من الوقف الورقي إلى الوقف الرقمي: رؤية قانونية حديثة لتعظيم الأثر الاجتماعي والاقتصادي


التنظيم القانوني للوقف: بوابة التحول من العطاء التقليدي إلى رافعة تنموية مستدامة في العصر الرقمي

أحمد رجوب:
• القانون إطار الحماية والاستدامة وتعزيز الثقة المجتمعية
• الوقف الرقمي نموذج معاصر لتكامل التقنية مع العمل الخيري
• الحوكمة والشفافية كمدخل أساسي لتطوير إدارة الأوقاف
• رؤية إصلاحية لمستقبل الوقف في ظل التحولات الرقمية

شبكة بيئة أبوظبي، عماد سعد، أنقرة، الجمهورية التركية، 26 نوفمبر 2025
شهد المحفل العلمي الدولي السابع عشر لمؤسسة أريد تقديم محاضرة علمية نوعية بعنوان “التنظيم القانوني للوقف ضرورة للتنمية المستدامة في العصر الرقمي” ألقاها الدكتور أحمد الرجوب، المحامي والمستشار القانوني، حيث تناول خلالها الأبعاد المفاهيمية والتشريعية والوظيفية للوقف بوصفه أداة حضارية تجمع بين القيم الإنسانية والتنمية الاقتصادية، وتعكس قدرة المجتمعات على تحويل العطاء إلى منظومة إنتاجية مستدامة.

واستهل الدكتور الرجوب محاضرته بالتأكيد على أن الوقف لم يعد مجرد عمل خيري تقليدي، بل أصبح إحدى الركائز الاستراتيجية للتنمية المستدامة، لما يمتلكه من قدرة على تمويل القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وخلق فرص عمل دون تحميل الدولة أعباء مالية إضافية. وأوضح أن الوقف يمثل ترجمة عملية لفلسفة “العطاء المستدام”، حيث يبقى أصل المال ثابتاً بينما تُسخّر عوائده لخدمة المجتمع بشكل دائم.

وتناول المحاضر أهمية التنظيم القانوني للوقف، مشيراً إلى أن وجود إطار تشريعي واضح يضمن حماية أعيان الوقف، ويضبط آليات إدارته واستثماره، ويحدد مسؤوليات الناظر وحقوق المستفيدين، مما يعزز الشفافية ويحد من مخاطر الفساد وسوء الإدارة. واستعرض في هذا السياق نموذج القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 2018 في دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي يُعد من أبرز النماذج الحديثة في تنظيم الوقف، لشموله الأوقاف التقليدية والرقمية على حد سواء.

وفي محور متقدم من المحاضرة، سلط الرجوب الضوء على مفهوم الوقف الرقمي باعتباره تحولاً نوعياً في مسار العمل الوقفي، حيث يمكن إدراج الأصول الرقمية ضمن منظومة الوقف، مثل البرمجيات والمنصات الإلكترونية وقواعد البيانات والمحتوى الرقمي، إلى جانب استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في إدارة واستثمار الأوقاف، وضمان الشفافية في توزيع العوائد وتتبع مسارات الإنفاق.

وأوضح أن الوقف الرقمي يتمتع بميزات استراتيجية أبرزها انخفاض التكاليف التشغيلية، وسهولة الوصول إلى المستفيدين، وقابلية التوسع والانتشار عالمياً، ما يجعله أداة فعالة لمواجهة تحديات العصر، لا سيما في مجالات التعليم الإلكتروني والدعم الصحي والمعرفي.

كما ناقش الدكتور الرجوب التحديات التي تواجه قطاع الوقف، ومنها ضعف التوثيق، وغياب الحوكمة، وتداخل السلطات الإدارية، وضعف الاستثمار المستدام، مؤكداً أن تجاوز هذه العقبات يتطلب تحديث التشريعات، وتعزيز الرقابة، وبناء قدرات النظار، ونشر ثقافة الوقف المعاصر بما ينسجم مع متطلبات التنمية الشاملة.

واختتم المحاضرة بالتأكيد على أن التنظيم القانوني للوقف ليس إجراءً شكلياً، بل هو البنية التحتية التي تحول الوقف من “صدقة آنية” إلى “استثمار مجتمعي طويل الأجل”، داعياً إلى تبني رؤية شاملة تستند إلى الابتكار والتقنية والحوكمة الرشيدة، بما يمكّن الوقف من استعادة مكانته كرافعة اقتصادية واجتماعية فاعلة في بناء المجتمعات الحديثة

 

قراءة بفكر الدكتور أحمد رجوب:
يقدّم الدكتور أحمد الرجوب مقاربة فكرية عميقة تنطلق من إدراكه بأن الوقف لم يعد مجرد ممارسة خيرية تقليدية، بل منظومة قانونية واقتصادية قابلة لإعادة البناء والتحديث بما يواكب تحولات العصر الرقمي. ففكره لا يقف عند حدود الشرح القانوني للنصوص، بل يتجاوزها إلى إعادة هندسة مفهوم الوقف نفسه بوصفه استثماراً مجتمعياً طويل الأمد يُدار بعقل تشريعي حديث، ويستند إلى الحوكمة والشفافية والابتكار التقني.
في خطابه العلمي، يظهر الدكتور الرجوب كمفكر قانوني إصلاحي يرى أن إصلاح الوقف لا يبدأ من النوايا الحسنة، بل من البنية التشريعية والتنظيمية التي تضمن استدامته وتحميه من الهدر والتقليد والارتجال.

ينطلق الدكتور أحمد الرجوب من رؤية إصلاحية تعتبر أن الوقف لم يعد مجرد ممارسة خيرية تقليدية، بل منظومة تنموية يجب أن تُدار بعقل قانوني حديث يوازن بين القيم الإنسانية ومتطلبات العصر. فهو يرى أن جوهر أزمة الوقف العربي لا يكمن في ضعف الموارد، بل في غياب التنظيم القانوني والحوكمة الرشيدة، وما يترتّب على ذلك من هدر وسوء إدارة وتراجع في الأثر.
في طرحه، يتحول الوقف من مفهوم عاطفي قائم على النية إلى مشروع مؤسسي قائم على القواعد، حيث يصبح القانون أداة حماية واستدامة لا عبئاً إدارياً. ويؤكد أن التشريع الحديث هو الضمان الحقيقي لتحصين الأوقاف، وضبط العلاقة بين الناظر والمستفيد، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

ويمثّل حديثه عن الوقف الرقمي أحد أبرز جوانب فكره المعاصر، إذ يراه أفقاً جديداً يعيد تعريف الأصول الوقفية من الممتلكات المادية إلى الأصول المعرفية والتقنية، بما ينسجم مع التحول نحو اقتصاد المعرفة. وهو بذلك يربط الوقف بمستقبل التنمية لا بماضيه فقط.
خلاصة فكره تقوم على أن الوقف لا ينهض بالنية الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى بنية تشريعية واضحة، وإدارة احترافية، وحوكمة شفافة، تجعله شريكاً فاعلاً في التنمية المستدامة لا مجرد نشاط خيري موسمي.

رسالة ختامية مستوحاة من فكره
الوقف، كما يراه الدكتور أحمد الرجوب، ليس صفحة من الماضي بل ركيزة من المستقبل؛ هو استثمار اجتماعي دائم متى أُحسن تنظيمه، ومصدر قوة تنموية متى خضع لحوكمة واعية وتشريع مسؤول.
فحين يتحوّل الوقف من تقليد إلى مؤسسة، ومن عاطفة إلى منظومة، يصبح أحد أكثر الأدوات قدرة على صناعة أثر إنساني مستدام يخدم الأجيال المتعاقبة.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من الوقف الخيري إلى الوقف التنموي دعوة لإعادة توجيه الأوقاف نحو بناء الإنسان واقتصاد المعرفة

محاضرة فكرية عميقة للدكتور طه أحمد الزيدي تعيد رسم العلاقة بين الوقف والمعرفة الحضارية طه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *