محاضرة علمية قدمها ضمن المحفل العلمي الدولي السابع عشر 2025
الدراسات والبحوث البينية… بوابة استراتيجية لإعادة هندسة البحث العلمي في العالم العربي
عبد الرازق مختار:
• من التخصص المنعزل إلى التكامل المعرفي العابر للعلوم.
• البحث البيني كمدخل لإنتاج معرفة قابلة للتطبيق والتنمية.
• الجامعات العربية أمام تحدي التحول نحو التفكير التكاملي.
• تجارب دولية ملهمة ونماذج عربية رائدة في البحث البيني.
شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 23 نوفمبر 2025
في إطار فعاليات المحفل العلمي السابع عشر، شهدت جلسات المنتدى العلمي عرضًا معرفيًا نوعيًا للدكتور عبد الرازق مختار محمود، أستاذ المناهج بكلية التربية – جامعة أسيوط، تناول فيه موضوعًا محوريًا بعنوان: الدراسات والبحوث البينية مدخل لتطوير البحث العلمي في العالم العربي، باعتباره أحد أهم المسارات المعاصرة لإنتاج معرفة أكثر تكاملاً وفاعلية وقدرة على معالجة القضايا المركبة التي تواجه المجتمعات العربية.
وأكد الدكتور عبد الرازق أن الدراسات البينية تمثّل تحولًا نوعيًا في الفكر البحثي من التخصص الدقيق المنعزل إلى التكامل المعرفي القائم على التفاعل بين العلوم، حيث لم تعد الموسوعية التقليدية قادرة على استيعاب تعقيدات المشكلات المعاصرة، بل بات المطلوب مقاربات علمية عابرة للتخصصات تستحضر مناطق التخوم والتقاطع بين الحقول المعرفية المختلفة.
من التخصص الضيق إلى التكامل المعرفي
وأوضح المحاضر أن مفهوم الدراسات البينية يقوم على دمج تخصصات متعددة لمعالجة قضية بحثية واحدة تتجاوز حدود التخصص الواحد، وفق معياري التكامل والتفاعل، بما يسهم في تطوير النظريات، وإعادة بناء المفاهيم، واستحداث أدوات ومنهجيات جديدة قادرة على إنتاج معرفة مركبة معمّقة، وليست مجرد تجميع سطحي لوجهات نظر متفرقة.
وأشار إلى أن البحث البيني الحقيقي هو الذي يفضي إلى إنتاج جديد، سواء أكان أداة أو منهجًا أو نظرية، وليس مجرد تعاون شكلي بين باحثين من تخصصات مختلفة.
أهداف استراتيجية تتجاوز الإطار الأكاديمي
وتستهدف الدراسات البينية، بحسب العرض، دمج المعرفة وتحقيق التكامل والإبداع في التفكير وإنتاج معرفة جديدة، فضلًا عن استحداث تخصصات حديثة تلبي احتياجات المجتمع، وتعزيز التفاعل بين العلوم الطبيعية والاجتماعية، وربط النظرية بالممارسة، وتحليل القضايا المعقدة ذات الأبعاد المتشابكة.
كما شدد المحاضر على أن هذه المقاربة تمثل استجابة ضرورية لتحولات عصر “اقتصاد المعرفة” و”وحدة العلوم” و”مجتمع المعرفة”، حيث أصبحت التحديات التنموية والبيئية والتعليمية تتطلب حلولًا شمولية لا يمكن أن تنتجها التخصصات المنعزلة.
أهمية مضاعفة في ظل تحولات التعليم الجامعي
وسلّطت الندوة الضوء على الدور الحيوي للدراسات البينية في تطوير المنظومة التعليمية بالجامعات، إذ تسهم في توسيع الخيارات الأكاديمية للطلاب، وتعزيز فرصهم الوظيفية، وتحفيز تبادل الخبرات البحثية، وتوفير بيانات أكثر دقة لصناع القرار.
وبيّن الدكتور عبد الرازق أن البحوث البينية تمثل إحدى أبرز الآليات الحديثة للارتقاء بجودة التعليم العالي، وتحقيق تصنيف عالمي للجامعات، وبناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة.
تحديات جسيمة أمام التطبيق في العالم العربي
ورغم هذه الأهمية، أوضح المحاضر أن الدراسات البينية في العالم العربي تواجه عوائق بنيوية متراكمة، أبرزها المبالغة في ترسيم الحدود بين التخصصات، ضعف ثقافة البحث التشاركي، قلة البرامج البينية، صعوبة النشر العلمي، محدودية التمويل، وهيمنة النمط التقليدي للتعليم الجامعي القائم على التخصصات الصارمة.
وأضاف أن هناك فجوة واضحة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وغياب خارطة طريق وطنية واضحة لتفعيل البحث البيني، ما يضعف فرص الابتكار العلمي الحقيقي.
تجارب دولية وعربية رائدة
واستعرضت الندوة نماذج دولية ناجحة في تبني المقاربة البينية، مثل تجربة سنغافورة كنموذج دولة معرفية بينية، ومشروع الجينوم البشري، وجامعات هارفارد وأوكسفورد وكامبريدج، إضافة إلى تجارب عربية بارزة مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، جامعة محمد السادس، جامعة زايد، ومعجم الدوحة التاريخي للغة العربية.
دعوة صريحة لإعادة تشكيل المنظومة البحثية
واختتم الدكتور عبد الرازق محاضرته بالتأكيد على أن الدراسات البينية ليست هدفًا بحد ذاتها، بل هي وسيلة استراتيجية لإنتاج حلول حقيقية للتعليم والصحة والبيئة والتنمية، داعيًا إلى تبني منهج بحثي بيني، وثقافة معرفية جديدة، وبيئة مؤسسية داعمة، تُمكّن الجامعات العربية من التحول إلى منصات إنتاج معرفي ذات أثر عالمي.
وأكد أن الطريق نحو جامعة مؤثرة وبحث علمي فاعل واقتصاد معرفي مستدام يبدأ من كسر الجدران بين التخصصات، واعتماد التكامل كفلسفة عمل لا كمجرد شعار.

قراءة بفكر الدكتور عبد الرازق:
ينطلق الدكتور عبد الرازق من قناعة راسخة بأن مأزق البحث العلمي العربي ليس في نقص المعرفة بحد ذاتها، بل في أسرها داخل قوالب تخصصية ضيقة تعجز عن فهم القضايا المركبة التي يفرضها الواقع المعاصر. فهو ينظر إلى الدراسات البينية بوصفها ضرورة معرفية، لا ترفًا أكاديميًا، وآلية حضارية لإعادة بناء العقل البحثي على أساس التكامل، لا التجزئة.
يرى الدكتور عبد الرازق أن التحول نحو البحث البيني يمثل انتقالًا من “العلم المجزأ” إلى “العلم المتكامل”، حيث تُكسر الحواجز بين العلوم لتُبنى جسور تفاعلية تسمح بإنتاج معرفة جديدة قادرة على معالجة القضايا الكبرى للتنمية والتعليم والبيئة.
وفي هذا الإطار، يركز على أن البحث البيني الحقيقي لا يكتفي بجمع تخصصات متعددة، بل يُنتج قيمة معرفية مضافة تتمثل في منهج جديد، أو نظرية متطورة، أو أدوات تحليل مبتكرة.
كما يعكس فكره وعيًا عميقًا بدور الجامعة بوصفها محركًا للتغيير المجتمعي، حيث يربط تطوير البحث العلمي بإصلاح منظومة التعليم، وتعزيز ثقافة الابتكار، ومواءمة مخرجات المعرفة مع احتياجات المجتمع وسوق العمل.
ملامح أساسية في فكره
• التكامل المعرفي هو بوابة الإبداع العلمي الحقيقي
• البحث العلمي يجب أن يخدم قضايا الواقع لا أن يبقى حبيس التنظير
• الجامعة المستقبلية هي التي تتبنى العقل البيني لا العقل التخصصي الصارم
• التنمية لا تتحقق إلا بمعرفة عابرة للتخصصات
رسالة ختامية بروح الدكتور عبد الرازق
إن الدراسات البينية ليست خيارًا إضافيًا أمام الباحث العربي، بل مسار حتمي لإعادة الاعتبار للعلم بوصفه قوة تغيير وبناء. فحين تتلاقى التخصصات، تتكامل الرؤى، وتتولد حلول تتجاوز حدود الممكن التقليدي، وتفتح آفاقًا جديدة لنهضة معرفية عربية قادرة على مواجهة تحديات العصر بثقة ووعي وتجديد.
“إن تحرير العقل من قيود التخصص الضيق هو الخطوة الأولى نحو علم حيّ نابض بالحياة، قادر على أن يصنع مستقبلًا لا يكتفي بتفسير الواقع، بل يُعيد تشكيله.”
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز