الدكتورة خولة الزيدي تستعرض ضوابط القرض الوقفي بين المشروعية والحوكمة
خولة الزيدي:
1. القرض الوقفي كأداة تكافل فعّالة في دعم الفئات الهشة والمشاريع الصغيرة.
2. نماذج وقفية عراقية تعزز التنمية الاجتماعية دون فوائد ربوية.
3. تنظيم الرسوم الإدارية وفق ضوابط شرعية صارمة لحماية روح الإحسان.
4. القروض الوقفية تبرز كأداة تنموية ذات بعد إنساني في المحفل العلمي الدولي السابع عشر
شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 22 نوفمبر 2025
ضمن أعمال المحفل العلمي الدولي السابع عشر، قدّمت الأستاذة الدكتورة خولة بنت حمد الزيدي، أستاذة الفقه المقارن بجامعة ديالى – كلية التربية الأساسية في العراق، محاضرة علمية معمّقة بعنوان «القروض الوقفية: أحكام وتطبيقات»، تناولت فيها القرض الوقفي بوصفه نموذجاً حضارياً يجمع بين أصالة الوقف في الشريعة الإسلامية ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة، مؤكدة أن هذا النموذج يمثل إحدى أهم أدوات التمويل الإسلامي غير الربوي وأكثرها قدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية مع الحفاظ على البعد الإنساني في المعاملات.
واستهلت الدكتورة الزيدي محاضرتها بتأصيل مفهومي للقرض والوقف والوقف القرضي، موضحة أن القرض في الفقه الإسلامي يُعد من عقود الإرفاق والإحسان التي تهدف إلى التيسير على المحتاجين دون تحقيق أي منفعة مالية للمقرض، بينما يُعرف الوقف بأنه حبس الأصل وصرف المنفعة في أوجه الخير. ومن هذا المنطلق نشأ مفهوم القرض الوقفي كصيغة تمويلية تعتمد على تدوير أموال الوقف لتقديم قروض حسنة يُعاد استخدامها مجددًا لتحقيق ديمومة النفع الوقفي.
وتطرقت الباحثة إلى حكم الوقف ومشروعيته، مستندة إلى النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، وإلى أقوال الفقهاء، مبينة أن الوقف مندوب شرعاً ومشروع بالإجماع، لكنه شهد خلافاً فقهياً في مسألة وقف النقود، حيث عرضت اتجاهات الفقهاء بين المجيزين والمانعين، مع تحليل مستفيض للأدلة والمقاصد الشرعية التي رجّحت القول بجوازه في ضوء التطبيقات المعاصرة وشروط الضبط والحوكمة.
وفي محور الأحكام الفقهية للقرض الوقفي، أوضحت الدكتورة الزيدي أن القرض الوقفي يجب أن يكون قرضاً حسناً خالياً من أي زيادة مشروطة، وأن يُصرف من أموال الوقف أو ريعها دون الإضرار بالأصل، مع تحديد أولويات الإقراض وفق شروط الواقف أو لوائح المؤسسة الوقفية، وبما يراعي المقاصد الاجتماعية ويوازن بين الحاجة والاستدامة. كما أكدت أهمية وجود هيكل إداري ورقابي يضمن الشفافية وحسن إدارة الأموال الوقفية.
وسلّطت المحاضرة الضوء على التطبيقات المعاصرة للقروض الوقفية، مستعرضة نماذج لصناديق القرض الحسن الموجهة للطلبة والأسر المنتجة وأصحاب المشاريع الصغيرة، موضحة آليات عملها القائمة على استثمار الأموال بطرق شرعية، ثم إعادة تدويرها عبر قروض حسنة تُسترد دون فوائد، بما يعزز فرص التمكين الاقتصادي ويخفف من حدة الفقر والبطالة.
كما تناولت الباحثة الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقرض الوقفي، معتبرةً إياه أداة فاعلة في تعزيز التكافل الاجتماعي، وتحقيق التنمية الاقتصادية، وترسيخ الاستدامة المالية للمؤسسات الوقفية، فضلاً عن تقوية الثقة المجتمعية في العمل الخيري وإعادة الاعتبار للوقف كمحرك تنموي شامل. واستحضرت نماذج من تركيا وماليزيا بوصفها تجارب رائدة في توظيف القروض الوقفية لدعم التعليم والشرائح الفقيرة.
وفي محور الرسوم الإدارية، أكدت الدكتورة الزيدي أن الأصل الشرعي يحرم فرض أي زيادة على القرض، إلا أنها أشارت إلى جواز استيفاء رسوم إدارية فعلية ومحددة تغطي تكلفة الخدمات المرتبطة بإدارة القرض، مثل دراسة الطلبات والتوثيق والمتابعة، شريطة ألا تكون هذه الرسوم وسيلة للربح أو مرتبطة بنسبة من مبلغ القرض أو مدته، مستندة في ذلك إلى قرارات المجامع الفقهية وهيئات الرقابة الشرعية المعاصرة.
واختتمت محاضرتها بدعوة صريحة إلى إنشاء صناديق قروض وقفية متخصصة، وتوعية الواقفين بأهمية تخصيص جزء من أوقافهم للقرض الحسن، وتطوير الأطر التنظيمية لإدارة هذه القروض، وإدماج مفهوم القرض الوقفي في برامج التمويل الأصغر، باعتباره نموذجاً تنموياً يجمع بين العبادة والتنمية، وبين الإحسان والاستثمار الاجتماعي المستدام.
خلاصة الخبر
تقدم محاضرة الدكتورة خولة الزيدي قراءة فقهية متوازنة تعيد إحياء القرض الوقفي كأداة تنموية أخلاقية، تتجاوز المفهوم التقليدي للعطاء إلى نموذج اقتصادي مستدام يحفظ كرامة الإنسان ويحقق العدالة الاجتماعية، مؤكدة أن القروض الوقفية ليست مجرد ممارسة خيرية، بل رؤية حضارية متكاملة لبناء مجتمع متكافل قادر على تحويل القيم الدينية إلى أثر اقتصادي ملموس.

قراءة بفكر الدكتورة خولة الزيدي:
تقدّم الدكتورة خولة الزيدي رؤية فقهية معاصرة تُعيد للقرض الوقفي مكانته كأداةٍ تنموية أخلاقية، تجمع بين روح الإحسان ومقاصد الشريعة ومتطلبات الحوكمة الحديثة. تنطلق أطروحتها من تأصيلٍ دقيق لمفهومي القرض والوقف، ومن اعتبار القرض الوقفي نموذجاً قابلاً للاستدامة عبر تدوير المال الوقفي في قنوات دعم الفئات المحتاجة والمشاريع الصغيرة، دون الوقوع في شبهة الربا أو تحويل العمل الخيري إلى نشاط ربحي مقنّع.
الفقه في خدمة التنمية:
تؤكدي الزيدي أن القرض الوقفي قرضٌ حسن خالٍ من أي زيادة مشروطة، وأن مشروعيته ترتكز على ضبطٍ شرعي يُقدّم العدالة الاجتماعية ويصون كرامة المستفيد، مع مراعاة شروط الواقف وأولويات الإقراض وفق المقاصد الاجتماعية.
حوكمة دقيقة ورسوم منضبطة:
تميّز بوضوح بين الرسوم الإدارية الجائزة وبين أي زيادة ربحية محرّمة، مشترطة أن تكون الرسوم محددة بقدر التكلفة الفعلية وألا ترتبط بنسبة من مبلغ القرض أو مدته، حفاظاً على روح الإحسان والشفافية.
تطبيق عملي قابل للتكرار:
تطرح نماذج تشغيلية وصيغاً تعاقدية دقيقة تُبرز التزامات المستفيد والمؤسسة والهيئة الشرعية، بما يعزّز موثوقية الصناديق الوقفية وقدرتها على الاستدامة والقياس.
الرسالة الختامية لفكر الدكتورة خولة
إن القرض الوقفي ليس مجرد آلية تمويل، بل رسالة أخلاقية تعيد تشكيل العلاقة بين المال والإنسان على أساس التكافل والعدل. فحين يُدار الوقف بمنظومةٍ شرعية حازمة وشفافيةٍ إدارية راشدة، يتحول إلى قوةٍ تنموية تُنقذ الحاجة دون إذلال، وتبني الأثر دون ربا، وتُعيد للحياة الاقتصادية روحها الإنسانية.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز