعد البيانات السيادية، وداعيًا إلى توطين التكنولوجيا باعتبارها شرطًا من شروط الاستقلال الوطني في العصر الرقمي، وهو طرح يتقاطع مع مفهوم “السيادة المعرفية” كأحد أعمدة الأمن القومي.

الاقتصاد المعرفي بوصفه قاطرة التنمية
يرى الدكتور فؤاد أن الاقتصاد القائم على المعرفة يمثل المرحلة الأكثر تقدمًا في تطور المجتمعات، حيث تتحول المعرفة إلى مصدر إنتاج وقيمة اقتصادية مستدامة، مبرزًا دور البحث العلمي والتعليم العالي كدعائم أساسية لبناء مجتمع قادر على المنافسة في منظومة الاقتصاد العالمي الجديد، لا سيما في ظل الثورة الصناعية الرابعة.

التشريعات الرقمية وتحول مؤسسات السلطة
يمنح فكره أهمية كبرى لإعادة هيكلة التشريعات بوصفها بنية حاكمة لأي تحول حقيقي، مؤكدًا على ضرورة تطوير برلمان رقمي وقضاء رقمي يتناسب مع طبيعة المعاملات الإلكترونية والجرائم التقنية، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا للعلاقة بين القانون والتكنولوجيا في إعادة إنتاج الشرعية المؤسسية.

الإنسان في قلب المعادلة الرقمية
رغم اعتماده على رؤية تقنية متقدمة، فإن الدكتور فكري فؤاد لا يُقصي البعد الإنساني، بل يضع الإنسان في صميم المشروع الرقمي، عبر تطوير المهارات الرقمية ومخرجات التعليم، وربطها بسوق العمل وتحقيق مواءمة مستدامة بين المعرفة والواقع، معتبراً أن الاستثمار في الإنسان هو الشرط الضروري لأي تحول رقمي ناجح

رسالة الدكتور فكري فؤاد كما تعكسها محاضرته
إن التحول الرقمي الحقيقي ليس مسارًا تقنيًا فحسب، بل هو ثورة فكرية وإدارية وتشريعية وأخلاقية تعيد صياغة مفهوم الدولة الحديثة، وتؤسس لاقتصاد معرفي يرفع من كفاءة الأداء ويعزز السيادة الوطنية ويحقق الرفاه المجتمعي. فالتحول المنشود هو مشروع وطني يقوم على التكامل، لا على التجزئة، وعلى الرؤية الاستراتيجية، لا على القرارات الظرفية.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الوقف العلمي كمنظومة تمويل معرفي مستدام

قراءة استراتيجية في رؤية د. محمد ماهر عبيد للتحول من الدعم الموسمي إلى الاستثمار الحضاري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *