اقتصاد المعرفة بوصلة جديدة لتجديد دور الوقف في دعم الابتكار والتنمية المستدامة

محاضرة علمية قدمها ضمن المحفل العلمي الدولي السابع عشر 2025

“الوقف في جوهره ليس حبسًا للمال، بل تحريرٌ للمستقبل عبر الاستثمار في الإنسان والمعرفة والابتكار.”

محمد السريحي:
• تكامل الوقف والاقتصاد الرقمي لصناعة أثر تنموي طويل الأمد.
• غياب الوقف العلمي خطر صامت يهدد منظومة الابتكار العربي.
• استدعاء التاريخ لبناء نموذج وقفي حديث داعم للبحث والتقنية.
• الابتكار هو الطريق الوحيد لإنقاذ الوقف من الجمود.

شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 23 نوفمبر 2025
في إطار فعاليات المحفل العلمي الدولي السابع عشر، قدّم الدكتور محمد بن عيد السريحي، رئيس المجلس العربي للإبداع والابتكار، محاضرته العلمية الموسومة بـ “اقتصاد المعرفة: طريق الأوقاف إلى الابتكار والاستدامة”، مسلطًا الضوء على الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به الأوقاف في بناء منظومة معرفية متكاملة قادرة على تحفيز الإبداع وتحقيق التنمية الشاملة في المجتمعات العربية.
وأكد الدكتور السريحي أن الوقف لم يعد مجرد إطار تقليدي لحبس المال وتوجيه ريعه للأعمال الخيرية، بل يمثل اليوم فرصة استراتيجية لإعادة هندسة دوره بوصفه محركًا للابتكار، إذا ما أُعيد توظيفه ضمن منظومة اقتصاد المعرفة التي تعتمد على البحث العلمي والتقنية والتطوير المستمر كمصادر رئيسية للقيمة المضافة

وأوضح أن اقتصاد المعرفة يرتكز على إنتاج المعرفة واستخدامها وتداولها كقوة اقتصادية فاعلة، تقوم على توظيف رأس المال البشري، والبنية التكنولوجية، والبحث العلمي، ما يجعله المسار الأكثر فاعلية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التنافسية العالمية للدول

الوقف والابتكار: علاقة تكامل لا رفاهية
وأشار المحاضر إلى أن العلاقة بين الوقف والابتكار يجب أن تُفهم بوصفها علاقة تكامل استراتيجي، فالوقف يوفّر التمويل المستدام طويل الأمد، بينما يضمن الابتكار تعظيم الأثر وتحويل هذا التمويل إلى حلول ذكية قابلة للتطبيق في مجالات التعليم والصحة والبيئة والطاقة المتجددة.
وأضاف أن تطوير مؤسسات الوقف لم يعد ممكنًا دون إدخال عناصر الحوكمة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والشفافية، حيث أصبحت “الأوقاف الذكية” نموذجًا معاصرًا لإدارة الأصول وتعظيم العائد وتحقيق الأثر الاجتماعي.

تحذير من غياب الوقف العلمي
وشدد الدكتور السريحي على أن تراجع الوقف العلمي أدى إلى إضعاف منظومة البحث والابتكار في العالم العربي، وأسهم في اتساع الفجوة بين الجامعات وقطاعات الإنتاج، معتبراً أن هذا الغياب يشكّل تهديداً مباشراً لقدرة المجتمعات العربية على بناء اقتصاد معرفي حقيقي ومستدام.
وبيّن أن إحياء الوقف العلمي يمثل أداة استراتيجية لإطلاق طاقات الشباب، وتمكين رواد الأعمال، ودعم الحاضنات البحثية، وتحويل نتائج البحث إلى منتجات اقتصادية تساهم في تحقيق التنمية الشاملة.

نماذج وقفية ملهمة
واستعرضت المحاضرة نماذج عالمية ناجحة للأوقاف، مثل أوقاف الجامعات الكبرى كـ”هارفارد” و”ستانفورد”، وأوقاف الحرمين الشريفين، ووقف الملك عبد العزيز آل سعود، ووقف الشيخ سليمان الراجحي، مشيراً إلى أن هذه النماذج تقدم دليلاً عملياً على قدرة الوقف على دعم الاقتصاد والبحث العلمي في آنٍ واحد

توصيات استراتيجية
واختتم الدكتور السريحي محاضرته بجملة من التوصيات الهامة، من أبرزها:
• إنشاء صناديق وقفية متخصصة لدعم الابتكار والتقنية.
• تمكين رواد الأعمال عبر منح وقفية وتمويل مشاريع معرفية ناشئة.
• استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الأوقاف وتقييم استثماراتها.
• إطلاق منصات وقفية للابتكار المجتمعي.
• تعزيز الإطار التشريعي الداعم للأوقاف الذكية.
وأكد أن بناء مستقبل تنموي مستدام يبدأ من الاستثمار في العقل والمعرفة، وأن الوقف إذا ما أُعيد توظيفه برؤية ابتكارية معاصرة، يمكن أن يتحول من مجرد رافد خيري إلى قوة تغيير تنموي عميق تعيد للأمة دورها الحضاري في إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.

قراءة بفكر الدكتور محمد السريحي:
ينطلق الدكتور السريحي من رؤية ترى في الوقف طاقة حضارية كامنة لم تُستثمر بعد بعمقها الحقيقي، ويؤمن بأن الأزمة ليست في ضعف الموارد الوقفية، بل في محدودية الرؤية التي قيدتها في الأطر التقليدية. ولذلك يدعو إلى إعادة تعريف الوقف كمنظومة تنموية ذكية، لا مجرد أداة إحسانية، تُدار بعقلية الاقتصاد المعرفي، وتُوجَّه نحو الابتكار وصناعة المستقبل.

يقدّم الدكتور السريحي تصورًا تحوليًا للوقف يقوم على نقله من وظيفة الريع المحدود إلى فضاء الاستثمار المعرفي طويل الأمد، حيث يصبح الوقف محرّكًا لدعم البحث العلمي، وتمويل ريادة الأعمال، وبناء القدرات البشرية، وتمكين الابتكار التقني.
ويرى أن اقتصاد المعرفة ليس خيارًا تكميليًا، بل إطارًا استراتيجيًا لإعادة بعث الوظيفة الحضارية للوقف، مؤكدًا أن دمج أدوات العصر – كالذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والحوكمة الرشيدة – هو السبيل لتحرير الوقف من الجمود وتحويله إلى منصة تأثير عالية الكفاءة.
كما يكشف فكره عن وعي نقدي بحجم الفجوة بين الواقع الوقفي العربي وإمكاناته الكامنة، ويطرح بديلاً واضحًا يقوم على: الأوقاف الذكية، الوقف العلمي، الوقف الداعم للابتكار، بوصفها ركائز لنهضة معرفية واقتصادية متكاملة.

ملامح أساسية في فكره
• الوقف ليس ماضياً خيرياً بل مستقبلاً تنموياً
• الابتكار هو الضامن الحقيقي لاستدامة الوقف
• المعرفة هي رأس المال الأكثر تأثيراً
• الاستثمار في العقل أهم من الاستثمار في الأصول
• الحوكمة الذكية هي حجر الزاوية لوقف معاصر

الرسالة الختامية بروح الدكتور السريحي
إن الوقف حين يتحرر من القوالب التقليدية ويتلبّس بروح الابتكار، يتحول إلى مؤسسة حياة لا إلى صندوق إعانة، وإلى مشروع نهضوي لا مجرد مورد تمويلي. فالمستقبل لا يُبنى بالمال وحده، بل بالعقول التي تُموَّل، وبالأفكار التي تُحتضن، وبالمعرفة التي تتحول إلى أثر مستدام يخدم الإنسان ويعيد للوقف مكانته كرافعة حضارية للأمة.
“الوقف في جوهره ليس حبسًا للمال، بل تحريرٌ للمستقبل عبر الاستثمار في الإنسان والمعرفة والابتكار.”

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الوقف العلمي كمنظومة تمويل معرفي مستدام

قراءة استراتيجية في رؤية د. محمد ماهر عبيد للتحول من الدعم الموسمي إلى الاستثمار الحضاري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *