قراءة استراتيجية في رؤية د. محمد ماهر عبيد للتحول من الدعم الموسمي إلى الاستثمار الحضاري
من الصدقة إلى التنمية المؤسسية: محاضرة علمية تكشف آليات تفعيل الوقف لتمويل البحث العلمي المستدام
محمد ماهر عبيد:
• التمويل الوقفي بوصفه رافعة لاستقلالية البحث العلمي
• الوقف والاقتصاد المعرفي: شراكة استراتيجية لمستقبل العلم
• دراسات تطبيقية ورؤى مقارنة من تجارب عالمية
شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 25 نوفمبر 2025
في محاضرة علمية قدّمها الأستاذ الدكتور محمد ماهر عبيد، عميد كلية العلوم الصحية بجامعة أريد الدولية، سلط الضوء على الدور المحوري للوقف كآلية حضارية أصيلة قادرة على إعادة صياغة مستقبل التمويل العلمي، مؤكداً أن الوقف لم يكن في تاريخه مجرد عمل خيري تقليدي، بل منظومة متكاملة لتوجيه الموارد نحو إنتاج المعرفة وضمان استمراريتها.
وأوضح الدكتور عبيد أن إشكالية التمويل تعد من أبرز التحديات التي تواجه البحث العلمي في العالمين العربي والإسلامي، حيث تعتمد المؤسسات الأكاديمية غالباً على مصادر آنية أو موسمية تفتقر إلى الاستدامة، الأمر الذي يحد من قدرتها على التخطيط بعيد المدى. وهنا يبرز الوقف المالي والعلمي بوصفه أداة استراتيجية لضمان تدفقات مالية مستقرة تتيح للبحث العلمي الاستقلالية والمرونة في الإنتاج المعرفي.
وأشار إلى أن الوقف، في صيغته الحديثة، لم يعد مقتصراً على الأعيان والعقارات، بل تطور ليشمل أوقافاً نقدية واستثمارية وصناديق علمية مخصصة لتمويل الابتكار والبحث التطبيقي، معتبراً أن هذا التحول يُعد نقلة نوعية من “الوقف الرعوي” إلى “الوقف التنموي المعرفي” الذي يعزز جودة البحث ويربطه بقضايا التنمية المستدامة، والطاقة، والغذاء، والصحة.
وتناول الدكتور عبيد نماذج تاريخية أظهرت كيف أسهم الوقف في بناء الجامعات والمكتبات والمستشفيات في الحضارة الإسلامية، مستشهداً بأمثلة من جامع الزيتونة والأزهر الشريف والمستشفيات الوقفية، ومبيناً أن هذه المؤسسات لم تكن لتستمر لقرون لولا وجود منظومات وقفية مستقرة تحميها من تقلبات السياسة والاقتصاد.
كما عرض خلال المحاضرة مجموعة من الآليات الحديثة التي يمكن من خلالها تفعيل الوقف لدعم البحث العلمي، من بينها إنشاء صناديق وقفية متخصصة للبحوث التطبيقية، وربط الوقف بمؤشرات الأداء والحوكمة الرشيدة، وتطوير شراكات بين الجامعات والمؤسسات الوقفية والقطاع الخاص لضمان التكامل بين التمويل والإنتاج العلمي.
وأكد أن إحياء الوقف العلمي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقلالية المعرفة العربية وتعزيز قدرتها على المنافسة عالمياً، داعياً إلى تبني سياسات تشريعية مرنة تدعم تأسيس أوقاف علمية حديثة، وتُشجع المجتمع على الاستثمار في المعرفة باعتبارها أعظم صور الصدقة الجارية.
وختم الدكتور عبيد محاضرته بالتأكيد على أن المستقبل العلمي للأمة لا يمكن أن يُبنى بمنطق المنح المؤقتة، بل برؤية وقفية مستدامة تجعل من العلم مشروعاً حضارياً طويل الأمد، لا يخضع للظروف، بل يصنعها، ولا ينتظر التمويل، بل يبتكره من داخل منظومته القيمية والمعرفية.

قراءة بفكر الدكتور محمد ماهر عبيد:
ينطلق الدكتور محمد ماهر عبيد من قناعة راسخة بأن أزمة البحث العلمي في العالم العربي ليست أزمة كفاءة بقدر ما هي أزمة استدامة تمويل، وأن الوقف العلمي يمثل الجسر الذي يعيد للمعرفة استقلالها وديناميتها. في خطابه، يتحوّل الوقف من فعل خيري تقليدي إلى بنية مؤسسية واعية تعيد توجيه المال نحو إنتاج العلم وصيانة استمراريته.
يركّز عبيد على إعادة تعريف الوقف بوصفه منظومة تمويل معرفي مستدامة، قادرة على تحرير البحث العلمي من ارتهان المنح الموسمية والتقلبات الإدارية. وهو يقدّم مقاربة تزاوج بين الأصالة والحداثة؛ تستحضر الإرث الوقفي التاريخي بوظائفه التعليمية والصحية، وتعيد هندسته وفق أدوات معاصرة مثل الصناديق الوقفية المتخصصة، مؤشرات الأداء، والحوكمة الرشيدة، والشراكات الثلاثية بين الجامعات والمؤسسات الوقفية والقطاع الخاص.
في هذا التصور، يصبح الوقف رافعة للابتكار لا مظلة إحسانية فحسب، ومحركاً لاقتصاد المعرفة يعمّق الارتباط بين البحث التطبيقي وقضايا التنمية المستدامة، ويؤسس لسيادة معرفية تحمي الإنتاج العلمي من الهشاشة والتبعية.
الرسالة الختامية
يحمل فكر الدكتور محمد ماهر عبيد نداءً عملياً واضحاً: لا نهضة علمية بلا تمويل أخلاقي مستدام، ولا استدامة بلا رؤية وقفية متجددة تُحوّل الموارد إلى أثرٍ طويل الأمد. رسالته تختصرها معادلة بسيطة وعميقة: حين يصبح الوقف مشروعاً معرفياً لا صدقة عابرة، تتقدّم الأمة من التلقي إلى المبادرة، ومن الدعم المؤقت إلى الاستثمار الحضاري في الإنسان والعلم والمستقبل.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز