بين “مفاوضات الرهائن” وصحوة الطبيعة الخجولة:
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 22 نوفمبر 2025
في خريف عام 2025، وبينما يلفظ العالم أنفاسه الحارة في قلب “رئة الأرض”، يبدو المشهد البيئي العالمي أشبه بلوحة سريالية شديدة التعقيد، تتمازج فيها ألوان السياسة القاتمة مع زرقة المحيطات التي تعكرها ملوثات الحضارة، وتخترقها خيوط خضراء رفيعة من الأمل القادم من حقول أوروبا. نعيش اليوم حقبة يمكن وصفها بدقة بأنها “عصر التناقضات الكبرى”؛ ففي الوقت الذي تتسابق فيه العقول لابتكار حلول تقنية لمآسينا البيئية، تتكاتف المصالح الاقتصادية الضيقة لتعرقل مسيرة التعافي، واضعة مستقبل البشرية على محك خطير.
بينما تتجه أنظار العالم صوب “رئة الأرض” في غابات الأمازون، حيث يجتمع قادة العالم وصناع القرار لمناقشة مصير مناخنا المتداعي، تكشف الكواليس والتقارير الاستقصائية عن حقائق تدعو للقلق عن حقائق مفزعة حول من يمسك بزمام الأمور خلف الكواليس حقاً. وبالتوازي مع ذلك، وفي الجانب الآخر من الكوكب، نكتشف بمرارة أن الحلول التي ابتكرناها لتنظيف مياهنا قد تحولت -للمفارقة- إلى سموم تفتك بالحياة البحرية. ولكن، وسط هذا الضجيج البشري وصخب الآلات، تهمس لنا الطبيعة بصوت خافت لكنه واثق، معلنة عن قدرتها المذهلة على الشفاء والبعث من جديد، شريطة أن نرفع عنها سيف الكيمياء السامة.
في هذا المقال التحليلي، سنبحر سوياً في رحلة تبدأ من عمق الواقع الحالي عبر ثلاث ملفات ساخنة تشكل حديث الأوساط العلمية والبيئية (هيمنة “لوبيات” الزراعة على قمة المناخ “كوب30″، والكارثة البيئية الصامتة للجسيمات البلاستيكية في السواحل البريطانية، والدلالات العلمية العميقة لتعافي أعداد الطيور في فرنسا)، لننتقل منها إلى استشراف المستقبل عبر خارطة طريق علمية وسياسية لما يجب أن يكون عليه مؤتمر المناخ “كوب 30”.
المحور الأول: قمة المناخ “كوب30”
لطالما عقد المجتمع العلمي والبيئي آمالاً عريضة على مؤتمرات الأطراف التابعة للأمم المتحدة، باعتبارها المنصة الوحيدة التي يمكن من خلالها توحيد الجهود العالمية لإنقاذ الكوكب. ولكن، ما يحدث الآن في مدينة “بيليم” البرازيلية، في قلب غابات الأمازون المطيرة، يطرح تساؤلات وجودية وأخلاقية حول نزاهة هذه المفاوضات وجدواها.
لغة الأرقام تكشف المستور
في تحقيق استقصائي مشترك كشف عن مفاجأة من العيار الثقيل، أوضحت التقارير الصادرة عن مؤسسات رصد المعلومات المناخية وصحيفة “الجارديان”، أن قمة المناخ الحالية تشهد حضوراً غير مسبوق لجماعات الضغط والمصالح (اللوبيات) الممثلة لقطاع الزراعة الصناعية والأغذية. وتشير الإحصاءات الدقيقة إلى أن عدد هؤلاء الممثلين قد تجاوز عدد أعضاء الوفد الرسمي لدولة كبرى مثل كندا بالكامل.
نحن هنا نتحدث عن أكثر من ثلاثمائة مفاوض وممثل لكبرى شركات اللحوم، وزراعة الصويا، وصناعة المبيدات الحشرية، الذين توافدوا إلى البرازيل. وتكمن المفارقة الصارخة والمؤلمة في أن الزراعة الصناعية المكثفة تُعد -وفقاً للإجماع العلمي- المسبب الأول والرئيسي لعمليات إزالة الغابات في منطقة الأمازون ذاتها التي تستضيف المؤتمر. فكيف يمكن للمتسبب في المشكلة أن يكون هو واضع الحل؟
“مفاوضات رهائن” لا مؤتمر للمناخ
من المنظور الأكاديمي والسياسي، نحن أمام حالة نموذجية لما يُعرف بـ “تضارب المصالح”. فالأمر لم يقتصر على مجرد الحضور والمشاركة، بل كشفت التحقيقات أن عدداً من هؤلاء الممثلين للشركات قد مُنحوا “امتيازات وصول خاصة” إلى الغرف المغلقة التي تُصاغ فيها مسودات القرارات الأممية، بينما كان ربع هؤلاء الثلاثمائة جزءاً لا يتجزأ من الوفود الرسمية لبلدانهم، ما يمنحهم حصانة دبلوماسية وقوة تأثير مباشرة على صياغة السياسات الدولية.
وفي توصيف دقيق يلامس جوهر الأزمة، أطلق الأستاذ الأكاديمي والباحث في السياسات العامة بجامعة تكساس، راج باتيل، صرخة تحذيرية مدوية وصف فيها المشهد قائلاً:
“إن ما يجري في مدينة بيليم لا يمكن تسميته مؤتمراً للمناخ، بل هو أقرب ما يكون لمفاوضات لتحرير رهائن حول مستقبل الكوكب؛ حيث يجلس أولئك الذين يمسكون بصواعق التفجير – بارونات الصويا، وعصابات اللحوم، ومروجو المبيدات – على الطاولة وكأنهم وسطاء شرفاء”.
الخطر الكامن: لماذا يجب أن نقلق؟
علمياً، يساهم قطاع الغذاء والزراعة الصناعية بحوالي ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة عالمياً. وتعتبر انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن التوسع في الثروة الحيوانية، وأكسيد النيتروز المنبعث من الأسمدة الكيميائية، من أخطر محركات الاحترار العالمي، حيث يفوق تأثير الميثان تأثير ثاني أكسيد الكربون بمرات عديدة على المدى القصير.
إن الوجود المكثف لهذه المجموعات يهدف بالأساس إلى حماية مصالحها الربحية عبر استراتيجيات خفية، منها:
1. تمييع القرارات: عرقلة أي نصوص ملزمة تفرض قيوداً على استخدام الأراضي أو تقليل الاعتماد على المبيدات.
2. التمويه الأخضر: الترويج لحلول تقنية زائفة، مثل الادعاء بأن زيادة الإنتاجية عبر الهندسة الوراثية والمزيد من الكيماويات هو الحل للمناخ، متجاهلين الدمار الذي يلحق بالتنوع البيولوجي وصحة التربة.
إن سيطرة “بارونات الزراعة” على مفاصل القرار المناخي قد تؤدي إلى وأد الحلول العلمية الحقيقية في مهدها، مما يضعنا أمام سيناريو كارثي لا رجعة فيه.
المحور الثاني: “الخرز الحيوي”.. عندما تنقلب التقنية ضد صانعها
ننتقل من غابات الأمازون الحارة إلى السواحل الجنوبية للمملكة المتحدة، حيث تتكشف فصول كارثة بيئية صامتة، بطلها هذه المرة ليس النفط الأسود التقليدي، بل حبيبات بلاستيكية دقيقة سوداء ومجعدة تُعرف علمياً باسم “الخرز الحيوي”.
ما هي تقنية “الخرز الحيوي”؟
لتقريب الصورة للقارئ الكريم، فإن هذه الحبيبات عبارة عن كريات بلاستيكية صغيرة جداً تُستخدم في تقنيات حديثة لمعالجة مياه الصرف الصحي. تعتمد فكرتها الهندسية والبيولوجية على توفير مساحات سطحية هائلة لتستوطنها “البكتيريا النافعة”. تقوم هذه البكتيريا بإنشاء أغشية حيوية على سطح الخرزات، وتتغذى على الملوثات العضوية في المياه، فتعمل كمرشح بيولوجي ينقي المياه قبل ضخها إلى البيئة.
نظرياً، تبدو الفكرة رائعة وصديقة للبيئة. ولكن، الشيطان يكمن في التفاصيل، وفي غياب الصيانة الدقيقة.
انهيار النظام وتسرب الملايين
في حادثة بيئية مؤسفة، أدى عطل فني في المرشحات الشبكية بإحدى محطات المعالجة الكبرى على الساحل الجنوبي لإنجلترا، إلى تسرب ملايين من هذه الحبيبات إلى مياه البحر، لتنجرف وتستقر على شاطئ “كامبر ساندز”. وبدلاً من أن تظل هذه الحبيبات أداة للتنظيف داخل المحطة، تحولت بمجرد خروجها إلى ملوث خطير يهدد النظام البيئي الساحلي.
وما يزيد الطين بلة، هو ما كشفه تحليل جديد لصحيفة “الجارديان” عن أن ما لا يقل عن خمس عشرة محطة أخرى للصرف الصحي في المنطقة لا تزال تعتمد على نفس هذه التقنية القديمة والمحفوفة بالمخاطر، مما يجعل السواحل تجلس على قنبلة موقوتة من البلاستيك.
حصان طروادة السام: المخاطر البيئية والصحية
يحذر علماء البيئة والنشطاء المتخصصون في حماية المحيطات من أن خطورة هذه الحبيبات تتعدى كونها مجرد نفايات بلاستيكية، فهي تمثل تهديداً مركباً للأسباب التالية:
1. الخداع البصري القاتل: نظراً لحجمها الصغير وشكلها الذي يشبه بيض الأسماك أو العوالق البحرية، فإنها تشكل فريسة مغرية ومخادعة للطيور البحرية والأسماك والمحار.
2. اختراق السلسلة الغذائية: بمجرد أن تبتلعها الكائنات البحرية الصغيرة، تبدأ رحلة هذه اللدائن في الصعود عبر السلسلة الغذائية، من الأسماك الصغيرة إلى الكبيرة، وصولاً إلى الإنسان، محملة بكل ما تحمله من أضرار.
3. المغناطيس الكيميائي (الناقل للسموم): هذه هي النقطة الأخطر علمياً. تتميز اللدائن الدقيقة بخاصية فيزيائية تجعلها تعمل كالإسفنجة، حيث تجذب وتراكم الملوثات الكيميائية والسموم الموجودة في مياه البحر على سطحها الخشن. وحين يبتلع الكائن الحي هذه الحبيبة، فإنه يبتلع معها “جرعة مركزة” من السموم التي تتحرر داخل جهازه الهضمي، مسببة تسمماً مزمناً، واضطرابات هرمونية، وربما نفوق الكائن.
إن استمرار استخدام تقنيات تنطوي على مخاطر تسرب البلاستيك إلى المحيطات يعد عبثاً بيئياً، يتطلب وقفة جادة ومراجعة شاملة للبنية التحتية لمحطات المعالجة حول العالم.
المحور الثالث: بشائر من فرنسا.. الطبيعة تستجيب لصوت العلم
وسط هذه الأنباء القاتمة وتزاحم الأزمات، يبزغ فجر جديد من القارة الأوروبية، وتحديداً من الحقول الفرنسية، ليقدم لنا دليلاً علمياً ملموساً على أن القرارات السياسية الجريئة والمبنية على أسس علمية قادرة على صنع المعجزات وعكس مسار الانقراض.
عودة الطيور: لغة الأرقام المبهجة
في دراسة علمية موسعة ومسحية غطت أكثر من ألف وتسعمائة موقع في جميع أنحاء فرنسا، رصد الباحثون مؤشرات حقيقية لتعافي أعداد الطيور المتغذية على الحشرات. وأظهرت النتائج أنه بحلول عام 2022، سجلت هذه الطيور زيادة في أعدادها بنسبة تتراوح بين 2% إلى 3% مقارنة بعام 2018.
قد يرى البعض هذا الرقم ضئيلاً، ولكن في علم البيئة، وحين نتحدث عن كائنات كانت تشهد انهياراً حاداً وسريعاً في أعدادها، فإن مجرد وقف التدهور وعكس المنحنى نحو الصعود يُعد إنجازاً بيولوجياً هائلاً وانتصاراً للطبيعة.
السر يكمن في “حظر السموم”
يربط العلماء هذا التعافي بشكل مباشر وقاطع بقرار الاتحاد الأوروبي الشجاع بحظر استخدام مجموعة من المبيدات الحشرية المعروفة باسم “النيونيكوتينويد” في عام 2018.
وللتوضيح العلمي: هذه المبيدات، التي اشتق اسمها من مادة “النيكوتين”، تعمل كسموم عصبية فتاكة. فهي ترتبط بمستقبلات محددة في الجهاز العصبي للحشرات، مما يؤدي إلى فرط استثارة الأعصاب، فالشلل، ثم الموت. كانت الكارثة تكمن في أن هذه المبيدات “جهازية”، أي أنها تسري في عصارة النبات بأكمله وتصل إلى الرحيق وحبوب اللقاح، مما أدى إلى إبادة جماعية للنحل والحشرات النافعة، وتلويث التربة والمياه الجوفية.
ونتيجة لهذا التسمم الشامل، اختفت الحشرات التي تعد الغذاء الرئيسي للطيور، مما أدى إلى انهيار أعداد الطيور فيما يعرف علمياً بـ “تأثير الدومينو” أو التسلسل الغذائي المنهار. ومع حظر هذه المواد، بدأت دورة الحياة في الترميم الذاتي.
مفهوم “التباطؤ البيئي”: الصبر مفتاح الشفاء
وفي تعليقه على هذه النتائج، أشار الباحث الرئيسي في الدراسة، توماس بيرو، من مؤسسة البحث في التنوع البيولوجي بباريس، إلى مفهوم علمي غاية في الأهمية وهو “التباطؤ البيئي”.
فالنظم البيئية ليست كالأجهزة الإلكترونية التي يمكن إصلاحها بضغطة زر. السموم الكيميائية تظل في التربة لسنوات، والأجيال الجديدة من الحشرات والطيور تحتاج إلى مواسم تكاثر متعددة لتعويض الفاقد. يوضح “بيرو” أن الزيادة الحالية رغم بساطتها فهي “ذات دلالة إحصائية عميقة”، لكن التعافي الكامل للنظام البيئي قد يستغرق “عدة عقود”. هذا الدرس العلمي البليغ يذكرنا بحقيقة قاسية: أن التدمير سهل وسريع، لكن الشفاء والترميم عملية معقدة وطويلة الأمد.
نحو “عقد التنفيذ العادل”
يُسدل الستار على قراءتنا للمشهد البيئي الراهن، وقد وضعنا أقدامنا على عتبة لحظة تاريخية فارقة. إن مخرجات “كوب 30” في بيليم ليست مجرد وثائق دبلوماسية، بل هي اختبار حقيقي لضمير البشرية ومدى قدرتها على تغليب مصلحة البقاء على شهوة الربح العاجل.
لقد رأينا كيف يمكن للسياسات الخاطئة أن تحول البحر إلى مكب للسموم، وكيف يمكن للقرارات الصحيحة أن تعيد الطيور إلى السماء. الخيار الآن واضح: إما أن يصبح “كوب 30” نقطة الانطلاق نحو “عقد التنفيذ العادل” الذي يضمن كوكباً صالحاً للحياة، أو أن يُدون في صفحات التاريخ كـ “الفرصة الأخيرة الضائعة”.
المسؤولية جماعية، والوقت لا ينتظر أحداً. فهل نستمع لهمس الطبيعة قبل أن يتحول إلى صرخة غضب لا تبقي ولا تذر؟
***
هاشتاجات:
## كوب30 – #العدالة_المناخية – #عقد_التنفيذ_العادل – #الأمازون -#الخرز_الحيوي – #الوعي_البيئي – #التنوع_البيولوجي – #تغير_المناخ – #الاقتصاد_الأخضر – #الاستدامة – #علوم_البيئة – #موقع_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.
***
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز