محاضرة فكرية عميقة للدكتور طه أحمد الزيدي تعيد رسم العلاقة بين الوقف والمعرفة الحضارية
طه الزيدي:
• نماذج تاريخية من الأندلس وبغداد تؤكد الدور الريادي للأوقاف في صناعة النهضة
• الوقف المعرفي كإطار استراتيجي لتحقيق العدالة المعرفية والاستقلال الفكري
• تحديات معاصرة تكبح تفعيل الأوقاف في دعم البحث والابتكار
• توصيات عملية لتجديد منظومة الوقف وربطها بالتنمية المستدامة والهوية الحضارية
شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 25 نوفمبر 2025
شهد المحفل العلمي الدولي السابع عشر، المنعقد في إطار فعاليات منصة “أريد”، تقديم محاضرة فكرية رصينة بعنوان “أوقاف المعرفة الحضارية – قراءة مقاصدية معاصرة” قدّمها الأستاذ الدكتور طه أحمد الزيدي، رئيس جمعية البصيرة للبحوث والتنمية الإعلامية من جمهورية العراق، حيث تناول فيها مقاربة شاملة لدور الوقف في إعادة بناء المشروع الحضاري للأمة من خلال دعم المعرفة وربطها بالقيم والهوية.
وأكد الدكتور الزيدي أن الوقف لم يكن يوماً مجرد مؤسسة خيرية تقليدية، بل شكّل على مرّ العصور أداة استراتيجية لتجديد رسالة الأمة في إنتاج المعرفة وبناء الحضارة، من خلال تمويل المؤسسات العلمية، ورعاية العلماء، ودعم مسارات البحث والابتكار، وهو ما يجعل “الوقف المعرفي” اليوم أحد أبرز المفاتيح لإحياء النهضة الفكرية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة
وأوضح المحاضر أن المعرفة الحضارية تمثل منظومة متكاملة من القيم والخبرات والرموز التي توجّه سلوك المجتمعات وتصوغ هويتها، وأن العلاقة بينها وبين الوقف علاقة تبادلية تقوم على أن الوقف يموّل المعرفة، بينما ترشد المعرفة مسارات الوقف وتوسّع دوره في خدمة الإنسان والعمران، مشدداً على ضرورة الانتقال من مفهوم الوقف الخيري إلى الوقف التنموي المعرفي
وفي عرض غني بالأمثلة التاريخية، استحضر الدكتور الزيدي نماذج مضيئة من التاريخ الإسلامي، أبرزها أوقاف المكتبات في الأندلس، وبيت الحكمة في بغداد، والمدارس النظامية، حيث لعب الوقف دوراً محورياً في تمكين التعليم ونشر الثقافة واستقطاب طلاب العلم من مختلف الأديان والبلدان، ما جعل تلك المؤسسات منارات عالمية للعلم والحوار الحضاري
وأكد أن صور الوقف المعرفي المعاصر يمكن أن تشمل تمويل الجامعات ومراكز البحوث، ودعم مشاريع إحياء التراث، والمنصات الرقمية الوقفية، وحاضنات الابتكار وريادة الأعمال المعرفية، بما يحقق تكاملاً بين البعد القيمي والبعد التنموي، ويُعيد للوقف رسالته الحضارية بوصفه استثماراً في الإنسان والمستقبل.
غير أن المحاضر لم يغفل الإشارة إلى جملة من التحديات المعاصرة التي تعيق تفعيل الأوقاف في خدمة المعرفة، وفي مقدمتها ضعف التشريعات الوقفية، غياب الرؤية الاستراتيجية، تدني الوعي المجتمعي، ضعف الحوكمة والشفافية، وقصور الخطاب الفكري الذي يربط الوقف بالنهضة الحضارية الشاملة
واختتم الدكتور الزيدي محاضرته بسلسلة من التوصيات العملية، أبرزها تحديث الأطر القانونية لإدارة الأوقاف، إنشاء أوقاف معرفية متخصصة، تعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات الوقفية، نشر ثقافة الوقف العلمي، وتطبيق معايير الحوكمة الرشيدة، إلى جانب الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في إدارة الأوقاف الجامعية، مع الحفاظ على الخصوصية القيمية والحضارية للمجتمعات الإسلامية
وقد لاقت المحاضرة تفاعلاً واسعاً من المشاركين، لما حملته من رؤية فكرية متقدمة تربط بين الأصالة والحداثة، وتؤكد أن الاستثمار في المعرفة عبر الوقف ليس خياراً ثانوياً، بل مساراً استراتيجياً لبناء نهضة حضارية متوازنة تعيد للإنسان مكانته، وللمعرفة دورها في صناعة المستقبل.

قراءة بفكر الدكتور طه الزيدي:
ينطلق الدكتور طه الزيدي من تصور حضاري عميق يرى أن الوقف ليس مؤسسة مالية تقليدية، بل منظومة قيم ومعرفة قادرة على إعادة توجيه مسار التنمية نحو الإنسان بوصفه غاية ووسيلة. وفي خطابه تتقاطع المقاصدية الشرعية مع الرؤية الحضارية المعاصرة ليصوغ مشروعاً فكرياً يستعيد للمعرفة مكانتها كمحرّك للتقدم، ويعيد للوقف دوره كأداة استراتيجية لبناء الوعي والهوية والاستقلال المعرفي.
يركّز الزيدي على الانتقال بالوقف من خانة العطاء الموسمي إلى الفعل التنموي المستدام، ومن الدور الخيري إلى الوظيفة الحضارية التي ترعى العقل وتحرّر الإرادة. ويؤكد أن المعرفة لا تُبنى بمنطق الاستهلاك أو التلقين، بل عبر منظومة متكاملة تموّل البحث العلمي، وتحتضن الإبداع، وتربط التشريع بالواقع، والقيم بالتطبيق.
وفي أطروحته، يصبح الوقف المعرفي إطاراً لإعادة التوازن بين الأصالة والحداثة، ومحفّزاً لتحقيق العدالة المعرفية، ومصدراً لسيادة فكرية تحمي المجتمعات من التبعية الثقافية والتكنولوجية. كما يوجّه نقداً هادئاً للواقع الوقفي الراهن، داعياً إلى تحديث التشريعات وتعزيز الحوكمة وربط الأوقاف بالمؤسسات التعليمية والبحثية لضمان الاستدامة والأثر.
الرسالة الختامية
إن فكر الدكتور طه الزيدي يقدّم نداءً واضحاً لإعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها جوهر النهضة، وللوقف بوصفه ذراعها الاستراتيجي. رسالته تتلخص في أن المجتمعات التي تستثمر في عقولها وتحمي هويتها بقيمها قادرة على صناعة مستقبلها بثقة، وأن الوقف المعرفي ليس خياراً ثانوياً، بل ركيزة حضارية لبناء إنسان حرّ، واعٍ، ومبدع، يقود التحول من التلقي إلى الإسهام، ومن الهامش إلى الفعل المؤثر.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز