من المعرفة إلى التنمية، مقاربة شاملة لتأهيل المجتمعات للانتقال الرقمي الواعي

نيرفانا الصبري:
• المهارات الرقمية بوابة التنافسية في سوق عمل قائم على التكنولوجيا.
• لماذا تفشل مبادرات التحول الرقمي؟ قراءة تشخيصية جريئة للواقع المؤسسي
• التعليم والابتكار شرط أساسي لاقتصاد مستدام قائم على المعرفة.

شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 23 نوفمبر 2025
ضمن جلسات المحفل العلمي الدولي السابع عشر 2025، الذي تنظمه مؤسسة أريد العلمية الدولية خلال الفترة 20 – 25 نوفمبر 2025 قدّمت الأستاذة الدكتورة نيرفانا حسين الصبري، أستاذ العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة النيل الأوروبية والمحاضِرة بكلية التربية – جامعة الأزهر، محاضرة علمية يوم السبت 22 نوفمبر 2025 حملت عنوان «المنهجية المعرفية في المجتمعات الحديثة»، تناولت فيها التحولات المعرفية العميقة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة في ظل الاقتصاد الرقمي وتسارع التطور التكنولوجي، مؤكدة أن المعرفة لم تعد مجرد مورد ثانوي، بل أصبحت رأس المال الحقيقي لصناعة التنمية والنمو الاقتصادي المستدام.

واستهلت الدكتورة الصبري محاضرتها بتحديد الإطار المفاهيمي للمنهجية والمعرفة والتحول الرقمي، موضحة الفرق بين المنهجية بوصفها نظامًا فكريًا متكاملًا لإنتاج المعرفة وتحليلها، والمنهج كأداة إجرائية، كما تناولت الفرق بين الرقمنة والتحول الرقمي، مشيرة إلى أن الأخير يمثل تحولًا شاملاً في التفكير والهيكلة والقيادة، لا مجرد نقل تقني للخدمات والبيانات من الورق إلى الشاشة.

وفي محور “المنهجية المعرفية في مجال الاقتصاد الرقمي”، أوضحت أن الاقتصاد الحديث يقوم بشكل متزايد على مصادر غير ملموسة تتمثل في المعرفة والمعلومات وإدارة رأس المال الفكري، حيث تحقق هذه الموارد الجزء الأكبر من القيمة المضافة في العملية الإنتاجية، ما يجعل من إدارة المعرفة محورًا رئيسيًا لرفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للدول والمؤسسات.

وسلطت الباحثة الضوء على أهداف منهجية المعرفة داخل المؤسسات، مؤكدة أنها تقوم على بناء نظم تعليم وتدريب مستمر قائمة على التكنولوجيا، وتعزيز منظومة الابتكار بين الباحثين ورواد الأعمال، وتوفير بنية تحتية قوية للمعلومات والاتصالات، إلى جانب إطار قانوني ومؤسساتي داعم يضمن الاستدامة والتكامل بين السلطة والمعرفة.

وفي تناولها لمفهوم المهارات الرقمية، أوضحت الدكتورة الصبري أنها تمثل العمود الفقري لمجتمع المعرفة، موضحة أنواعها بين المهارات القابلة للنقل مثل التفكير النقدي وحل المشكلات والتواصل الرقمي، ومحو الأمية الرقمية المرتبط بالأمن السيبراني وحماية البيانات، وصولًا إلى المهارات المتقدمة مثل تحليل البيانات والبرمجة والتسويق الرقمي، مؤكدة أن امتلاك هذه المهارات لم يعد خيارًا بل ضرورة للبقاء في سوق عمل شديد التنافسية.

كما تطرقت إلى خصائص منهجية المعرفة في الاقتصاد الرقمي، والتي تتمحور حول الشمولية، وتوليد الثروة، والاعتماد على التكنولوجيا، موضحة أن الاقتصاد القائم على المعرفة يسهم في زيادة الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، بما يحقق تنمية اقتصادية قائمة على الاستدامة والمرونة.

وفي محور بالغ الأهمية، ناقشت أسباب فشل العديد من مبادرات التحول الرقمي، وأبرزها غياب الاستراتيجية الواضحة، والانبهار بالتكنولوجيا دون رؤية، ومقاومة التغيير داخل المؤسسات، وضعف دعم القيادات العليا، ونقص الكفاءات مؤهلة، إضافة إلى بناء التحول الرقمي على بنى تحتية تقنية متهالكة، ما يؤدي إلى تعثر المشاريع قبل تحقيق أهدافها التنموية.

كما استعرضت الدكتورة الصبري محددات نجاح منهجية المعرفة لتحقيق النمو الاقتصادي، مستشهدة بركائز البنك الدولي الأربع لاقتصاد المعرفة، والمتمثلة في الأنظمة الاقتصادية والمؤسسية، والتعليم والموارد البشرية، والبنية التحتية للمعلومات، وأنظمة الابتكار، مؤكدة أن تكامل هذه الركائز هو السبيل الوحيد لبناء اقتصاد معرفي متماسك وقادر على الاستجابة لتحولات العصر.

واختتمت محاضرتها بالتأكيد على أن مستقبل المجتمعات مرهون بقدرتها على توطين المعرفة، وبناء إنسان يمتلك أدوات التفكير والإبداع، لا مجرد استهلاك التكنولوجيا، مشددة على ضرورة دمج المنهجية المعرفية في السياسات التعليمية والتنموية، باعتبارها حجر الأساس لبناء مجتمعات واعية ومنتجة وقادرة على المنافسة عالميًا.

قراءة بفكر الدكتور نيرفانا حسين الصبري:
تنطلق رؤية الدكتورة نيرفانا من اعتبار المعرفة منظومة مجتمعية حاكمة لإنتاج القيمة في العصر الرقمي، حيث تميّز بدقة بين المفاهيم المؤسسة للتحول المعاصر مثل المنهجية والمنهج، والمعرفة، والرقمنة والتحول الرقمي، مؤكدة أن الانتقال الحقيقي لا يتحقق بنقل الأدوات فحسب، بل بإعادة تشكيل أنماط التفكير والمؤسسات بما يواكب اقتصادًا يعتمد على المصادر المعنوية وإدارة المعرفة بوصفها محركًا للقيمة المضافة.

المعرفة كرافعة للنمو المستدام
ترى أن الاقتصاد القائم على المعرفة يحقق زيادة دائمة في الإنتاجية ويخلق فرص عمل ويعزز كفاءة استخدام الموارد ويحفّز الابتكار وريادة الأعمال، ما يجعله خيارًا استراتيجيًا لبناء مجتمعات تنافسية.

تشخيص واقعي لتعثر التحول الرقمي
تُرجع فشل المبادرات إلى غياب الاستراتيجية، ومقاومة التغيير، وضعف دعم القيادات، ونقص الكفاءات والمهارات، إضافة إلى الاعتماد على بنى تحتية متقادمة، ما يستدعي قيادة واعية وخططًا مرحلية مدعومة بالموارد.

الرسالة الختامية
تؤكد الدكتورة نيرفانا أن مستقبل المجتمعات مرهون بقدرتها على توطين المعرفة وإدارة رأس المال الفكري بفعالية، وأن التحول الرقمي الواعي يبدأ من الإنسان قبل التقنية، ومن الرؤية قبل الأدوات، ليصنع تنميةً مستدامةً تقودها المعرفة وتضمنها الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الوقف العلمي كمنظومة تمويل معرفي مستدام

قراءة استراتيجية في رؤية د. محمد ماهر عبيد للتحول من الدعم الموسمي إلى الاستثمار الحضاري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *