من المعرفة إلى الوقف الرقمي: رؤية جديدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وتعظيم أثر الجامعات

الدكتور محمد خطاب يطرح نموذجاً مقاصدياً لتحويل البيانات إلى وقف رقمي يخدم العدالة والتنمية

محمد خطاب:
• البيانات كأصل مشترك: من ملكية فردية إلى منفعة مجتمعية
• الجامعات ودورها في الاقتصاد المعرفي المستدام
• آليات مبتكرة لمشاركة المنافع الرقمية
• التحديات القانونية والأخلاقية في عصر البيانات الضخمة

شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 25 نوفمبر 2025
شهد المحفل العلمي الدولي السابع عشر، الذي احتضنته جامعة أريد الدولية ووقف الذكاء الاصطناعي ضمن فعاليات مؤتمر الذكاء الاصطناعي لعام 2025، محاضرة نوعية للدكتور محمد خطاب بعنوان: “من المعرفة إلى الوقف الرقمي: حوكمة الذكاء الاصطناعي للاقتصاد المعرفي وتعظيم أثر الجامعات”، قدم خلالها رؤية فكرية عميقة تربط بين القيم الإسلامية المقاصدية وأحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في سياق بحثي يسعى إلى إعادة تعريف دور البيانات بوصفها أصولاً مشتركة موقوفة للنفع العام

استعرض الدكتور خطاب كيف بات الذكاء الاصطناعي اليوم يعيد تشكيل مختلف القطاعات، مدفوعاً بثورة البيانات المتسارعة، مؤكداً أن التعامل مع هذه البيانات كملكيات استثمارية خالصة يعمّق الفجوة الاجتماعية، بينما اعتبارها وقفاً رقمياً يعزز العدالة ويضمن تقاسم المنافع على أسس أخلاقية وإنسانية

البيانات كوقف رقمي: مقاربة أخلاقية بديلة
أوضح المحاضر أن تحويل البيانات إلى وقف رقمي يقوم على إعادة تصورها كأصل مشترك مخصص للصالح العام، يخضع لمبادئ الأمانة والعدل والمصلحة والنية، وهي مبادئ مستمدة من المقاصد الشرعية التي تركز على حفظ النفس والعقل والمال، بما يضمن توجيه الذكاء الاصطناعي نحو خدمة الإنسان لا التحكم به

وأشار إلى أن هذا النموذج يفرض قيوداً أخلاقية صارمة على استخدام البيانات، تشمل احترام الخصوصية، ومنع الاستغلال التجاري الجائر، وضمان مشاركة عادلة للعوائد بين أفراد المجتمع والمؤسسات الأكاديمية والبحثية.

الجامعات كمحور للاقتصاد المعرفي
توقف الدكتور خطاب عند الدور الاستراتيجي للجامعات في تعظيم أثر الاقتصاد المعرفي، عبر الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وتحويل المعرفة إلى مشاريع تنموية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية مستدامة، معتبراً أن الوقف الرقمي يمكن أن يشكل أداة تمويل معرفي حديثة تدعم استقلالية الجامعات وتعزز قدرتها على إنتاج حلول ذكية ذات بعد إنساني

نموذج الحوكمة المقترح
قدّم المحاضر نموذجاً عملياً يوضح دورة حياة الوقف الرقمي، يبدأ من تبرع الأفراد ببياناتهم وفق موافقة مستنيرة، مروراً بإدارتها عبر صندوق وقف رقمي مستقل، وصولاً إلى تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتوزيع العوائد على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، بما يحقق منفعة جماعية مستدامة

التحديات والفرص
لم يغفل الدكتور خطاب التحديات القانونية والتنظيمية التي تعيق تطبيق هذا النموذج، وفي مقدمتها غياب أطر تشريعية واضحة تحدد ملكية البيانات وحقوق استخدامها، إضافة إلى الحاجة إلى هيئات رقابية مستقلة تضمن الشفافية والمساءلة. كما دعا إلى رفع وعي المجتمع بمفهوم الوقف الرقمي وتعزيز ثقافة المشاركة الآمنة للبيانات

نحو مستقبل معرفي إنساني
واختتم الدكتور محمد خطاب محاضرته بالتأكيد على أن تحويل البيانات إلى وقف رقمي ليس مجرد خيار تقني، بل مسار حضاري يعيد التوازن بين الابتكار والقيم، ويؤسس لذكاء اصطناعي عادل، تشاركي، ومستدام، يقوم على شراكة حقيقية بين الجامعات والحكومات والمؤسسات والمجتمع المدني، لبناء نموذج تنموي يليق بإنسان العصر الرقمي

 

قراءة بفكر الدكتور محمد خطاب:
ينطلق الدكتور محمد خطاب من تصور فلسفي يتجاوز البعد التقني للذكاء الاصطناعي ليضعه في إطار حضاري أخلاقي يرى فيه أن أزمة العصر الرقمي ليست في فائض البيانات، بل في غياب الضابط القيمي الذي يوجّه استخدامها. ومن هنا يقدّم أطروحة “الوقف الرقمي” بوصفها محاولة واعية لإعادة توطين التكنولوجيا داخل منظومة القيم، وتحويلها من أداة هيمنة إلى وسيلة إشراك وعدالة.

يرتكز فكر خطاب على إعادة تعريف البيانات باعتبارها “ثروة مشتركة” لا مجرد مورد تجاري، داعياً إلى إخضاعها لمنطق الوقف بما يحمله من معاني الأمانة والاستدامة والمنفعة العامة. وهو يدمج بين المقاصد الشرعية ومفاهيم الحوكمة الرقمية ليصوغ نموذجاً إنسانياً للذكاء الاصطناعي يقوم على المشاركة والمسؤولية والعدالة في توزيع المنافع.
في هذا السياق، تتحول الجامعات في رؤيته إلى مؤسسات قيادية لإنتاج المعرفة الموقوفة، وليس مجرد مستهلكة للتكنولوجيا، ويغدو الوقف الرقمي جسراً بين الابتكار والعدالة الاجتماعية، ومصدراً لتمويل معرفي مستقل يحمي البحث العلمي من التبعية الاقتصادية والسياسية. إنه خطاب يسعى إلى عقلنة التقنية وأخلاقتها دون كبح قدرتها الإبداعية.

الرسالة الختامية
يحمل فكر الدكتور محمد خطاب رسالة جوهرها أن المستقبل الرقمي لا يُقاس بسرعة الخوارزميات، بل بمدى إنسانية مخرجاتها، وأن الذكاء الاصطناعي حين يُدار بمنطق الوقف يتحول من قوة منافسة للإنسان إلى شريك أخلاقي في تنميته. إنها دعوة لبناء حضارة رقمية أكثر عدلاً، تُوازن بين التقدّم والقيم، وتضع الإنسان في قلب المعادلة لا على هامشها.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من الوقف الخيري إلى الوقف التنموي دعوة لإعادة توجيه الأوقاف نحو بناء الإنسان واقتصاد المعرفة

محاضرة فكرية عميقة للدكتور طه أحمد الزيدي تعيد رسم العلاقة بين الوقف والمعرفة الحضارية طه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *